من بكالوريوس الإدارة الصناعية في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، إلى ماجستير علم الاجتماع بجامعة الملك سعود، وأخيرًا دكتوراة السياسة الشرعية في المعهد العالي للقضاء بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وقبلها وخلالها وبعدها علاقة دائمة مع الكتب والدراسات بلغتين، وقضاء الوقت في مكتبة عامرة بالقديم والجديد وحديث الصدور، ولقاءات علمية وفكرية وإدارية، وفوق ذلك تجربة حكومية، وقرب من أصحاب القرار، وانتساب لأسرة حكم عريقة، فليس بكثير حين أقول: إن الأمير أ.د.عبدالعزيز بن سطام بن عبدالعزيز قد جمع من الممكنات العلمية مالم يجتمع إلأّ للندرة، وزانها منه جدية بالغة، ووعي عميق، وفهم دقيق، وإبانة عن مكنون النفس واضحة، وسك لافت للعبارة والمصطلح والجملة.

وآمل ألّا يظن ظان -وبعض الظن إثم- أني أقول ذلك لأنه أمير؛ فهو لا ينتظرها من أحد، والأمراء والوجهاء كثر متوافرون، ولا أجرؤ على كتابة ما مضى إلّا لمن هي فيه حقًا حسب علمي واعتقادي. أكتب هذا وقد استمعت للأمير وقرأت، وآخر شيء قرأته بحث محكم عنوانه: ريادة الأعمال المؤسسية لدى الأمير سطام بن عبدالعزيز آل سعود: دراسة منهجية في التأسيس الإداري لمبادرات الأعمال في النفع العام، يقع في (62) صفحة، ويتكون من تقديم ومستخلص ومقدمة، فمسألة البحث وأهميته ومنهجه، ويتلوها التمهيد، ثم سيرة شخصية البحث، فمبحثان أولهما عن التطبيقات العملية للمبادرات الفكرية، والثاني الأساس الفكري للمبادرات العملية، وأخيرًا الخلاصة والعبر. رجع الباحث إلى أحد عشر مرجعًا عربيًا، وثمانية وعشرين مرجعًا أجنبيًا، وتسعة عشر موقعًا على شبكة الإنترنت.

ألقى الأمير بحثه هذا يوم الأربعاء 15 من شهر ذي القعدة 1435= 10 من شهر سبتمبر عام 2014م، في المؤتمر الدولي الرابع لريادة الأعمال عام 1435=2014م الذي دأبت جمعية ريادة الأعمال على عقده، واختارت الأمير سطام بن عبدالعزيز (1360-1434=1941-2013م) شخصية لذلك العام، والأمير سطام هو الابن الحادي والثلاثون من أبناء الملك المؤسس عبدالعزيز -رحمهما الله-، وقد عمل في إمارة الرياض وكيلًا ونائبًا فأميرًا إلى وفاته، وقبل ذلك نال شهادة جامعية في الإدارة عام (1965م) من جامعة سان دياغو بأمريكا.

يدرس هذا البحث الأسس الإدارية لمنهج الأمير سطام -رحمه الله- في الحكم والإدارة، ويطبقها على أربعة محاور هي: المغامرة، والابتكار، والتجديد المستمر، واستباق الفعل. وتكمن أهمية هذا البحث زيادة على أنه غير مسبوق، في اعتماده على الكيف لا الكم، والاستناد للمنهج الوصفي عبر مسالك استقرائية منطلقة من البيانات، أو معايشة الباحث، أو سؤال المحيطين بشخصية البحث. وفيه خصيصة بالغة النفاسة؛ ذلك أن هذا البحث له أسلوب توضيحي تعليمي نافع لذوي المناصب خاصة العالية منها، ومفيد للدارسين والباحثين.

