لكل بلد أيامه التي تخصه، وهي مسألة قديمة في تاريخ الحضارات والشعوب. لم تختفِ الأيام الخاصة من الدول الحديثة؛ بل سارعت كل دولة لاستحداث أيام لها وحدها تميزها، وتتقاطر على زعمائها رسائل التهنئة كلما حلت مواعيدها، وربما يتصاحب مع تلك الأيام إجازات واحتفالات وتوسعة على الناس توسعة عامة، أو خاصة كالعفو وغيره. غاية هذه الأيام تذكير الناس بتاريخهم، وبالقواسم المشتركة التي تجمعهم، وربطهم مع الذاكرة والهوية.

لأجل ذلك بادر الملك المؤسس عبدالعزيز لإصدار أمره التاريخي في 17 من شهر جمادى الأولى عام 1351 الذي يوافقه 19 من شهر سبتمبر عام 1932م. يقضي هذا الأمر بتوحيد كل أجزاء الدولة السعودية الحديثة تحت اسم “المملكة العربية السعودية”، ثمّ اختار الملك يوم الخميس الموافق 21 من شهر جمادى الأولى عام 1351 الذي يوافقه الأول من الميزان ويصادف بالتاريخ الميلادي 23 من شهر سبتمبر عام 1932م يومًا لإعلان قيام المملكة العربية السعودية. وفي عهد الملك فيصل صدر الأمر بتثبيت هذا اليوم ليكون يومًا وطنيًا للمملكة العربية السعودية، وفي عهد الملك فهد أصبح اليوم الوطني إجازة رسمية سعودية، وأول تطبيق له كان في السنة الأولى من حكم الملك عبدالله بتاريخ 19 من شهر شعبان عام 1426 الموافق للثالث والعشرين من شهر سبتمبر عام 2005م -رحمهم الله جميعًا-.

لكن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله ورعاه- بحكم معايشته للدولة السعودية الحديثة في عصور ملوكها السابقين، ومتابعته البصيرة لشؤون الحكم ومسير الحكومة، فضلًا عن تعمقه بالتاريخ ليس في روايته فقط، ولا في درايته وتفسيره فوق ذلك، وإنما بدراسة الشخصيات التاريخية التأسيسية والمؤثرة، مثل جده الأكبر الإمام المؤسس محمد بن سعود، وأجداده الأقربين الإمام تركي بن عبدالله والإمام فيصل بن تركي اللذين استرجعا الحكم، وأخيرًا والده المؤسس الموحد -رحمهم الله وأعلى منازلهم-، قد ذهب إلى التاريخ من جذوره القديمة ذهابًا بارعًا اجتمعت فيه عبقرية الحكم، وفطنة النظر، وإتقان التدبير، مع حسن التقدير، من أجل صناعة المستقبل الرشيد بتحولاته الآمنة.

فأصدر الملك سلمان أمره الملكي التاريخي في 24 من شهر جمادى الآخرة عام 1443 الموافق 27 من شهر يناير عام 2022م، الذي نص على أن يكون يوم 22 من شهر فبراير من كل عام يومًا لذكرى تأسيس السعودية، ويكون إجازة رسمية. وبذلك أضحى يوم التأسيس السعودي مناسبة وطنية في المملكة العربية السعودية، يستعيد المواطنون فيه ذكرى تأسيس الدولة السعودية الأولى على يد الإمام محمد بن سعود في 30 من شهر جمادى الآخرة عام 1139 الموافق 22 من شهر فبراير عام 1727م، واتخاذه من الدرعية عاصمة لبلاده، وهي الدرعية التي حكمها قبله بثلاثة قرون تقريبًا جده الأمير مانع المريدي، ونالت بعده بثلاثة قرون أعظم عناية عمرانية وتاريخية وتراثية في تاريخها في عهد الملك سلمان الذي جعل قصر العوجا فيها؛ فأصبحت الدرعية مزارًا لحكام العالم فضلًا عمن سواهم.

ولأن علم الدولة هو شعارها الأبرز، وأخصر سبيل لتعريف الدولة ووصف المجتمع، فقد أمر خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان -حفظه الله وأمتع به- في 9 من شهر شعبان عام 1444 الموافق للأول من شهر مارس عام 2023م، بتخصيص يوم للعَلَم السعودي، تحتفل فيه المملكة العربية السعودية في 11 من شهر مارس من كل عام بعَلَمها، وهو العلم الممتد تاريخه إلى تأسيس الدولة السعودية عام 1139=1727م، وتطور مع الأيام حتى أقرَّ الملك عبدالعزيز علم السعودية بشكله الحالي في 27 من شهر ذي الحجة عام 1355 الذي وافقه 11 من شهر مارس عام 1937م.

