تنص المادة الحادية عشرة من نظام مجلس الوزراء الموقر، على أن ينيب الوزير الذي سيغيب في مهمة أو إجازة غيره من الوزراء أعضاء المجلس ليصبح وزيرًا لوزارته بالنيابة، بعد موافقة رئيس المجلس، ويمارس الوزير بالنيابة صلاحيات الوزير الأساسي. ثمّ صدر أخيرًا أمر ملكي رقمه (أ/539) بتاريخ 18 من شهر ذي الحجة عام 1445، “في شأن ممارسة نائب الوزير لصلاحيات الوزير ومهماته عند غيابه، على النحو التالي:
- يحل نائب الوزير (العام) محل الوزير.
- في حال شغور منصب نائب الوزير (العام) أو غيابه، يحل أقدم نواب الوزير (المختصين) محل الوزير ما لم يشغل أيٌّ منهم مرتبة أعلى.
- في حال عدم وجود نائب وزير (عام أو مختص)، يحل الوزير بالنيابة محل الوزير.
وفي جميع الأحوال، للوزير أن يرفع طلب تحديد من يحل محله من نوابه (عاماً أو مختصاً)، وله الاتفاق مع الوزير بالنيابة على ممارسة بعض تلك الصلاحيات والمهمات، على أن يحيط الوزير -بعد الاتفاق مع الوزير بالنيابة- رئيس مجلس الوزراء بذلك”. وللعلم فالوزير بالنيابة -وهو وزير وعضو في مجلس الوزراء- يمثّل زميله الغائب ويتحدث باسم وزارته في مجلس الوزراء.
هذا النص النظامي الآمر يقع ضمن أعمال التجديد في مجلس الوزراء خلال عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان -حفظه الله ورعاه-، وهو التجديد الذي شمل نواحي عديدة، منها ضبط وصفي الوزير بالنيابة، والوزير المكلّف؛ إذ ظهر فيما سبق وصف الوزير بالنيابة في غير الحال المذكورة أعلاه، وذلك حين يشغر منصب الوزير بوفاة أو إعفاء، إلى أن استقر الأمر في السنوات الأخيرة على وصف الوزير الأخير بالوزير المكلّف تفريقًا له عن الوزير بالنيابة أو الإنابة الذي اقتصر على من ينوب زميله الوزير الأساسي إبان غيابه، وهذا عرف لفظي له دلالته، ويعين على التمييز بين الصورتين.
وقد ظهرت النيابة بمعناها الأول كثيرًا في تاريخ مجلس الوزراء بناء على حاجة الوزراء للسفر أو الإجازة أو الانشغال عن جلسات المجلس بمهمة ما، وحصرها صعب لأنها لا تُعلن، وإنما تُعرف إذا وردت في خبر، أو مع توقيع، أو ضمن سيرة، وقد تطول مدة هذه النيابة أو تقصر، ومن أكثر من تضاف لهم صفة النيابة بسبب الغياب المؤقت أو الدائم وزراء الدولة، وهي صفة ترافقت مع مسيرة عميد الوزراء د.عبدالعزيز الخويطر منذ كان وزيرًا للمعارف، وشملت نيابته كثيرًا هذا النوع المؤقت القصير الذي يكون باقتراح من الوزير الغائب نفسه، ولكنها لم تغب عن النوع الثاني.
هذا النوع الثاني هو المقصود هنا، وهو الذي أضحى يعبر عنه بالوزير المكلّف، وأعظم فرق بينه وبين النوع الأول أن الوزارة بالتكليف يصدر بها أمر ملكي عقب نهاية علاقة الوزير السابق بمنصبه، وتعلن رسميًا، أما الأولى فليس فيها أمر ولا إعلان، وارتباط الوزير المنوب عنه باق بوزارته التي سيعود إليها. وقد تطول مدة التكليف، وربما تقصر، على حسب مقتضيات المصلحة التي يقررها ولي الأمر بناء على عدة أمور منها نوع الوزارة، وقرب موعد أي تجديد شامل أو جزئي في عضوية المجلس. هذا المقال يستعرض شيئًا من أخبار الوزراء بالتكليف، ولا يستوعبها كلها لصعوبة هذا التتبع، ومن المهم الإشارة إلى أن التكليف يصرف عن اللجوء إلى إسناد وزارتين أو أكثر لشخص واحد، وهي وقائع حدثت ولكن بندرة.
أول وزارة بالنيابة “بالتكليف” وجدتها كانت حين استعفى الوزير الشاعر الشيخ حسين عرب من وزارة الحج والأوقاف عام (1383) علمًا أنه وزيرها الأول، وأمضى فيها عامين، فأسندت وزارته للوزير الأديب الشيخ محمد عمر توفيق، وهو وزير للمواصلات حينها، وجمع أبو فاروق بين وزارتي الأصالة والتكليف حتى عام (1390) حينما صدر أمر بتعيين الوزير المفكر الشيخ حسن كتبي وزيرًا للحج والأوقاف، مع بقاء الوزير توفيق في وزارة المواصلات حتى عام (1396).