وحتى لا أطيل على القارئ؛ فسوف أستل هنا أهم الأفكار الواردة فيه، ناصحًا القارئ والمسؤول بأن يحمل نفسه على قراءة البحث المتوافر على الإنترنت، على أن تكون قراءة فاحصة هادئة ناقدة، وكل أحد يأخذ ما يقنعه ويقوى عليه، فمثل هذا البحث غزير في أفكاره التي تساعد المسؤول على تحري الصواب في الفكر وفي العمل. فمن جميل أفكار هذا البحث، علمًا أني أضفت لها تعليقات يسيرة، واختصرتها، وربما أعدت صياغة بعضها:
- من التعريفات المنتشرة لريادة الأعمال: “ميلاد تنظيمات جديدة داخل المؤسسات القائمة وإعادة ميلاد المؤسسات القائمة من خلال تجديد أفكارها وأساليبها“.
- رأس مبادئ الأمير سطام هو ألّا يعمل شيئًا حتى ينتهي من التفكير فيه، ويوائم بين الفكر والواقع من جهة، وبين التسلسل الطبيعي والمتصور من جهة أخرى، وحاله كما قال ابن خلدون: “أول العمل آخر الفكرة، وأول الفكرة آخر العمل”.
- لدى الأمير تساؤل مستمر عن طبيعة الإمارة والحكم والإدارة، وأثمرت هذه التساؤلات مجموعة توازنات بين المراجع وغير المراجع، وبين الإدارة وحضارة المجتمع، وبين الصلاحية والمسؤولية، وغيرها، وهذه القناعات هي ثمرة للتساؤلات التي يديرها المرء في ذهنه، ويناقشها مع أهل ثقته من الناصحين الصادقين.
- يعرف سطام الحل الوسط السليم، والحل الوسط ليس خلطًا للحق مع الباطل؛ فهذه أنصاف حلول ضارة لا جدوى منها، والحل الوسط هو ترك بعض الحق اليوم ليستدرك ويكمل غدًا.
- وجد بعض الكتّاب أن النجاح الماضي لبعض المنظمات أسهم في سرعة إخفاقها لاعتمادها على نجاح سابق، وهذه الفكرة أوجدت لدى شخصية البحث “التخلي المنظم”، وخلاصته تحديد أشياء من الماضي ينبغي ألّا نستمر فيها؛ فبعض المبادرات القديمة غدت من الأوزار، وبعض المهام تقع خارج دائرة الصلاحيات.
- المراجع وغير المراجع هم من عملاء الجهاز الحكومي؛ لأن الدولة مسؤولة عن الجميع، وبناء عليه تتحقق أهداف الجهاز الحكومي وتقاس خارجه وليس داخله فقط.
- النجاح في النفع العام يقتضي زيادة العملاء “غير المراجعين” وتقليل عدد العملاء “المراجعين”، فالمراجع له غاية محددة خاصة، وغير المراجع له غاية عامة، وهذه الفلسفة في النظر للعميل فارقة جدًا.
- قدمت مؤسسة “فورد” الأمريكية دراسة لتطوير العمل الإداري بإمارة الرياض عام (1970م)، وهي دراسة مشرقة جدًا، لكنها غير عملية ويصعب تطبيقها؛ لأنها كتبت بمنطق الاستشاري الذي يعرف كل شيء، ويقول ما يصلح لكل الناس في أي زمان ومكان، ولذا تندر الناس على متطلباتها بأنها كي تنجح فلا مناص من تغيير جميع الموظفين وجميع المراجعين، فهذه الدراسة نظرت إلى المجتمع ومخزونه الحضاري بدونية تسقط الدراسة من أصلها.
- استخلص الأمير سطام من تجربة “فورد” ومن غيرها أن أي إدارة لن تنجح حتى تتكيف لخدمة البيئة والمجتمع حسب أعرافه ومبادئه السائدة، وأنه ليس من وظائف الحكومة إعادة هندسة المجتمع، وحمل الناس على غير ما ألفوه وتوافق مع الشرع.
- من المهم لدى سطام التوفيق من قبل القائد الوطني بين السياق الثقافي الأجنبي المستورد لخدمة السياق الثقافي المحلي، وهو ما لاتستطيعه الشركات الأجنبية؛ ولذلك فقد عرف عن الأمير جوابه لمن ذكر تجربة في بلد غربي قائلًا: نحن في السعودية وليس بالضرورة أن ما صلح عندهم يصلح عندنا!
- أدرك الأمير سطام العيوب البنيوية في المنشآت الحكومية الكبرى وخلاصتها ممارسة الصلاحيات كلها وتجنب المسؤوليات، وافتراض التعارض بين المصالح العامة والخاصة، وتركيزها على الحشود دون الأفراد.
- خلص الأمير إلى أن أحد أهم أسباب فشل المبادرات في النفع العام هو أن جمال المقصود -أي النفع العام- قد يعمي المسؤول عن سؤال الصلاحيات.
