الحمدلله الذي جعل الخير بذرة مغروسة في جذور قلوب أهل هذه البلدة الطيب أهلها، العريق تاريخها، حتى أصبحت البذرة جبلًا شامخًا يأوى إليه، وعلمًا فوق رأسه نار يراه كل منصف، وهو تراكم تاريخي رعته الدولة والمجتمع. ولا غرو أن يكون هذا ديدنهم ونهجهم فهم أتباع دين يحث على صنائع المعروف، وأبناء قومية تفاخر بالمكارم، وأهل أرض حفظ التاريخ لها كثيرًا من المحامد والمناقب، وما أكمل تلاقي الدين مع العرق واللغة والتاريخ. إن هذه الفضائل لا تقتصر عليهم ولا تنفيها عمن سواهم، بل يشاركهم فيها غيرهم من الناس عربهم وعجمهم مسلمهم وغير مسلمهم.

وقد سبق لي الكتابة عن مشاركة أعضاء مجلس الوزراء السعودي الموقر في التطوع بمعناه الواسع الفردي منه والمؤسسي، الرعوي والتنموي، وتبين كثرة مشاركة أولئك الوزراء في أعمال طيبة على طول طرق الخير وعرضها، بتنوع المجالات، وتعدد الأماكن، واختلاف الأزمنة. وإنه لمن فضل الله على البلاد وأهلها وتاريخها أن يكون لدى أعلى الناس منزلة وظيفية هذه العناية وذلكم الاهتمام وتلك المشاركة والقرب من الميدان والشارع؛ فالناس والأجيال يقتفون أثر الكبراء والنماذج القوية، وما أجدر الأكابر والكبراء بمكارم الأخلاق وحسن الفعال وجميل المآثر، ابتغاء الأجر أولًا، وقد يأتي مع الثواب حسن الذكر ولسان الصدق الخالد، والسلامة من الذم؛ فالعيون ترمقهم، والمجتمعات ترقبهم، وأقلام التاريخ تدون.

ثم بدا لي الإشارة إلى الكيانات التي تحمل أسماء من أصبح عضوًا في مجلس الوزراء، وبعد البحث ظهر أنها كثيرة، وهي في ازدياد ونمو والحمدلله. يأتي على رأس هذه القائمة المؤسسات المانحة التي تحمل أسماء ملوك المملكة العربية السعودية، ثمّ المؤسسات والجمعيات الخيرية التي تحمل أسماءهم الكريمة، وتعمل في مجالات ثقافية واجتماعية وصحية وسكنية وتعليمية وغير ذلك، وتستهدف صناعة أثر مستدام. ويتضح بجلاء أن اسم خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله ورعاه- هو الأكثر ورودًا، وهذا الملمح فيه كتابات سابقة، وسوف أتناوله لاحقًا ليكمل سلسلة من المقالات عن مقامه السامي، خاصة أن العمل المجتمعي والخيري سمة بارزة في سيرته الشخصية والعملية.

كما نجد أن جلّ أعضاء المجلس من أمراء البيت السعودي الحاكم قد أنشأوا مؤسسات خيرية مانحة، أو مؤسسات وجمعيات تؤدي أعمالًا مجتمعية في حقول عديدة بما يخدم المجتمع ويساند الحكومة، وهذا ليس بمستغرب على بيت عريق، فما أكثر الكيانات الخيرية التي تحمل -غير أسماء الأمراء الوزراء- أسماء أمراء المناطق، وعامة الأمراء والأميرات، هذا غير الجمعيات التي تنبثق برعايتهم ومؤازرتهم المادية والمعنوية ومنها التسمية، ويضاف لذلك أعمال جليلة خفية في الحرمين الشريفين، ومشروعات القرآن الكريم، ونشر العلم الشرعي، وبناء المساجد، وإغاثة الملهوفين، وهذه الفعال الحميدة ترجمة عملية للشراكة المتينة بين أسرة الحكم والمجتمع.

إن المشاركات الملكية والأميرية في هذا الباب الواسعة مصاريعه، المخضرة دروبه، المضمونة حسناته، المطلوبة بركاته، الميمونة نتائجه، لمما يحثّ الأثرياء والوجهاء وسروات الناس على المسابقة إليه، والمنافسة في ميدانه، وتلك يد أخرى تحسب لمن أظهر إحسانه، وأشاع إسهاماته، كي تغدو من الحسنات البادية التي نعمّا هي، ومن يدري فلعلها أن تكون صدقة على “غني أو وجيه”، فتدفعه إلى العطاء المادي أو المعنوي، وتحرك منه ساكن العزيمة، وتكسر حواجز التمنع المصطنعة من الأوهام أو التشبث الشديد بدنيا أكيدة الفناء، وقابلة للزوال في أي لحظة، وقد لايجد صاحب المال أو الجاه من ورثته الذين نعموا بأمواله ومكانته من يتصدق عنه بقرش واحد تراكم عليه الصدأ حتى أخفى معالمه!

