أحيانًا، يمكن معالجة الأمور، وحلحلتها، بدون كبير تعقيد ولا كثير إجراءات. لعلّ من قرأ سيرة د.غازي القصيبي يتذكر كيف استطاع الحصول على عدة أراض تملكها وزارة الدفاع بقبلة على أنف الأمير سلطان، وكيف حسم التداخل بين وزارته ووزارة صديقه د.سليمان السليم في جلسة مدتها نصف ساعة خلافًا لوزارة أخرى طالت المفاوضات بينهما! ومن استمع إلى لقاء متلفز مع الشيخ عبدالعزيز التويجري سوف يتفاجأ بأن هذا الرجل الكبير تعلّم أحد فنون مقابلة الجمهور وسياستهم من رجل عامي! وصدق النبي الأكرم -عليه الصلاة والسلام-، فإن الرفق ما كان في شيء إلّا زانه، وما نزع من شيء إلّا شانه.
وحين تدخل المفاوضات النفطية مع وفود دول آسيا -وهم مفاوضون شديد مراسهم ولا رخاوة لديهم-، يقترح عليهم وزير النفط الأسبق المهندس علي النعيمي أخذ جولة مشي على شاطئ أو في ممشى، وبعدها تسير المفاوضات بنهج غير الذي كان قبل المشي. وفيما مضى كتبت مقالًا عن قصص أمريكية تندرج ضمن هذا الباب، وهي وقائع متكررة، وربما جاءت بكلمة أو إشارة أو عمل يسير، ومن دعى بحسن التدبير قاده الله لرشده، وهداه لأرشد أمره.

أقول ذلك، وقد سمعت قصة لطيفة في محتواها، نافعة في مغزاها، وهي قديمة نوعًا ما، وحدثت في إحدى بلدان الخليج، وخلاصتها أن لجنة حكومية مكونة من عدة أجهزة اجتمعت لمناقشة موضوع سوف يُعرض للاعتماد، ولم تصل اللجنة إلى وجهة نظر موحدة، مع أن أعضاءها يجمعهم ابتغاء تحقيق الصالح العام وخدمة المصلحة العليا دون أي اعتبارات أخرى. وبعد أن توقف المجتمعون للراحة، وأداء صلاة الظهر، جلس أهم أطراف اللجنة في غرفة صغيرة، وخلعوا غترهم البيض وعقلهم، وكان معهم القهوة والحلوى، وبعد فراغهم منهما، سكبت أكواب الشاي، وهو مشروب منعش لذيذ، ويبدو أنه أكثر بركة من القهوة في هذه القصة على الأقل، وإن غضب حزب القهوة!

وحين همّ الحضور بشرب الشاي، برزت بينهم قطع من الشابورة اللذيذة، فأخذ أحدهم قطعة صغيرة منها وأكلها من باب المجاملة! فقال له أهم شخص في ذلكم اللقاء: هذا غير مقبول! خذ حبة شابورة كاملة واغمسها بالشاي وهنيئًا مريئًا، وعندما فعل ذابت الخلافات بينهم مثلما ذابت الشابورة الصلبة داخل كوب الشاي الحار، وعادوا إلى اجتماعهم الموسع وهم أكثر تفهمًا لوجهات النظر، وأكثر تقبلًا لسماع آراء الآخرين، وأكثر استعدادًا للوصول إلى صيغة مناسبة مرضية للأطراف جميعها، وانتهى الاجتماع بالاتفاق على ما سيعرض. بقي أن أقول إن الفضل مشترك هنا بين الشاي والشابورة، واخترت الشابورة للعنوان لأنه أكثر جاذبية، وحتى لا أتهم بالتحيز لمشروبي المفضل، فضلًا عن أن روح الحضارة أنثى، والمؤنث -حتى المجازي منه- به يصطاد القراء وغيرهم!

