سير وأعلام شريعة وقانون

القانون في عهد الملك سلمان

مما امتاز به الملك عبدالعزيز، أن بلاطه، وديوانه، ومجلسه، قد جمع بين علماء الشريعة وفقائهها، وخبراء القانون وأساتيذه، من عدة بلاد. كان حضور هذين الفريقين لافتًا في ائتلافه، ومؤثرًا في الاستشارة التي تطلب منهم، ونافعًا للجميع حتى في غير العمل المباشر المسند إليهم. لأجل هذا أفاد أكثر أبناء الملك المؤسس واقتبسوا من المشايخ والفقهاء، كما نهلوا من فهم أساتذة القانون ومعرفتهم الحقوقية، فتكوّن لديهم مزيج من الثقافة الشرعية والقانونية، وهذا الملحظ ظهر جليًا في حواراتهم وتصريحاتهم، وفي أعمالهم.

لهذا تنامي العمل القانوني في المملكة العربية السعودية عبر تاريخها، بوثائقه المختلفة، دون تنافر مع المكوّن الشرعي الراسخ والسامي، بل جاء القانون على إثره يسعى، ووفق هديه وبين يديه يمضي غير متجاوز لأصل ثابت أو مبدأ قائم. صنعت هذه الحقيقة خصيصة سعودية فريدة نفاخر بها، والحمدلله، علمًا أنها واحدة من ضمن خصائص منفردة، أو مشتركة، للأنظمة السعودية، آمل أن أتمكن من الكتابة عنها قريبًا. إن التآزر الحكيم بين الأطراف كافة في سبيل تحقيق الأهداف يعين على بلوغها في وقتها، بهدوء، ومن لوازم الحكمة المفضية لذلكم الحال المنشود وضع كل شيء في موضعه الأنسب؛ فلا يتقدم عليه، ولا يتأخر عنه.

وقد رجعت إلى موقع المركز الوطني للوثائق والمحفوظات، فوجدت فيه بعض المعلومات التي تصف لنا القانون والأنظمة في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله وأمتع به-. لهذه المعلومات الإحصائية دلائل من ضمنها توالي الإنجاز التشريعي وتسارعه، والرغبة في التجديد لما هو قائم، أو إيجاد المفقود، وإكمال الناقص، ومتابعة العمل متابعة حثيثة، واتخاذ ما يلزم من أجل تسهيل الإجراءات، ومعالجة أي عائق قد يعترض التنفيذ. يضاف لذلك أن رؤية المملكة 2030 التي أطلقها سمو ولي العهد كانت عاملًا أساسيًا في التعجيل بكثير من الأعمال النظامية والتشريعية، ولها أثر جلّي في هذا الباب لغايات منها استقطاب الاستثمار، وتفعيل البلد وموارده وما يمتلكه.

من هذه الإحصاءات يتبين لنا أن الأنظمة واللوائح وما يتبعها من أعمال نظامية قد بلغت منذ تأسيس الدولة السعودية ( 6496) ما بين أنظمة، ولوائح، وتنظيمات، وعقود، وأدلة، ونماذج، وعدد ما صدر منها في عهد الملك سلمان فقط بلغ (4707) من الأنواع السالف ذكرها، أي ما نسبته 72% من المجموع كله، وهذه الأرقام والنسب مؤهلة للزيادة كما لا يخفى. أما المعاهدات والاتفاقيات فوصل عددها إلى (1042) معاهدة واتفاقية منذ تكوين الدولة، المبرم منها في عهد الملك سلمان فقط هو (590) معاهدة واتفاقية، أي ما نسبته 56% من المجموع العام قابلة للزيادة، وهذه الأرقام من موقع المركز مثلما سبق بيانه، وربما أن بعض الوثائق القديمة غير مضمنة فيه؛ لكن عددها لا يغيّر من النسبة شيئًا يذكر.

كما يتضح لنا من البيانات المثبتة في موقع المركز، أن عهد الملك سلمان تميز بإصدار كثير من اللوائح أو تجديدها، وهذه مسألة مقلقة في السابق لكثرة صدور الأنظمة ثم التراخي في إنهاء لوائحها التنفيذية. ويتبين أيضًا العدد الكبير من الأنظمة الجديدة أو المحدثة التي صدرت خلال حكم الملك سلمان، مع وجود عدد غير مسبوق من عقود الامتياز، والأدلة الاسترشادية، والنماذج، والجداول، والتنظيمات، والأوامر، والسياسات، وما يخص الذكاء الاصطناعي في الأنظمة والتنظيمات، وبعض هذه المكونات ليس لها وجود قديم، أو تظهر بأعداد قليلة. وهنا ملحظ لافت؛ فهذا العدد الكبير الصادر من المواد القانونية، بعد حوكمتها بدرجة أكبر من الماضي، يشير إلى سرعة قياسية في الإنجاز، لكن تحديدها ومقارنتها يحتاج إلى معلومات دقيقة غير متوافرة لدي.