أما الوزراء من غير الأمراء، فلهم من غير المشاركات بالنفس والوجاهة والعلم، أعمال أخرى ضمن جهود أسرهم في المنح والوقف، ولبعضهم أوقاف خاصة ومبرات وهبات إلى سبل النفع قدر وسعه. وقد حاولت البحث عن مؤسسات تحمل أسماء الوزراء، فوجدت مؤسسة عبدالله السليمان للوزير الأول الشيخ ابن سليمان وهي الأقدم فيما أعلم، ومؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي التي أنشأها الشيخ أحمد ذكي يماني قبل أربعة عقود في بريطانيا، ثمّ مؤسسة إبراهيم بن عبدالله العنقري وذريته الخيرية، ومؤسسة ناصر المنقور الخيرية، ومؤسسة سنابل الأهلية التي أسسها قبل عشر سنوات د.خالد العنقري، وحملت اسمه وحرمه وذريته أول الأمر.

وقد قرأت أخبارًا وتصريحات عن مشروعات وأفكار لتأسيس كيانات بأسماء وزراء سابقين أو راحلين، لكني لم أجد بالبحث المتكرر شيئًا، وربما غاب عني شأنها، أو تعثر الإنشاء لأكثر من سبب إداري أو لفتور العزائم وجفاف العواطف، أو كان التصريح انفعالًا وتأثرًا بوفاة زال مفعولها بعد أيام كما هو طبع غالب بني آدم، ولعل مثل هذا الحدث المتكرر أن يعجل بدفع المتردد للبدء في تأسيس شيء يكون من العمل الصالح المبرور الذي لاينقطع بوفاته. ومن لطيف ما وقعت عليه وجود مؤسسة أهليه أنشأتها زوج الوزيرالشيخ جميل الحجيلان، وأسمتها مؤسسة والدة عماد الحجيلان الخيرية.

أن العمل التطوعي حين يصدر من مواقع القرار، يتحول من فعل خير إلى ثقافة دولة ومجتمع عريق، فاللهم بارك على هذه المسيرة الزكية من قبل الوزراء وآلهم ومن صنع مثلهم، فهي مسيرة سائرة في رحاب فعل الخير، وجنان صنائع المعروف، وروضات خدمة الأهل والمجتمع والديار. وكم ترك الأول للآخر، فهذا الباب من العمل غير محدود بشيء إلّا ما تقتضيه أحكام الشريعة والأنظمة المرعية، وكم من فكرة أو بذرة عظمتها النية الصادقة المخلصة فبقيت ونمت وصارت لغيرها منارًا ودليلًا، والمهم أن يترك المرء أثرًا مباركًا متقبلًا بعد مجاهدة القلب والنفس على إمضائه ومحض القصد فيه لله رب العالمين، وأما القبول والخلود والتاثير فقضاء رباني نافذ، وكل يوم ربنا الكريم المحسن -جل جلاله- في شأن.
الرياض- الأربعاء 11 من شهرِ رجب عام 1447
31 من شهر ديسمبر عام 2025م
2 Comments
كاتبنا الرائع واستاذنا العزيز أنت هنا لا تكتب مقالاً عادياً، بل تنسج لنا مقالة من الامتنان والوعي بلغة رصينة، مشبعة بروح التاريخ، وفيها ولاء من يعرف مجتمعه معرفة الفخر والاعتزاز…
رائع تتبعك لتاريخ هذه البلاد منذ أن كانت البذرة الأولى للخير والعطاء جيلاً بعد جيل، حتى صار علامة تُرى من بعيد، وملاذاً لكل محتاج..و ان تمضي بمقالتك لذكر الخير وبذوره بين أسماء الملوك والوزراء والأمراء، لا لتحصيها عدداً، بل لتكشف عن أثرٍ ممتدّ، وعن ثقافة دولةٍ جعلت من العمل الخيري نهجاً لا ينقطع زاد المقالة جمالا…
كانت إضاءة رائعة أن القدوة حين تصدر من القمة، تُصبح سلوكاً عاماً، وتفتح أبواباً للناس كي يتسابقوا إلى الخير في الأعمال الخيرية..
كل الشكر فقد راقني هذا السرد الجميل الذي يجمع بين الفصاحة والصدق، التأمل والاحتفاء، فيجعل القارئ يشعر أن العمل الخيري ليس خبراً يُقرأ، بل قيمة نستشعر أهميتها..
شكرا كاتبنا على هذا الحسٍّ الاجتماعي الرفيع، الذي ينمّ عن تقدير عميق لدور القدوة في بناء المجتمع، فهذه المقالة لا تكتفي بسرد الأسماء، بل تضيء ما وراءها: النية، الأثر، والمسيرة التي تستحق أن تُروى..
شكرا لكم الكاتب العزيز والله يجعل مجتمعنا دائما سباقا للخير