مثل هذه المواقف الإدارية، حرية بأن تنشر، ذلك أنها تعطي دلالة ومعنى، وتخفف من غلواء الإدارة المتصلبة، وليس فيها أي مخالفة أو تجاوز لنظام أو إجراء، وهي تؤكد على أن الحل قد يكون في متناول اليد، بيد أن التصور الكثيف يطوح به بعيدًا. مما سمعته فيما مضى أن لجنة مهمة اجتمعت لدراسة أمر ما في إحدى البلاد العربية، وكان المتحدث فيها رجل متمكن في علمه ولغته ومنطقه، وهو ممن درس الشريعة والقانون، فضلًا عن أنه يمثل جهازًا مهمًا مهابًا في ذلكم البلد العربي الجميل.
وبعد فراغ المتحدث طلب رئيس الاجتماع -وهو قانوني عتيق وإداري خبير- من الحاضرين إبداء الرأي حول ما قاله المتحدث، فما نبس أحد منهم ببنت شفه، إما عجزًا عن مجاراة المتحدث، أو هيبة لجهازه الذي ينتمي إليه! فما وجد الرئيس لتحفيزهم من طريقة إلّا أن قال وهو يعبث بربطة عنقه: نحن طلبنا من أجهزتكم ترشيح أسماء على قدر عال من القدرة على الفهم والتعبير مع الجرأة في إبداء الرأي، وبهذه الكلمة القصيرة المحفزة، انطلق بعض المشاركين كأنما نشطوا من عقال؛ للحجاج والحوار، ومقارعة المتحدث الأصلي دون هيبة من براعته، أو وجل من جهازه الجالب للمغص والخفقان!

تذكرني هذه الوقائع الجارية في لجان كبرى بما يفعله بعض القضاة ولجان إصلاح ذات البين، عندما ترد إليهم قضايا الطلاق، فيطلبون من الزوجين المتخاصمين الجلوس معًا في مختصر يضمهما وحدهما بعيدًا عن المتدخلين من عائلتيهما، وبعد برهة يعود الزوجان وقد زال ما بينهما من شحناء، فأبطلا نزغ الشيطان، وطردا وسوسته، وهذا الشيطان إنسي أكثر منه جني كما لا يخفى، وإن كان شياطين الجن يؤزون شياطين الإنس أزًا أزًا من أجل إثارة الخلاف بين الأزواج والأقارب، وإشعال ناره، وإبقاء جذوته ولهيبه، وزيادة سعاره، نعوذ بالله منهم. وهنا يحسن التنبيه إلى أن استعمال سياسة السماحة والرفق ضرورية، وهي أولى ما تكون في نطاق العوائل والأسر، وشؤون التربية والمجتمع، بلا تفريط ولا إفراط، وعندي حكايات جميلة تُروى في هذا الحقل الخصيب، وبعضها “مشخلع” كتابته ممتنعة، وروايته شفاهة محكومة بضوابط قلما توجد!
إن الحل الناجع المختصر السريع العملي السالم من الكلفة قد يغيب عن البال لأسباب منها: الخطأ في تصور طبيعة المشكلة وطبائع الحل، ورغبة البعض في اكتساب الأهمية بالتعسير ووهم العمق، إضافة إلى نقص التوفيق الرباني، والحرص على إنهاء الأزمة دون تفكير في التدرج بالتكيف والتخفيف، وغياب هذا الملمح الذي يدير المزاج قبل إدارة النزاع في البرامج الدراسية المتخصصة، أو التدريبية التي يفترض فيها تجاوز صرامة المقررات الدراسية. ورحم الله أهل السماحة واليسر والحكمة؛ فبها يحصل المطلوب، دون إهمال أو تقصير أو سرف، وبحفظ الوقت والمال والصورة الذهنية، مع النجع والألفة والمحمدة، والأحدوثة الحسنة التي تُروى، فاستمتعوا -رحمكم الله- بالشابورة، وبالشاي من باب أولى!
الرياض- الاثنين 10 من شهرِ ذي القعدة عام 1447
27 من شهر أبريل عام 2026م