- أصبح الأصل لدى الأمير سطام هو أن يصمم المشروع حسب المنفعة الفردية الصغيرة لتغدو مثل قطرات غيث اجتمعت فجاءت بمنافع كبرى، ونظريته هذه تعاكس نظرية انسياب المنافع إلى الأسفل حسب المعهود لدى المؤسسات الكبرى؛ ولذلك فهو يقدم انتشار المنفعة وتكرارها بين أفراد المستفيد النهائي على حجم المشروع.
- من خلاصاته العملية: على كل مسؤول أن يستخدم صلاحياته كاملة لإنهاء الأعمال المنوطة به، وألا ينشغل فيما لا يعنيه، أو في تحميل الآخرين المسؤولية.
- للأمير طريقة في التواصل منها سماع آراء المستشارين دون أن يشعر أحدهم بما يراه الأمير، وهي طريقة رشيدة كي لا يحرف المستشار رأيه ليوافق رغبات المسؤول. ومنها تقليب أوجه النظر في الآراء، والحذر من مزلة التعلق بأول معلومة.
- من سياسة الأمير العملية التفاعل السريع من قبل المسؤول مع الحدث، وإخبار الجمهور بما جرى. ومنها الشعور الملازم له بأن عمله كله من أجل الناس، ولا مناص من مراعاة مصالحهم ومطالبهم وآرائهم.
- اعتاد الأمير سطام على طرح أسئلة تخص كل مرحلة من مراحل أي مشروع، وبرزت هذه الطريقة في مشروع النقل العام وقطارات الرياض؛ ولذا كتب أسئلة تخص جميع المراحل: التخطيط، والتنفيذ، والمتابعة، والتشغيل والصيانة، والآثار المترتبة على المشروع، وكيفية مضاعفة ثمارها.
- يرى الأمير سطام أن الواجب هو أدنى المطلوب، وأن قيمة المرء فيما يقدمه فوق هذا الواجب.
- سعى الأمير جهده لتقصير سلسلة اتخاذ القرار، والفصل بين الأجهزة والمناصب بحدود واضحة، وتقصير مدد العمل، وفتح قنوات تواصل بكل اتجاه، وإعادة ترتيب مجموعات ذوي العلاقة، وتقليص الإجراءات بغية الوصول السريع للهدف.
- حرص الأمير على تضييق أسباب السجن، وابتعد عن حصر نفسه لفئة معينة، وأسهم في إيجاد حزمة من الحلول لمشكلات السيارات الكبيرة في الطرق، والدخول للأسواق، متجاوزًا الاكتفاء بقرار واحد، أو بمجرد المنع، وشغل نفسه في دوائر الحلول الممكنة، وأخرجها من براثن المشكلات التي تكبّل أي مسؤول لم يفطن لقيودها.
- لم يكن الانتظار المجرد خيارًا لدى الأمير، ولذا جنح إلى المبادرة والفعل بأكثر من سياسة عمل لديه، فالعالم كما يقول أينشتاين: “العالم مكان خطر للحياة ،ليس لأجل وجود الأشرار، إنما بسبب الناس الذين لا يفعلون شيئًا إزاءه”.
- مما عرف عن الأمير تكرار تلقين الحجة وصناعة الحل مع من يكون أمامه، وكذلك غرس الأفكار في الخطط والسياسات، وحرصه على سرعة الفهم وليس سرعة القراءة. ومن جليل منهجه قبوله تحمل اللوم عمن هو أعلى منه، واستعداده لتقبل العتب من المسؤول الأعلى ومن الناس.
- ومما اشتهر به الأمير وورثه عنه نجله العالم اعتماده على القصير ذي الدلالة من العبارات، مثل وصفه لحوادث السيارات بأنها “حرب غير معلنة”، وكلمته الموجزة للحث على جمع التبرعات لشعوب منكوبة إذ قال: “احمدوا الله واشكرو النعمة بالتبرع للمسلمين…”.

رحم الله الأمير سطام وأموات المسلمين، وما أحوجنا لمثل هذه الدراسات التي تذهب إلى العبر والخلاصات بعيدًا عن اللغة المرسلة بقول ربما يصلح لأن يقال عن كل أحد، وحري بنا مثلما أشار الأمير أ.د.عبدالعزيز بن سطام تدوين أفضل تجاربنا، ومناهج الشخصيات العامة، ودراسة أفضل ما لدينا، وهذا كله لا ينفي وجود الخطأ، وسيكون الاقتصار على الصواب مقبولًا بما أنه يساق في إطار من المنهجية العلمية الموضوعية، وعسى أن يوجد في جامعاتنا مسار بحثي يعتني بهذه التطبيقات ودراستها.
الرياض- الثلاثاء غرة شهر الله المحرم عام 1448
16 من شهر يونيو عام 2026م