يغبط المجتمع على نشاط أفراده وتكويناته ومؤسساته، ويسعد أي مجتمع حينما يكون نفعه أحد أهداف الذين يعيشون فيه، أو عاشوا، ويكون النفع عبر العمل الحسن، وترك ما سواه. هو نفع يوفق الله إليه بعض عباده فيبقى ولا ينقطع حتى بعد وفاتهم. من هذا القبيل اللافت مركز عبدالرحمن السديري الثقافي الذي نشط في أبواب ثقافية وبلدانية، وطبع الكتب والمجلات، وأقام البرامج والندوات والمعارض والمنتديات، ومنها منتدى الأمير عبدالرحمن السديري للدراسات السعودية الذي عقدت نسخته الثامنة عشرة في دار العلوم بالجوف.
ثم صدر محتوى هذا المنتدى بكتاب يحمل عنوانه الخاص وهو المحميات في المملكة العربية السعودية، وأشرفت هيئة النشر بالمركز على تحريره، وأصدرته عام 1447=2025م. يقع الكتاب في (103) صفحات، ويتكون من تمهيد والمقدمة، فتعريف بالندوة والمتحدثين، يعقبها كلمة مدير المركز سلطان بن فيصل السديري، وكلمة مدير الندوة أ.د.خليل بن إبراهيم المعيقل. عقب ذلك يستعرض الكتاب محاور الندوة، والمداخلات مع الجواب عنها، وأخيرًا التكريم والتوصيات.
أما المتحدثون فهم أ.عبدالله العامر الرئيس التنفيذي لهيئة تطوير محمية الملك سلمان، وهذه المحمية هي الأكبر في الشرق الأوسط والثالثة عالميًا، وأ.عبدالله الطلاسات مدير عام المناطق المحمية بالمركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية، ود.محمد الشايع من كلية العلوم والأغذية الزراعية بجامعة الملك سعود، وأ.د.محمد حسين بريك عميد كلية العلوم بجامعة جرش الأهلية عضو اللجنة الوطنية للتنوع الأحيائي بالمحميات الطبيعية في المملكة الأردنية الهاشمية.
امتازت هذه الندوة بتمكن مديرها من الحوار والإدارة، وضبطه لمجرياتها، وهي مسألة طالما تعب منها مديرو الندوات. ومن مزاياها أن المتحدثين أصحاب تخصص علمي، وخبرة عملية ميدانية محلية وإقليمية، وقد التزموا إلى حد كبير بضوابط إدارة الندوة، ومثلهم من داخل بإضافة أو سؤال، وبعضهم له مساس بالموضوع والتصاق بالمحميات والطبيعة، علمًا أن الحضور كما تظهرهم الصور لم يكن قليلًا، بل هو حضور كبير بالنسبة لموضوع دقيق متخصص، ولن تخلُ الندوة العلمية من حضور الأدب والشعر والطرفة دون إسراف أو انحراف بموضوعها.
وقد اختارت هيئة المنتدى هذا الموضوع لأهمية المحميات في استدامة الثراء الطبيعي، ولأجل تحقيق الوعي المجتمعي بهذا الشأن البيئي. واستبان من أحاديث المشاركين والحوار أن للمحميات الطبيعية مكاسب منها حماية التنوع النباتي والحيواني، وحماية بعض الأحياء من الانقراض، والحفاظ على النظم البيئية، وتحقيق التوازن البيئي، وجودة الحياة، وحفظ الموارد الطبيعية مثل المياه والتربة والغابات.
من مكاسبها كذلك مكافحة تغير المناخ، والحيلولة دون تخزين الكربون وتحويله إلى أكسجين، وهي تصنع فرصًا للترفيه والاستجمام في الهواء الطلق، بعيدًا عن الضوضاء، وما أجمل العودة إلى الطبيعة الغضة النقية والنأي عن تعقيدات الصناعة، وعقابيل المدنية. كما تؤمن المحميات فرصًا سانحة للبحث العلمي، وتساعد على تعزيز الهوية الوطنية والإرث الثقافي، وهذه عراقة مجتمعية مطلوبة لنفاستها. ومن مكاسبها زيادة الشعور بالانتماء للطبيعة والمكان.
