فرغت على جرعات أيام العيد من قراءة سيرة ذاتية عنوانها: الطبيب الإنسان: الدكتور سيف الدين السمنّودي طبيب الملك فيصل وعائلته، تحرير خالد ربيع السيد. صدرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب في ديسمبر عام (2023م) عن دار مدارك للنشر، ويقع في (360) صفحة من القطع المتوسط المناسب جدًا للروايات وكتب السير. ولد الدكتور عام (1924م)، وتوفي عام (2017م). هذه السيرة ذاتية من جهة، وغيرية من جهة أخرى.
![]()
أعجبني في هذه السيرة الإشارة لمتانة التربية الأسرية، وأثر ما يسود في البيت من مبادئ ونفحات إيمانية. قد يغفل الآباء عن أن سنوات التكوين التي يقضيها أولادهم تحت أعينهم ورعايتهم وتوجيههم ذات أثر بالغ جدًا في صناعة الشخصية وتوجيهها، ويالها من مسؤولية عظيمة. وقد أعجبني إشادة الابن بما وجده في بيته من تلك التربية ذات المعاني الجليلة، وربما أنه أفاد منها في حسن تربيته لأولاده، ورفيع التعامل معهم ومع كل أحد تصادف وجوده في حياته.
كما أعجبني أن صاحب السيرة حين استقر نهائيًا في المملكة، وحمل جنسيتها، لم ينس أهله في مصر، ولا مرابع الطفولة ومغاني الشباب في المنصورة. كان من خبره إدامة التواصل، والزيارة، وتقديم الخدمات المتنوعة، حتى وصف بأنه العمود الفقري للأسرة. وكان من صنيعه فعل الخير هناك ما وسعه إلى ذلك سبيل، وإن الوفاء للإخوان، والتحنان للأوطان، لمئنة على أخلاق المرء الكريمة الطيبة. وفي بدايات السيرة حديث عن ذكريات مصرية جميلة تخص المنصورة وأسرته ومهراته التجارية والكروية وقصة التحاقه بكلية الطب ثمّ تعاقده للعمل في السعودية.
وأعجبني في السيرة تلك العلاقة الراقية بين د.سيف وزوجه حياة بنت عبداللطيف جميل حتى بعد فراقهما بالطلاق. ما أجمل الإمساك بالمعروف والتسريح بالإحسان، وما أكثر ماحذر القرآن من تجاوز حدود الله ووردت في آيات تخص الأسرة؛ وياله من تحذير عظيم غاب عن الأذهان وعن التطبيق. لم يؤثر هذا الطلاق على التوقير بين رجل الأعمال الكبير عبداللطيف جميل وأبنائه وأصهاره من جهة، والدكتور السمنودي من جهة اخرى. لم يشرخ هذا الطلاق نفوس أولادهما الأربعة؛ فنشأ كل واحد منهم بقدر كبير من الكمال حتى لكأنه قد درج بين يدي أبويه. لقد كان من صنيع الطرفين أن أثنى كل واحد منهما على الآخر بخير، وانتصر على نزغات الشيطان ووساوسه حين الحديث عن الآخر، وكم من شيطان إنسي وجني يقف في الطريق بين الأزواج قبل الفراق وخلاله وبعده!
كذلك أعجبني التوقير الكبير من صاحب السيرة للملك فيصل وزوجه الملكة عفت وأبنائهما وأحفادهما. ولاحظت في سرده لعلاقته الطويلة بالقصر أن خدماته الصحية بدأت بالموظفين ، ثمّ أصبح طبيب الملك وعائلته. ومن حديثه فهمت الخطأ الطبي الذي تعرض له الفيصل في شبابه، وأدى إلى التزامه بنظام دقيق في الأكل وأخذ الأدوية التي كان يأكلها دفعة واحدة والطبيب في عجب من تلك القدرة والتحمل. ومما أورده أنه يفحص الطباخين يوميًا، وحج برفقة البيت الملكي أكثر من ثلاثين مرة، وحظي بتقدير أبناء الملك عبدالعزيز لما ناله الطبيب من مكانة وثقة لدى أخيهم الملك فيصل؛ تلك المكانة التي قامت على عدة أعمدة، ولم تهتز حينما وضع بعض المغرضون في سيارة الطبيب منشورات معادية.
من تلك الأعمدة: الكتمان فلا يفشي سرًا، والاقتصار على عمله فلا يتطفل، والحضور الدائم أو حين يطلب، والأمانة الفائقة في المال، والصدق البالغ في النصيحة، والابتعاد عن الوشاية أو الاستعداء، وما أحوج أرباب السلطان إلى هذه الصفات فيمن حولهم من مستشارين وأعوان وليس من الأطباء فقط. لأجل ذلك استمرت علاقة الطبيب ببيت الفيصل حتى بعد رحيله، وقضى معهم الحياة داخل المملكة وخارجها، وقد بادله البيت الملكي تلكم المشاعر، ومنحوا أهل الطبيب الزائرين من الوقت وحسن الاستقبال ما يلفت النظر.
ومما أعجبني تلك المعاني الدينية العظيمة الواردة في الكتاب، مثل التعلّق بالصلاة، وكثرة تلاوة القرآن الكريم، والحرص على أداء الحج والعمرة، وبر الوالدين والإخوة ومن كان من طرفهم بنسب أو سبب، والمسارعة للوقف وخدمة المساجد، والالتزام بالإنصاف ونسبة المحاسن لأهلها، والتعبد بخدمة الناس خاصة الضعفة منهم بالعلاج والشفاعة، وهذه طاعة منزلتها عند الله عظيمة، وأنفع الناس لعباد الله محبوب عند المولى الكريم الرحمن.
لكن العنوان لم يعجبني؛ فكل طبيب هو إنسان ولا بد! وإن قيل بأن المقصود المعاني الحسنة، فهذا لا يسلّم به لأنها معان مشتركة عند كثير من الأطباء، ولأن الوصف بالإنسانية حسب النصوص الشرعية، والعلوم الإنسانية، والتجربة البشرية، تؤكد لنا أن الإنسان مزيج من الخير والشر، فالإنسان ليست صفة مدح أو كمال بإطلاق، وخير منها الوصف بالفطرة، لكنها كلمة غير متداولة مع الأسف، وفي سيرة طبيبنا من المحامد والخصائص ما يمكن استثماره في العنوان. وفي الكتاب توسع في الحديث عن الملك والملكة بعيدًا عن ذكريات صاحب السيرة، ولو كانت مستقاة من ذكرياته في حدود المتاح لأصبحت أثمن وأنفس.

مع ذلك فقد أعجبني غاية الإعجاب أن أولاد د.سيف الدين الأربعة قد سارعوا لتسجيل ذكرياته ونقلها عنه مباشرة، وبعد وفاته لم يغفلوا عن المشروع، وإنما أوكلوه لمن يكمله، فحاور عددًا من أقارب الطبيب وأصدقائه وزملائه، وجمع كمًا من الصور، واستطاع أن يزيد من مادة السيرة بتلك المرويات والشهادات. صنيع الأولاد نوع من البر بالأب وسيرته، وباب من خدمة تاريخنا الطبي.
الرياض- ليلة الأحد 10 من شهرِ شوال عام 1447
29 من شهر مارس عام 2026م