هذا كتاب عنوانه: الشركة الوقفية والشركة غير الربحية الفرص والتحديات…دراسة نظامية للمقارنة بين الشركات الوقفية والشركات غير الربحية، بحثه المستشار أ.محمد بن علي السلطان، والمحامي أ.عاصم بن عبدالرحمن العبيدي، وأشرف عليه فريق مكون من: د.فهد بن علي العليان، وم.سلطان بن محمد الدويش، وأ.إبراهيم بن عبدالعزيز الخميس، وأ.رشود بن عبدالرحمن الكلثم، وأ.علي بن سعد العمري، وحكمه: د.إسماعيل بن إبراهيم الجريوي، ود.عبدالرحمن بن علي الدعيلج، وأ.يوسف بن صالح السديس، وأدار المشروع: أ.عبدالله بن إبراهيم الجاسر، وأبدع في تصميمه وإخراجه: أ.معاذ بن عبدالخالق محمد. صدر هذا الكتاب عام (1445)، ويقع في (48) صفحة، ويتكون من مقدمة، فأربعة عناصر.

اُستهل الكتاب بعبارة قصيرة المبنى عظيمة المعنى، كتبها أ.نايف بن عبدالكريم العبدالكريم الرئيس التنفيذي والعضو المنتدب لبنك الجزيرة، وفيها أن البنك يهدي هذا الإصدار في سبيل نشر العلم والمعرفة، وتمكين القطاع غير الربحي ودعمه، وهذا ديدن بنك الجزيرة الذي شمل بخيره أهل الجزيرة. وفي الغلاف الخلفي تعريف باستثمار المستقبل، وهو بيت خبرة دأب على النهوض العلمي بالقطاع، وعكف على استثمار الباحثين والخبراء، والتعاون المثمر مع أصحاب الشأن؛ ولأجل ذلك دعي للمشاركة في نقاش بعض الأنظمة التي تخص القطاع الوقفي الناهض في بلادنا، وبعضها مرتبطة بموضوعات هذه الدراسة.

درس الكتاب في عنصره الأول حقيقة الشركات الوقفية والشركات غير الربحية، وبين أن مصطلح “الشركة الوقفية” عرفي ليس له وجود نظامي إن في نظام الشركات أو الأنظمة الخاصة بالأوقاف. وقد عرف الشركة الوقفية بأنها “الشركة التي تكون كامل أسهمها أو حصصها مملوكة للوقف”، ولها صورتان أولاهما أنها سابقة في وجودها على الوقف، والثانية أن الوقف يؤسسها أو يستحوذ عليها، وعليه فهي عين الوقف في الصورة الأولى، ومن مال الوقف وممتلكاته في الصورة الثانية، ولهذا التفريق أثر واضح في التصرفات المالية والإدارية.

وتتفق هاتان الصورتان بأن الوقف هو المالك لهما، وينشأ منهما شخصيتان اعتباريتان الأولى للوقف ونظارته، والثانية للشركة ومديريها. والغرض من وقف الشركات ذهاب الأرباح لمصارفها المحددة، والشركة الوقفية لا تختلف عن أختها التجارية إلا بملكية الوقف للأولى، ولهذه الملكية للشركة من قبل الوقف ميزتان هما: طول عمر الشركة الذي يزيد عن أعمار الأفراد، واشتراط الأذن عند التصرف في العقارات من باب الحماية لها.
أما الشركة غير الربحية فهي مركب من القطاع العام الذي يسعى لنفع المجتمع والعامة، ومن القطاع الخاص بما فيه حوكمة وابتغاء الربح. وهذه الصورة تشبه الوقف، ولذا تقع عليها كثير من أحكام الوقف، ويمكن وصفها بأنها وقف خيري أو تشبهه على أقل تقدير. لهذا الصنف ظهور مبكر في المجتمعات الغربية يتجاوز أربعة قرون مثل جامعة هرفرد، ومجموعة مايوكلنك، وغيرهما. وتنقسم هذه الصورة إلى شركة ربحية عامة، وشركة ربحية خاصة.

