سير وأعلام

عبدالرحمن السويلم ومن نعزي؟!

كلما هممت في آخر ثلاثة أيام بالسؤال عن الوضع الصحي لمعالي الدكتور عبدالرحمن بن عبدالعزيز السويلم (١٣٥٧-١٤٤٧=١٩٣٨-٢٠٢٦م) يصرفني عن السؤال صارف، فأقول في نفسي: اللهم اجعله خيرًا وعاقبة حسنة حميدة. وحين بلغني نبأ وفاته قبل قليل تساءلت بعد الاسترجاع والدعاء له بالرحمة والثبات ولآله بالصبر والسلوان، وكان سؤالي: من يُعزى به؟ إن الرجال العظام لا يموتون مرة واحدة، بل يموتون بعدد القلوب التي أحبتهم، والنفوس التي لامستهم، والأعمال التي أسسوها، ورحم الله من عاش للناس حتى صارت وفاته مصابًا عامًا.

فهل أعزي أسرته العريقة من آل السويلم وأنسابهم وأصهارهم؟ أم أخصُّ أهل ثادق وإقليم المحمل وأهل الزبير؟ وهل يذهب العزاء للبدارين من الدواسر؟ أم أعزي القطاع الصحي في المملكة على غياب أحد من عاصره في مراحل شتى وكان أحد الفاعلين المؤثرين فيه؟ أم أني سوف أصرف العزاء للقطاع التطوعي والمجتمعي غير الربحي، وقد ترجل عن مركب الحياة فارس من فرسانه الكبار؟ هل أعزي الهلال الأحمر برحيل واحد من أبرز رؤسائه؟ أم يذهب العزاء لمجلس الشورى بغياب عضو من أعضائه؟ أما إنه عزاء لبلد، وأمة، ومجتمع، وأناس، وأعمال، قبل أن ينحصر في فئة أو مجال.

وقد شاء الله أن أكون قريبًا من معاليه في آخر سني عمره، إبان كتابة سيرته الذاتية، ومسيرته الطيبة الجميلة. هي سيرة أصر عليه كي يكتبها أمراء ومشايخ ووزراء وأعلام وأقارب ووجهاء، وأعلم عن ذلك علم اليقين الذي لا يداخله شك. إن تواتر هذه الفكرة من كرام ليس بينه مرابط مما يؤكد أننا أمام شخصية ذات إشعاع إنساني باهر، وتجربة صحية وإدارية وخيرية فيها تأسيس، وتصحيح، فيها ابتداء وإكمال. هي سيرة جديرة بان ترى النور؛ لأنها تمثلنا، وتحسن التعبير عن مجتمعنا العريق.

خلال المدة التي جلستها وإياه لكتابة سيرته بعد سماعها والحوار معه حولها، أشهد أن هذه الفكرة كانت ثقيلة عليه؛ فالحديث عن نفسه غير محبذ لديه، ولذا ظلّ يدافع هذا الأمر بلطف، لكن الله يسرها بفضل منه وكرم، وكان دائمًا يسأل: هل فيها ما يستحق أن يُروى؟ هو سؤال تواضع حقيقي، وعند جهينة الخبر اليقين. لقد كان الحديث عن النفس شاقًا عليه، وسؤال النشر عن الحي يعاوده بين فينة وأخرى، ولعل الله أراد بحكمته أن يعفيه من معاصرة هذا الأمر، وعسى أن تكون له من لسان الصدق الخالص، ومن عاجل بشرى المؤمن.

كما حرص أبو سعد على دقة المعلومة، وعلى التثبت منها، وكم من مرة ومرة يطلب مني سؤال غيره، أو يتواصل هو مباشرة مع الشخص المعني للاستفهام منه. وقد سمعته غير مرة يرد على من أثنى عليه بعمل أو منجز فيقول: هو من صنع فلان ممن كانوا قبله أو بعده في المنصب! يقودني هذا لخصيصة رفيعة سامية فيه، وهي أنه لا يتحرج من نسبة الفضل لأهله ممن خلفهم على موقع إداري أو خلفوه عليه، وفوق ذلك يلتمس لهم العذر إذا جاء في سياق الكلام ما قد يفهم منه وجود شيء من القصور. كان الرجل ساميًا في نفسه، ساميًا في تعابيره، لا يحمل من الغل مثقال ذرة. يضاف لذلك أنه يحرص في سياق ما تم على يديه أن يقول: شاركتُ مع فلان وفلان…، ويؤكد على ضرورة البحث عمن أسهم معه في أي عمل، ولا يستثني أحدًا لصغر سن أو منصب. هو رجل عظيم لا يستصغر غيره البتة.

