سياسة واقتصاد شريعة وقانون عرض كتاب

نظار الأوقاف تحت المجهر!

هذا كتاب عملي مهم، أثنى عليه وزراء ومثقفون، عنوانه: الرقابة على نظار الأوقاف بين نظام المملكة العربية السعودية وأنظمة دول الخليج (دراسة مقارنة)، تأليف: د.فهد بن إبراهيم الفعيم، وهو رسالة دكتوراة بامتياز مع مرتبة الشرف الأولى. صدرت الطبعة الأولى عام (1447=2026م) عن دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع. يقع الكتاب في (259) صفحة، وهو العاشر للمؤلف الذي رجع إلى (143) مرجعًا من أجل كتابة رسالته التي حرص على ألّا يتخمها بما يجعلها مرهقة للقارئ، ونجح في حصر صفحاتها بعدد مناسب، فالرسائل العلمية جديرة بالابتعاد عن مزلق تكثير الصفحات.

يتكون الكتاب من الملخص والمقدمة ثم الفصل التمهيدي فأربعة فصول لكل واحد منها تمهيد خاص به، وتعقب هذه الفصول الخاتمة ذات النتائج والتوصيات، وأخيرًا قائمة المراجع ففهرس المحتويات. صنع المؤلف لقارئه قاعدة معرفية عن الوقف وأركانه وشروط نظاره في الفصل التمهيدي، ثم عبر به بأمان نحو الفصل الأول عن أهمية الرقابة على نظار الأوقاف ونشأتها وتطورها في المملكة ودول الخليج، ومادة هذا الفصل مهمة لتاريخ التطور الإداري للعمل الوقفي الحكومي. وحدد الفصل الثاني جهات الرقابة على نظار الأوقاف في المملكة ودول الخليج وإجراءاتها، وهو فصل يجعل القارئ على دراية تامة بخريطة الأجهزة -وليست الجهات- الحكومية المسؤولة عن الرقابة على نظار الأوقاف، وفي هذين الفصلين من المحتوى الدقيق ما يقود إلى حسن التصور عبر الزمن، وصواب المقارنة بناء على الواقع.

أما ثالث الفصول فعن مخالفات نظار الأوقاف وعقوباتها في المملكة ودول الخليج، ومضمون هذا الفصل ينبثق من الأنظمة والقوانين وتحديثاتها، وهي مسألة تحتاج لحصر وفهم تعب فيهما المؤلف الذي استعان بعد فضل الله بحصيلته العلمية وخبراته العملية في هذا الميدان. وختم الكتاب بالفصل الرابع عن معوقات الرقابة على نظار الأوقاف في المملكة ودول الخليج وسبل علاجها، ويتضح من هذا الفصل أن جلّ المعوقات إدارية إجرائية، أو تنظيمية قانونية، وعليه فالحلول تنبعث من جودة إعداد التشريعات وصياغتها، ومن مصداقية تقييمها ومتابعتها بعد حسن تطبيق وتفعيلها إداريًا. وفي كل فصل سعى المؤلف إلى بيان أوجه الشبه، ومواطن الاختلاف بين النظام وتطبيقاته في المملكة، وما يقابل ذلك لدى دول الخليج ،فمن ذلك ذلك أن السعودية تنفرد بوجود جهاز رقابي ثالث على الأوقاف، وأن قوانين قطر هي الأوسع في إجراءات الرقابة على النظار.

وفي لباب جامع، واختصار ماتع، سرد الباحث في الخاتمة النتائج والتوصيات بناء على دراسته التطبيقية، التي ترفدها معرفة وممارسة، وهي نتائج تخلص إلى وصف الحال كما هو بما فيه من محاسن، وأوجه تستوجب صرف الجهد للتحسين، وهو ما توجهت إليه التوصيات بوضوح تام حتى تكون الرقابة على نظار الأوقاف مستندة لنظام متسق كامل، وتطبق بإجراءات معرفة قبلية ولاحقة وذاتية وحكومية، مع الالتزام بمعايير الحوكمة والشفافية والإفصاح خاصة أنها مما نص عليه في رؤية المملكة 2030، ويضاف لذلك إشراك مؤسسات المجتمع المدني، والالتزام بالحزم في الرقابة وما يتبعها.

وربما أن حدود البحث العلمي، ومنهجه الاستقرائي التام، قد حالت دون إشراك نظار الأوقاف وكبار موظفي الأجهزة الحكومية المعنية عبر الاستبيانات أو اللقاءات المباشرة، كما أن الإطار المكاني والزماني للبحث لم يفتح المجال للإفادة من تجارب عربية أو إسلامية أو عالمية في هذا الحقل. وليت هذا الكتاب السابق في موضوعه المتخصص أن يكون سببًا للتوسع العلمي فيه، وأن تؤول هذه الدراسات إلى نوع من التعاون الإسلامي أو العربي أو الخليجي -على الأقل- في مسائل الأوقاف الكبرى، وفي تنظيماتها وإجراءاتها، كي يتمكن الواقف من التوسع المكاني في أصول وقفه، ولعل هذه المنية أن تكون من ثمار دراسة المستشار د.فهد الفعيم الرزينة هذه.

إن الرقابة الرشيدة على المال والإدارة سواء المرتبط بالأوقاف أو غيره من شؤون المجتمع والحكومة لمطلب أساسي لا يخالف في أهميتها منصف يسعى لحفظ الحقوق واستدامة النماء، وهذه العملية الإدارية -أي الرقابة- جزء من الحياة اليومية سواء ذكرت باسمها أو لم تذكر، وهي تقع في صلب مفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإصلاح المبتغى. وإن النظار هم مرجع الوقف الأول، والمسؤولون عنه في الدنيا والآخرة، ومن النصح لهم وللواقف والمجتمع مساعدتهم ومساندتهم، ولا غرو أن الرقابة بمفهومها الصحيح، وإطارها المنضبط، وسلامة الإجراء بعد كمال التنظيم من أعظم سبل العون والتأييد للوقف ومحيطه.

فمرحبًا بالرقابة على الأوقاف وعلى العمل الخيري والمجتمعي، وعلى غيرها كذلك، كي لا يتسرب ظن خاطئ أو سيء بسبب حدث أو تصريح أو غير ذلك مما يرد من عوارض وهواجس مفهومة أو غريبة، فمع وجود الوازع الديني الداخلي -أو هكذا يفترض- إلّا أنه لا مناص من رقابة مبنية على نظام معلن، وطرائق معهودة، ليطمئن القلب، ويعم العدل، وفي العدل من الطمأنينة المجتمعية والرضا العام ما لا يخفى ولا تنكر بركاته، فالرقابة ليست نقيض الثقة، وإنما حارسها الأمين، وليست خصمًا للواقف أو الناظر، فهي على التحقيق شريك لهما في حماية المقاصد، وصيانة الحقوق، وضمانة بأن يبقى الوقف بابًا من أبواب الخير الجاري عبر الأجيال، ومجهرها يجمع صفاء المحبة وصدق النصح وصواب العدل، وسيبقى الجدل قائمًا؛ سنة الله في خلقه، ولن تجد لسنة الله تبديلًا.

ahmalassaf@

الرياض- الجمعة 19من شهرِ ذي الحجة عام 1447

05 من شهر  يونيو عام 2026م

Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.