جوانب العظمة في عمر بن الخطاب تجعل العقلاء من أعدائه يكبرونه، أما الرعاع الذين يعتمدون على الأكاذيب التي لا تسندها رواية ولا تستقيم مع منطق فلا اعتبار لهم. عظمة عمر قد يراها البعض في كونه ثاني العشرة المبشرين بالجنة، وثاني الخلفاء الراشدين وحق لهم. ربما يراها آخرون في دعاء النبي -عليه الصلاة والسلام- بأن ينصر الإسلام به، وبالأحاديث الواردة في مناقبه، ومنها أنه إذا سلك فجًا هرب الشيطان مع فج آخر؛ ولذلك أصبح الفاروق.
ومن عظمته الظاهرة أنه على قلة روايته للأحايث النبوية الشريفة قياسًا على غيره؛ إلّا أنه روى حديث “إنما الأعمال بالنيات…”، وهو الحديث الذي تفتتح به جلّ كتب السنة المطهرة، حتى عدّه جمع من علماء الإسلام ربع الدين أو ثلثه، بل قال بعضهم: هو الدين كله فلا عمل دون نية، ويا له من توفيق رباني لعبده الصالح التقي الأواب، حينما هداه لرواية هذا الحديث النبوي بما له من أهمية لا تضاهى.
هي عظمة تتضح مع أمن الصحابة بعد إسلامه وهم قلة مستضعفة، وأمنهم في عهده بعد أن اتسعت دولة المسلمين، وهزمت أكابر الأمم. عظمة تؤكدها موافقات الوحي المقدس له عدة مرات، وعظمة تستبين من اجتهاده الفقهي إن في العبادات أو المعاملات أو السياسة الشرعية. هي عظمة تبرز جلية في مواقفه من الدولة الإسلامية وهو أحد رجالاتها الكبار، يعمل لصالحها تحت قيادة الرسول -صلى الله عليه وسلم-، أو تحت إمرة أبي بكر الصديق -رضي الله عنه-، لكن هذا الالتزام لم يمنعه من المعارضة الصريحة المؤدبة في أسرى بدر، وصلح الحديبية، وحرب المرتدين ومانعي الزكاة، وغيرها. لقد كان أبو حفص رجل دولة من أرفع طراز أيًا كان موضعه من الدولة: عضوًا في حكومتها، أو متحفظًا على بعض قراراتها، أو واقفًا على رأسها.
لكن ربما يغيب عن البال أعظم صفة في عمر بن الخطاب- رضوان الله عليه-، وهي المنزلة التي لم يبلغها أحد من الأمة، إذ قال النبي -عليه الصلاة والسلام- فيه: ” لقَدْ كانَ فِيما قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمَمِ مُحَدَّثُونَ، فإنْ يَكُ في أُمَّتي أحَدٌ، فإنَّه عُمَرُ…” رواه البخاري، وقال عنه: “لو كان من بعدي نبيٌّ لكان عمرُ بنُ الخطابِ” حديث حسن رواه الترمذي، وإن رجلًا بلغ مكانة يصفه بها الرسول -عليه الصلاة والسلام- وهو الذي لا ينطق عن الهوى بأنه ملهم ويستحق النبوة لرجل عظيم عظيم وإن رغمت أنوف وورمت حتى تسد الخافقين!
ما سلف هو تقدمة لإشارة مختصرة إلى كتابين جمعا أخيرًا في كتاب واحد يقع في ثلاثة أجزاء حسب طبعة دار الوفاء، وما أحرى هذا الكتاب بأن يقرأ خاصة من ذوي المناصب والمسؤوليات على اختلافها. هو كتاب سهلة عبارته، سامية معانيه، واضحة مراميه. عنوان هذا الكتاب: أوليات الفاروق في السياسة والإدارة والقضاء، تأليف: د.غالب عبدالكافي القرشي، ويقع في ثلاثة أجزاء، أولها يخص أوليات السياسة بصفحات عددها (460) صفحة. أما الثاني فعن أوليات الإدارة وجاء في (600) صفحة، والثالث بلغت صفحاته (324) صفحة عن أوليات القضاء.