ومما ينسب إلى عهد الملك سلمان من الناحية القانونية تلك الوثبة التنظيمية التاريخية بصدور الأنظمة القضائية الأربعة: الأحوال الشخصية، والإثبات، والمعاملات المدنية، والعقوبات التعزيرية (لا يزال هذا النظام تحت المراجعة). صدرت هذه الأنظمة بعد إعدادها من قبل لجنة تشريعية عليا اسمها “لجنة إعداد التشريعات القضائية”، وهي لجنة يشرف عليها ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء، مما يؤكد على أهميتها، وعلى عناية الحكومة الفائقة بالشأن التنظيمي في هذا الباب الحيوي ذي المساس بالناس كلهم.

يضاف لذلك تحديث عدة أنظمة مهمة مثل: نظام القضاء، ونظام الإجراءات الجزائية، ونظام المرافعات، ونظام التحكيم، ونظام التنفيذ، ونظام المحاماة، وإصدار نظام التكاليف القضائية. ومن الأنظمة والتنظيمات المهمة التي صدرت في عهد الملك سلمان أو ينتظر صدورها غير ما مضى بيانه: نظام الطوارئ، ونظام الأوقاف، وإنشاء الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي والمركز الوطني للذكاء الاصطناعي ومكتب إدارة البيانات الوطنية، وغيرها. ولم تخل أي سنة في عهد الملك سلمان من صدور نظام أو أكثر، ويُعد عام (1442=2020م) أكثر سنة صدرت فيها وثائق تشريعية في التاريخ التشريعي السعودي حسبما ذكر المستشار القانوني صالح الذيابي في كتابه عن حالة التشريعات السعودية الصادر عن جمعية قضاء، مع أن هذه السنة صادفت الإغلاق العالمي الاحترازي بسبب وباء كورونا.

ولمواكبة هذه التطورات، نُشر دليل لإعداد التشريعات وصياغتها من قبل المركز الوطني للتنافسية بناء على قرار مجلس الوزراء الذي صدر عام (1438) متضمنًا تعليمات إرشادية في موضوع الإعداد والصياغة، وقد صدر هذا الدليل الإرشادي عام (1444=2022م)، وهو دليل متين، محكم، وسيكون له منزلة عربية متقدمة. كما صدر عن المركز الوطني للتنافسية عدة أدلة مصغرة لإعداد الأنظمة، ومراجعتها، وكتابة التعليقات عليها، والتقاضي بموجبها، وهذه الأدلة العملية تشير إلى أن التطور ليس مقصورًا على العمل التنظيمي فقط، وإنما يمتد نحو رسم الطريق الموصل إليه، وما ينبغي حين وصوله، وما يلزم بعد ذلك، علمًا أن هذا المركز الوطني، ومركز الدراسات والبحوث القانونية، مما أسس في عصر الملك سلمان، وهما يخدمان العمل القانوني، والبيئة التشريعية، ولهما أثر متوقع ومنتظر في قياس الأثر التشريعي اللاحق.

كذلك شهد قطاع القضاء في المملكة اكتمال منظومته المتخصصة بتأسيس المحاكم العمالية، إلى جانب إتمام التحول الرقمي بنسبة 100% في محاكم التنفيذ، وفي قطاع التوثيق، واستطاعت وزارة العدل تقديم جلّ خدماتها إلكترونيًا، بما يشير إلى تقدم قضائي، وتقني، وقانوني. أيضًا أُسست الهيئة السعودية للمحامين بموجب قرار مجلس الوزراء رقم (317) الصادر بتاريخ : 8 / 07 / 1436 الموافق 27/ 04/ 2015م، وتبعه السماح بترخيص مكاتب المحاماة الأجنبية للعمل في المملكة، وإصدار اللائحة التنفيذية لتنظيم الترخيص لمكاتب المحاماة الأجنبية، ولا يخفى عظم المردود لهذا الإجراء إن في الاستثمار أو الاستقطاب لشركات عالمية.

وبحكم الاهتمام بتاريخ مجلس الوزراء السعودي الموقر، وجدت أن عهد الملك سلمان اختص بكثرة عضوية دارسي القانون في المجلس؛ إذ أصبح أحد عشر من المتخصصين بالقانون وزراء وأعضاء في المجلس، منهم ثمانية لم يصبحوا أعضاء إلّا في المجالس التي كونها الملك سلمان خلال الأعوام (1436 و1440 و1444). وقد تزامنت عضوية هؤلاء الوزراء الأحد عشر خلال عام (1440)، ويجتمع حاليًا في المجلس سبعة وزراء من دارسي القانون، وهذه الأرقام غير مسبوقة في أي مجلس مضى.