إن الارتباط بين يوم التأسيس، ويوم العلم، ارتباط وثيق جدًا. فمن التأسيس اتخذت الدولة الناشئة علمها المعبر عن هويتها ورسالتها، وظلّ العلم يخفق متساميًا إن ثابتًا في مكان، أو متحركًا مع إنسان، وهو يخبر الناظر إليه عن سمات الدولة وأهلها دون حاجة لمزيد شرح وكثير بيان. وكما ارتبطت الدولة بالمكان والمجتمع وذاكرتهما؛ فكذلك علمها امتزج مع الدولة وفكرتها، ومع المجتمع وطبيعته، ومع الأرض وهويتها، ومع الناس وخصائصهم. لقد أصبح العلم السامي بكلماته ولونه ومحتوياته عاليًا فوق السواري لا ينكس، شامخًا لا يخضع لغير الله، ويرتفع معانقًا السماء في الميادين والمحافل والمباني، ويحضر في العرضة وأي احتفال به يليق.

كانت تلك أيامًا تاريخية، تنطلق من الماضي، وتستقر في الحاضر عابرة نحو الزمن الآتي، بيد أن هذا لم يمنع من أن يتلوها أيام سعودية حديثة، مثل يوم المسؤولية الاجتماعية بالمملكة العربية السعودية الذي أقره مجلس الوزراء برئاسة الملك سلمان في جلسته المنعقدة بتاريخ 28 من شهر ربيع الآخر عام 1444 الموافق لتاريخ 22 من شهر نوفمبر عام 2022م، ويهدف هذا اليوم الذي يحتفل فيه بتاريخ 23 من شهر مارس كل سنة إلى زيادة الوعي بالمسؤولية الاجتماعية للشركات والأفراد بالتضامن مع الحكومة من أجل بناء مجتمع حيوي طموح، وفق ما نصت عليه رؤية المملكة 2030، وكما هو سائد في مبادئنا وأخلاقنا.

وكذلك مثل يوم مبادرة السعودية الخضراء الذي أقره مجلس الوزراء المنعقد برئاسة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بتاريخ 9 من شهر رمضان عام 1445 الموافق 19 من شهر مارس عام 2024م، ومن قراراته تحديد اليوم السابع والعشرين من شهر مارس من كل عام يومًا رسميًا لمبادرة السعودية الخضراء؛ ليتزامن مع ذكرى إطلاق المبادرة في اليوم ذاته من عام 2021م.

هذه المبادرة التي أطلقها سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله ووفقه- في 14 من شهر شعبان عام 1442 الموافق 27 من شهر مارس عام 2021م، ضمن مبادرات رؤية السعودية 2030. هي مبادرة تُعنى بتشجير مناطق المملكة العربية السعودية رسميًا ومجتمعيًا؛ لتحسين جودة الحياة، وزيادة الغطاء النباتي بالزراعة وإعادة تأهيل الأراضي ومكافحة التصحر، والحفاظ على المناخ والبيئة والطبيعة البرية والبحرية من خلال المحميات، والاعتماد على الطاقة النظيفة المتجددة التي تقلل الانبعاثات الضارة. ولترسيخ هذه المبادرات، وتعميمها، وتبادل التجارب، عقدت المملكة منتديات دولية سنوية تحت اسم منتدى مبادرة السعودية الخضراء في نسخ متوالية.

إن هذه الأيام السعودية الخالصة لمن الشواهد الخالدة المرتبطة بعصر الملك سلمان بن عبدالعزيز، ولكل واحد منه سياقه ودلالته، لكنها بأجمعها تشير إلى أننا دولة عريقة ممتدة، لها تاريخ قديم، وماض عزيز، ومشتركات ثابتة، وهوية جامعة، وهي تتفاعل مع المستقبل والمستجدات، وتتكئ على أصولها في مضائها نحو الجديد والمأمول؛ فلا تنسى الأسلاف، ولا تغمض العين عن الكائن وما سيكون، وعلى الله قصد السبيل، وهو المسؤول أن تكون أيامنا السعودية دائمًا أزمنة عامرة بالعزة، والقوة، والنماء، والإيمان.
الرياض- الاثنين 23 من شهرِ ربيع الأول عام 1447
15 من شهر سبتمبر عام 2025م
2 Comments
ما أجملك الاعز اخوي احمد واحلى كتاباتك والذ مانخطه يدك..حقيقه سرديه او روايه انا لا اعرف سمها ما شئت الاهم انها كبسوله ولا اروع منها..مختصر عظيم
جمال روحك وعيونك وعقلك