الكتاب الأول منهما رسالة ماجستير خاصة بالأوليات السياسية، والثاني رسالة دكتوراة عن الأوليات في القضاء والإدارة، وكلاهما أشرف عليهما الشيخ مناع خليل القطان، وبحثهما المؤلف قبل نصف قرن تقريبًا في المعهد العالي للقضاء بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وطبعا عدة طبعات. إن بعض الرسائل العلمية في هذا المعهد العريق، وفي كليات الشريعة لمن مفاخر الأعمال العلمية المعاصرة، وهي جديرة بالاحتفاء والنشر، مع الحرص على تقويتها وتسديد الباحثين، لأنها تدرس علمًا له صفة الشرف والسمو لارتباطه بالرب الجليل سبحانه، وعلمًا له صفة السيادة على غيره والأولوية.

مثل هذا الكتاب لا يستعرض في مقال عابر، ومن اقتنع بأهميته له فلن يستخسر الوقت في قراءته، خاصة أنه سلس ماتع، ويرتبط بشخصية كبيرة القدر، وضخمة التأثير على الوجدان والعقل المسلم. وهو واحد من جملة كتب في السياسة الشرعية التي يجدر بالمسلم المسؤول أن يديم النظر فيها حتى تفتح له نوافذ من الفكر والرأي، كي يباحث حولها ويحاور بها من حوله ممن جمع الله لهم العلم مع الخبرة، والعقل وبعد النظر، وزينوها بالصدق والنصيحة المخلصة.
بقي أن أخبر القارئ عن قصتي مع هذا الكتاب، فقد عرفت عنه في رحلة برية قديمة، واشتريته بمجرد عودتي للرياض، ثم تركت ما بين يدي وقرأته بقسميه، ووضعت على نسختي اختيارات وتلخيصات كي أعود إليها في أي مراجعة مستقبلية سريعة، وظللت أثني على هذا الكتاب بين آونة وأخرى، حتى أتاني اتصال ذات صباح جمعة من هاتف شخص عزيز جدًا، وهو وقت غير معهود للتواصل، وحين أجبت كان المتحدث رجلًا آخر غير صاحب الرقم!
قال المتحدث: نقلت عن صاحب الرقم ثناءك على الكتاب لفلان، وفلان هذا مثقف مسن ذو وجاهة كبيرة جدًا وبلا منصب، فشغفه الكتاب حبًا ولم نجده في أي مكتبة، وهو مستعجل متلهف عليه؛ ولعلك أن تعيرنا نسختك! طبعًا أعرتهم النسخة إعارة مودع؛ لأن من تُرفع لهم القبعة يصعب استرجاع الأشياء من أغلبهم! بعد مدة اتصل بي الرجل مباشرة دون وسيط، وذكر أن الكتابين قد أعجبا ولي نعمته، وهو يستوهبهما مني، فوهبتهما له بما يشبه الاستكراه! ثمّ تعاطف معي صديق ناشر عرف الحكاية، فأحضر لي النسخة الجديدة التي جمعت الكتابين في عنوان واحد بثلاثة أجزاء.
وحتى لا أظلم المستوهب؛ فقد نمي إليه عن طريق الرجل الواسطة بيني وبينه أني أبحث عن كتاب أدبي نافد من الأسواق يقع في سبعة مجلدات، وكان معي صورة من بضع صفحات منه وصلت للمستوهب فأعجبته كذلك، فتفضل بإحضار نسخة من هذا الكتاب ذي المجلدات السبعة له ولي، وأحضر معهما نسختين لشخصين آخرين شهدا النقاش بيني وبين الرجل الواسطة الذي ظفر بنسخة خامسة كذلك، فنالت الثلاثة البركة والحمدلله. هذه القصص هامشية فيما يرتبط بهذا الكتاب وأمثاله، والمهم هو التزود دائمًا من المنابع الشريفة لعلومنا الرصينة، والاستمداد من سيرة الأكابر والعظماء، وإن عمر بن الخطاب -رضوان الله عليه- منهم لبمكان رفيع رفيع.
الرياض- ليلة الأحد 08 من شهرِ رجب عام 1447
28 من شهر ديسمبر عام 2025م