أما أحد أجلّ سمات راحلنا الكبير فهي أنه حساس شديد الحساسية في الدفاع عن دينه، وحضارته، وبلاده، ومواطنيه، وكل ذي حق. هذا الدفاع لم يولد معه متصاحبًا مع المناصب العالية، وإنما كان خلة تكوينية مبكرة ملأت عليه عقله وقلبه، وبرزت كثيرًا حتى وهو شاب صغير يدرس الطب في ألمانيا. لقد بهر أساتذته وغيرهم بموقفه المبدأي الشجاع والراسخ؛ ولا غرو فلقد صبت أمشاج جده الوجيه الكبير الحجي أحمد -رحمهم الله- في حفيده عبدالرحمن صبًا صبًا، فصار الحفيد البار يمشي على الأرض سيدًا عزيزًا، وبين العالمين إنسانًا رحيمًا رفيقًا، وفي كل مكان هو فرد نافع بما يستطيعه دون توان.

هذا النفع الذي تصاحب معه منذ طفولته في بيت والديه، إلى شيخوخته في الرياض، ولذا استمر في الخدمة المجتمعية والخيرية حتى مع وهن الجسد وضعف البصر وتقدم العمر، ولا يكاد أن يتأخر عن شيء في هذا الباب، مع أنه يفعل ذلك دون أن يخالط نفسه شعور بالزهو أو التفرد، وإنما يرجو صنع الإفادة، وإتمام العمل الذي لا ينقطع أجره، بعد أن أغلق أي منافذ لخواطر أخرى، أو لأي مثبط أو متقول بلا بينة ولا هدى ولا آثارة من علم، ولا ينبئك مثل خبير ظلّ جليسًا في ساعات وخلوات.

وكان علمنا البارز دائم الثناء والتشجيع والتحفيز، لكل أحد ،سمعت ذلك منه لزواره ولمن حوله، ولمن اتصل به هاتفيًا، وقال لي غير مرة: حضورك يزيدني نشاطًا، وذاكرتك التاريخية تساعدني، وحدسك يعجبني، وربما أنه قال ذلك زيادة في التلطف والترفق معي؛ فاللهم أحسن وفادة عبدك، وافسح له في ضريحه، ونوره عليه، وثبته بالقول الثابت الذي يرضيك، وافتح له بابًا إلى الجنة، واجعل صحيفته مفتوحة للحسنات حتى قيام الساعة.

ahmalassaf@

الرياض- الجمعة  18 من شهرِ شعبان عام 1447

06  من شهر فبراير عام 2026م

Please follow and like us:

16 Comments

  1. أشهد بصدق قولك في كل ما كتبت، وبأنك كتبت فأحسنت وأجدت المقال؛ فحزن الفقد ينساب في كلماتك، حتى إن مقالتك، على أناقتها، تقطر وجعًا على فراقه.

    إنّ القلب ليعتصر حزنًا، وإنّا لفراقه لمحزونون؛ فقد ترجل رجل أفنى عمره في خدمة هذا الوطن، محمولًا على محبة صادقة وإخلاص نادر وتفانٍ لا يُنسى. يعجز القول عن احتواء وجع الفقد، غير أنّ الرجاء يظل معلّقًا برحمة الله الواسعة، في هذه الساعة المباركة التي نؤمّل أن تكون ساعة إجابة، فيتغمّده الله بفيض عفوه ورضوانه.

    وانت استاذنا القدير لقد حُمِّلت أمانةً ثقيلة، وأُسندت إليك مهمة جليلة؛ أن تنقل تاريخ هذا الرجل وسيرته، بما يليق بمكانته وأثره. فنسأل الله أن يسدّد خطاك، وأن يعينك على أداء الأمانة كما ينبغي، فأنت لها، بإذن الله.

  2. انا لله وانا اليه راجعون غفر الله له واسكنه فسيح جناته
    لقد كان كثير التواضع طيب النفس لطيفا في تعامله وتوجيهاته معناعندما نراجعه في بعض مواضيع العمل لارتباطنا به اداريا ونحن موظفين صغار فكان كبيرا في تعامله وخلقه. فهو من الرؤساء القله الذين لاتنساهم.
    رحمه الله والهم أهله وذويه الصبر والسلوان.

  3. رحم الله الدكتور رحمة واسعه و اسكنه فسيح جناته
    صاحب إياد بيضاء على الكثير أبان ادارته كوكيل تنفيذيا نسأل الله ان يعظم له الاجر و المثوبة

  4. ليس السؤال : من نُعزّي ؟
    بل : كيف نُعزّي أنفسنا عن فقد قيمة إنسانية عاشت بهدوء .. وأسّست أثرًا .. ثم رحلت دون ضجيج .
    عبدالرحمن السويلم من أولئك الذين لا يُختصرون في منصب .. ولا يُرثَون بكلمات .. لأن سيرتهم وحدها عزاء .

    رحمه الله رحمةً تليق بطيب قلبه .. وجعل مقامه في عليّين .. وجمعه بمن يحب في دار كرامته .

    وجزاك الله خيرًا على قلمك الأمين الذي نقل سيرته بصدق ووفاء .

  5. جزاك الله خيرا أبامالك ولعلنا نرى سيرته قريبا فأمثاله تبقى سيرتهم ملهمة لأجيال خاصة في المجال الصحي الخيري

  6. غفر الله له ورحمه، وأخلف المملكة والأمة الإسلامية مثله وخيرا منه.
    شكرا جزيلا لكم دكتور أن عرفتنا إليه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

X (Twitter)