ومن التجديدات الإجرائية في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان -حفظه الله ورعاه- أن الوثائق التشريعية تنشر في جريدة أم القرى ورقيًا وإلكترونيًا، على أن تنشر إلكترونيًا بعدد خاص بمجرد صدورها إذا ما كانت الحاجة تدعو لذلك دون انتظار وقت الصدور الأسبوعي للجريدة. ومنها أن المسؤولية تقع على الآجهزة الحكومية في متابعة الجريدة، والتقيد بما يخصها من أنظمة ولوائح ويتقاطع مع عملها وصلاحياتها، دون حاجة لورود تعميم رسمي بذلك، ولا يغيب عن الذهن أن هذا الإجراء يجعل الإدارات القانونية ومكاتب أرفع المسؤولين في حال ترقب ويقظة.

​ومن المستجدات تأسيس المركز الوطني للتنافسية عام (2019م)، وهو مركز حكومي، له شخصية اعتبارية مستقلة، ويرتبط تنظيميًا بمجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية. يسعى المركز إلى تحسين البيئة التنافسية في المملكة وتطويرها، ويعمل على الارتقاء بترتيب المملكة في المؤشرات والتقارير العالمية ذات العلاقة، ويجتهد لإطلاق جيل جديد من الإصلاحات التشريعية والإجرائية؛ للإسهام في انتقال الاقتصاد إلى مرحلة الإنتاجية والتنافسية العالمية.

ثمّ أُطلقت “منصة استطلاع” بناء على قرار مجلس الوزراء رقم (476) وتاريخ 15 من شهر رجب عام 1441 القاضي بأن ينشأ المركز الوطني للتنافسية وحدة دعم الأنظمة واللوائح ومافي حكمها، لتكون المنصة الموحدة لاستطلاع آراء العموم من أفراد وقطاع خاص وأجهزة حكومية حول المشروعات التشريعية ذات الصلة بالشؤون الاقتصادية والتنموية، وتتيح المنصة متابعة أعداد المشروعات قيد الاستطلاع، أو التي سوف تنتهي قريبًا، أو القادمة، أو الشائعة، وفي هذا كله خدمة للبيئة الاستثمارية وتنافسية المملكة.

وقد أحسن مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية حين تعاون مع شعبة الترجمة في هيئة الخبراء بمجلس الوزراء لإصدار مسرد المصطلحات القانونية، وفيه أزيد من سبعمئة مصطلح قانوني باللغتين العربية والإنجليزية مما يستخدم في الأنظمة واللوائح والتشريعات السعودية، وهذا الجهد المشترك يستلهم من الاهتمام الملكي باللغة العربية، وبالتحديث القانوني، وهو عمل متجدد​​ يتواكب مع أي إضافة قادمة، ونموذج موفق للتعاون المشترك بين الأجهزة الحكومية.

وفق الله خادم الحرمين الشريفين، وسمو ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء، لتحقيق المصالح كلها وحمايتها، وتأييد سيادة القانون وتمكين قوته، حتى تكون الحقوق والواجبات واضحة للكافة مثل الشمس في رائعة النهار، يراها الجميع، وتشملهم، وينعمون بخيراتها، ولا يسلم المخطئ مما يستحقه حسب الأحكام والأنظمة المرعية. إن التحديث المستمر للأنظمة والتشريعات ينبيء عن الحياة والحراك والنشاط، والسيرورة نحو الكمال، حتى تغدو الأنظمة والقوانين أحد أسباب إشاعة العدل، وفي العدل قوة ومضاء وبقاء، وأحد ممكنات الاستثمار والاقتصاد، ففي المال مصالح الأرض ومن وما عليها.

ahmalassaf@

الرياض-ليلة الاثنين 14 من شهرِ ربيع الآخر عام 1447

06 من شهر أكتوبر عام 2025م

Please follow and like us:

8 Comments

  1. اخي الغالي أحمد العساف السلام عليكم ورحمة الله
    احسنت التناول وابدعت
    نفع الله بكم وزادكم علما
    الا ترى أن هذه التطورات التشريعية يجب أن تصحبها ثورة فقهية بحيث يتناول فقهاء القانون هذه الأنظمة على اختلافها بالبحث والتنقيب لبيان المقصود من النصوص والحكمة منها؟

  2. ماشاءالله تبارك الله، بورك قلمك، مقالة نفيسة وللأمانة انا اصنفها دراسة والأكيد انه راح يتم الاستفادة منها علميًّا كذلك

  3. ن رؤية المملكة 2030 التي أطلقها سمو ولي العهد كانت عاملًا أساسيًا في التعجيل بكثير من الأعمال النظامية والتشريعية، ولها أثر جلّي في هذا الباب لغايات منها استقطاب الاستثمار، وتفعيل البلد وموارده وما يمتلكه.
    مشاء الله استفادة كبيرة من هذا المقال احسنت النشر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

X (Twitter)