كما يبرز من هذه المكاسب فتح منافذ جديدة للسياحة البيئية؛ إذ تجذب السائحين من محبي الطبيعة البكر البري منها والبحري، وهم عدد غير قليل من هواة السفر ومحبيه، وللمحميات في شرقنا عامل إضافي يزيد افتتان الأجانب بديارنا، وهذا ملمح مهم، فغالب ما يمكن استقطابهم به إلينا هو ما يفقدونه في بلادهم ومجتمعاتهم وثقافاتهم. ومن شأن هذا كله أن يغدو رافدُا مهمًا للاقتصاد المحلي سواء مباشرة من خلال المحميات وما فيها، أو غير مباشرة من مقتضيات السفر ولوازمه.
ومن هذا الباب الاقتصادي المهم جدًا إتاحة الفرص الكبيرة للمشروعات الصغيرة القائمة على منتجات المحميات بطريقة صحية آمنة جذابة قابلة للتسويق والتصدير، وصنع الوظائف الدائمة والموسمية خاصة لأبناء المناطق المجاورة للمحميات، وتنظيم أعمال الرعي والصيد والاحتطاب كي لا تصبح جائرة تتضرر منها البيئة، وحتى يستفيد السكان المحليون استفادة منضبطة غير مسرفة، ولا عائدة بالضرر البيئي وتوابعه حالًا أو مآلًا، وهذا كله وفق معايير بيئية، واجتماعية، واقتصادية.
لقد كانت البيئة ومواردها الطبيعية والتاريخية، واستثمارها وتطويرها، ومواجهة التحديات، والتغلب على العوائق، من الموضوعات المهمة الظاهرة في رؤية المملكة 2030، ولذلك صدر أمر ملكي من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان -حفظه الله ورعاه- بإنشاء مجلس للمحميات الملكية برئاسة سمو الأمير محمد بن سلمان -وفقه الله-، الذي أطلق مبادرة السعودية الخضراء لزيادة رقعة الغطاء النباتي بزراعة المليارات من الشجر، وكونت لأجل ذلك هيئات تدير المحميات، وتشارك في تنفيذ هذه الإستراتيجية التي ستشمل 30% من مساحة المملكة بحلول عام 2030م، والغاية النهائية الوصول إلى الحياد الصفري حتى تزدهر البيئة ولا تتدهور.
من جميل ما ورد في هذه الندوة أن نتائج الحمى تفوق أي عمل آخر في آثارها الحسن، وما أكثر بركة التنظيم والحماية؛ فلو ترك الناس دون ضبط لما استقام في الدنيا أمر. من جميل ما جاء في الندوة أن خير سبيل لتأهيل المحميات بعد حمايتها هو استزراع النباتات المؤصلة فيها؛ ذلك أن الشيء الغريب لا يثمر في بيئة لا تصلح له مهما صرفت فيه الأموال، وتكاتف لأجله الخبراء وغيرهم. من جميل ما قرأته في الندوة أهمية إشراك المجتمع المحلي ليؤمن بالغاية، ويعين عليها، وينتفع منها، وينشأ جيل منهم محب للفكرة، متفنن محترف فيها، وهذه حكمة إدارية مجتمعية قد تغيب إلا على من وفقه الله.
أخيرًا قال لي صاحب عزيز محب للبراري، مفتون بها، كلف بقطع صحارينا وغيرها من صحاري العرب: لقد ذهبت إلى منطقة أعرفها كما أعرف بيتي، فذهلت حين وجدت أحد جانبيها أجرد لا دليل على الحياة فيه، والثاني جنة خضراء يضيع فيها الرجل الضخم، والجمل الكبير، والسيارة الشاحنة، وبعدها -والكلام للمتحدث- زاد إيماني بأهمية الحمى، وضرورة الاستمرار بتنظيمه وضبطه بما يحقق المصلحة. حينما وصلني هذا الكتاب أهديث منه نسخة لصاحبي الذي يحب البر؛ فأهل الهوايات ما أبصرهم إذا علموا وفقهوا وتقاربوا مع أهل العلم والنظر.
الرياض- الجمعة تاسوعاء عام 1447
04 من شهر يوليو عام 2025م
One Comment
مقال أكثر من نافع؛ فهو يجعل القارىء يُلم بمحتوى الكتاب وعناصره الرئيسة في قراءة لا تتجاوز الخمس دقائق..
لا فُضَّ مداد قلمك