أما ثاني وزارة بالتكليف -حسب علمي- فكانت بعد تسمية الشيخ حسن آل الشيخ وزيرًا للصحة بالنيابة عام (1386) بعد إعفاء وزيرها د.يوسف الهاجري، واستمر كذلك حتى عام (1390)، ويرى الشيخ جميل الحجيلان أن الملك فيصل اختار الشيخ حسن وكلفه بالمسؤولية عن وزارة الصحة مع أنه وزير للمعارف وقتها، والتعليم والصحة وزارتان ثقيلتان تمسان كل بيت تقريبًا، وكانت الغاية من هذا الانتقاء الملكي استثمار ما جُبل عليه الشيخ حسن من تلّطف في استقبال للناس، وحبه للخير، وكلماته الطيبة التي تجعل المراجع راضيًا عنه وعن الحكومة ولو لم ينل مراده.
وعندما شاء الله أن يزيح هذا الحمل الثقيل عن الشيخ حسن، جعل الملك فيصل أمانة الصحة في عنق وزير الإعلام الأول الشيخ جميل الحجيلان، وصدر أمر ملكي فريد من نوعه، فيه تسمية الحجيلان وزيرًا للصحة مع ممارسته للعمل وزيرًا للإعلام بالنيابة، وللجمع بين هاتين الوزارتين أكثر من قصة رواها أبو عماد داخل سيرته المكتوبة، وضمن لقائه التلفزيوني الطويل مع ليوان المديفر، وهي مرويات لها إلماحات وفوائد.

ومن فرائد منصب الوزير بالنيابة أن الأستاذ هشام ناظر أصبح وزيرًا للبترول والثروة المعدنية بالنيابة مع منصبه وزيرًا للتخطيط بعد إعفاء الشيخ أحمد زكي يماني عام (1406)، واستمر الشيخ ناظر يحمل الحقيبتين معًا بالأصالة والتكليف. وفي حفل افتتاح منشأة في الجبيل -ربما- أعلن الملك فهد في تصريحه الإعلامي شكره لوزير البترول والثروة المعدنية حاذفًا من وصفه الرسمي كلمة النيابة التي ذهبت لوزارة التخطيط، وجمع أبو لؤي بينهما زمنًا حتى سمي د.عبدالوهاب عطار وزيرًا للتخطيط عام (1412).

كما أصبح د.عبدالعزيز الخويطر وزيرًا مكلفًا للتعليم العالي بداية من منتصف عام (1407) بعد وفاة وزيرها الأول الشيخ حسن آل الشيخ، وبقي الخويطر وزيرًا أصيلًا ومكلفًا لوزارتي المعارف والتعليم العالي خمس سنوات تقريبًا. كان من سياسة الخويطر في أي وزارة يتولاها بالنيابة والتكليف الاعتماد -إلى حدّ ما- على كبار موظفي الوزارة من وكلاء وغيرهم، وإذا كانت الوزارة تخصصية، أوفد للمشاركات الدولية مسؤولًا رفيعًا من ذوي الاختصاص. وبمناسبة ذكر أبي محمد؛ فقد كلّف بوزارة الزراعة بعد إعفاء وزيرها د.عبدالرحمن آل الشيخ، وكلّف بالمالية والاقتصاد الوطني بعد استعفاء وزيرها د.سليمان السليم.
وممن جمع بين وزارتين إحداهما بالتكليف وأخرى أصيلة، الأستاذ خالد القصيبي الذي عين وزيرًا للتخطيط عام (1420) فما لبث أن ضمّ معها بالتكليف وزارة البرق والبريد والهاتف – الاتصالات وتقنية المعلومات حاليًا- بعد إعفاء وزيرها د.علي الجهني، وحمل الوزارتين قريبًا من أربع سنوات إلى أن استقل بوزارة الاقتصاد والتخطيط عام (1424). وأيضًا كلف د.بندر حجار مع عمله وزيرًا للحج بوزارة الثقافة والإعلام بعد إعفاء وزيرها د.عبدالعزيز خوجه، ولكنه تكليف لم يطل مثله مثل تكليفات أخرى سيطول المقال لو أشير إليها.
لكن هذا لا يمنع من التنبيه على تكليف فريد ثالث لم يسبق مثله فيما أعلم، فعندما أصدر الملك سلمان أمره بتكوين مجلس الوزراء للمرة الثانية في عهده عام (1440)، ورد في نص الأمر الملكي تعيين د.ماجد القصبي وزيرًا للتجارة والاستثمار، وتكليفه بوزارة الشؤون البلدية والقروية، ثمّ كلف بها أ.ماجد الحقيل وزير الإسكان. وعندما صدر الأمر الملكي بتكوين المجلس عام (1444)، سمي د.القصبي وزيرًا للتجارة، وكلف معها بوزارة الإعلام، وهذه حال لم تتكرر حسب علمي.

أسأل الله المولى القدير أن يوفق كل مسؤول أصيل، ومكلف، ومستناب، وأن يعينهم على الأعمال والأهداف التي أسندت إليهم؛ فهي من الأمانة الموسدة المسؤول عنها أصحابها في الدنيا غالبًا وفي الآخرة حتمًا. إن هذا الإجراء الإداري المعتاد في كل دول العالم ليؤكد على الكفاءة والفعالية والمواهب التي تتوافر فيمن يبلغون المناصب العالية، ويشير إلى الأناة في الترشيح واختبار من تقع عليه العين قبل توزيره، وفي التكليف مندوحة عن العجلة ما لم يدع لها داع من ضرورة مثل أهمية بعض الوزارات الضخمة والسيادية التي لا يناسبها طول الإنابة والتكليف، والله المرجو أن يوفق الكافة لما حملوه أصالة وتكليفًا.
الرياض- ليلة الأربعاء 07 من شهرِ جمادى الأولى عام 1447
29 من شهر أكتوبر عام 2025م
2 Comments
مقال يقرأ كالدرس العميق ..
حيث التاريخ والحكمة يلتقيان ..
بارك الله في كاتبنا وأستاذنا ..
الأستاذ أحمد العساف ..
دائمًا مثال للإبداع ..
والوعي الراقي .
شكرا لك يا علياء