فالشركة الربحية العامة تأخذ شكل شركة المساهمة فقط، وتهدف إلى خدمة المجتمع بعمومه، ولا يجوز تحويلها إلى ربحية، والخاصة على خلافها فهي تأخذ أي شكل من شركات الأموال الواردة في النظام، وتهدف لخدمة مصرف أو مجال معين، ويجوز تحويلها إلى ربحية. ولهذه الشركات مزايا منها حظر طرحها للاكتتاب العام، وجواز تحقيق الربح منها، مع استثمار نسبة من العائد لا تتجاوز 30% من الأرباح، ومنع توزيع الأرباح على أعضاء الشركة إلّا إن كانوا من مصارفها على أن لا تزيد عن العشر، ولكن يمكن دفع المكافآت المعقولة للأعضاء.
كذلك فإن عليها رقابة قضائية من قبل أعضاء الشركة، ويمكن تأسيس الشركة العامة من الأجهزة الحكومية ومن موظفي القطاع العام، وتعفى من جباية الزكاة والضرائب، ولكل نوع منهما أحكامه التي تخصه في الصرف، والتصفية، وقبول الهبات، والتنازل عن العضوية، والتمويل، وشروط العضوية، والتعديل على النظام الأساسي للشركة العامة بعد موافقة وزارة التجارة، وتحويل الخاصة منها إلى ربحية.
وجاء التأصيل الفقهي والنظامي لهذه الشركات في العنصر الثاني، وخلاصته أن الشركة الوقفية تأخذ حكم عين الوقف، ويجوز نظامًا لأي شركة تأسيس وقف أو الاستحواذ عليه أو شراء حصص منه. وتشبه الشركة غير الربحية الوقف من وجوه مثل حبس الأصل وتسبيل الأرباح، وتخالفه من وجوه في الألفاظ، وجواز البيع والتصفية، وبأنها مؤقتة والأصل في الوقف التأبيد، وعليه يصعب الجزم بصفتها الفقهية، لكنها نظامًا تأخذ أحكام الشركات التجارية في نظام الشركات.

ثمّ قارن الباحثان في العنصر الثالث بين الشركة الربحية العامة، والشركة الربحية الخاصة، والشركة التي أوقفت حصصها وأسهمها، والشركة التي أسسها أو استحوذ عليها وقف من شتى الجوانب، ووضعا المقارنة بجداول واضحة. مما يلفت النظر أن وزارة التجارة تشرف عليها جميعها وتنفرد الشركة غير الربحية العامة بإشراف آخر من المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي، وتعفى الشركة غير الربحية من الزكاة والضرائب، وتعفى الوقفية من الزكاة فقط. وختم المستشاران الدراسة برابع العناصر وهو نتائج الدراسة، ومن أبرز ما فيه أن الشركة الوقفية أكثر أمانًا، وأن الشركة غير الربحية أكثر مرونة.

صحيح أن هذه الدراسة مختصرة، غير أنها وجدت مكانها في المكتبة الوقفية والنظامية، وهي حسنة تحسب للشركاء في هذا المشروع، وعسى أن يواصل المركز تحديث النسخ الإليكترونية من هذه الدراسات بناء على ما يستجد من أنظمة وقواعد، حتى تستمر في النفع للمختص وغيره، وهذا هو المأمول منهم، ومع فتح باب الأمل فإني أتمنى أن تصل مثل هذه الدراسات للواقفين، وللأجهزة الحكومية المعنية بالأوقاف من ناحية التطبيق والمتابعة، ومن ناحية إصدار الأنظمة والقواعد والتنظيمات.
الرياض- الخميس 04 من شهرِ ذي الحجة عام 1447
21 من شهر مايو عام 2026م