منصب وزير الدولة وعضو مجلس الوزراء ليس منصبًا يهدف للاسترضاء كما يحدث في بعض الدول المبتلاة بوباء المحاصصة وغثاء النِّسب دون جدوى؛ بل هو منصب مهم للغاية، وغالب من يحمله يتصف بسمات رجل الدولة البصير. وقد حدثني وزير سابق أنه عندما تحول من وزير ذي حقيبة محددة، إلى وزير دولة، استبان له أهمية هذا المنصب وما يلحق صاحبه من نَصب، وأضاف بأنه فتح الباب أمامه في ملفات عديدة لم تكن متاحة له من قبل بسبب الانهماك في تخصص وزارته.
وفي شهر رمضان المنصرم القريب، كثر الحديث عن منصب وزير الدولة، وزادت الاستفسارات عنه حتى من اليافعين النابهين مع صغر أعمارهم، ويبدو لي أن من ضمن الأسباب الدافعة لمثل هذه الأسئلة الباحثة عن المعرفة هي تلك اللقاءات الإعلامية الناجحة التي أجراها منفردين وزيرا الدولة الشيخ صالح آل الشيخ، والدكتور محمد بن عبدالملك آل الشيخ، مع المحاورين البارعين عبدالله المديفر وعمر الجريسي كل على حدة في برنامجه ووقته وقناته، ثمّ زاد من أهمية هذا الموضوع ذلكم التفاعل الرسمي والمهني والشعبي اللافت مع وفاة وزير الدولة البارز د.مطلب النفيسة.
إن عدد وزراء الدولة في تاريخ مجلس الوزراء السعودي الموقر منذ تأسيسه عام (1373=1953م) حتى يومنا هذا حسب الإحصاء الذي أعلمه، هو ثمانية وأربعون وزيرًا، أولهم الشيخ محمد سرور الصبان، وآخرهم حتى الآن المهندس إبراهيم السلطان. من هذا العدد اختص سبعة وعشرون وزير دولة بمهمات معينة في رئاسة ديوان أو هيئة أو مؤسسة أو مجلس أو شؤون محددة، وعن هؤلاء الكرام سلفت الكتابة، وهذا يعني أن واحدًا وعشرين وزير دولة حملوا هذا الاسم بدون ارتباط دائم بمهمة واحدة، وإن أسندت لهم رئاسة مجالس ومسؤوليات أخرى.
ونجد في الارتباط العملي لوزراء الدولة عدة نماذج للانتقال من وزارة معينة إلى منصب وزير الدولة أو العكس؛ فالذين انتقلوا من حقيبة وزارية إلى منصب وزير الدولة هم ثمانية وزراء، والذين انتقلوا من وزير دولة إلى حقيبة وزارية عددهم أربعة عشر وزيرًا، وتنقل وزيران من وزير دولة إلى وزير مسؤول عن حقيبة وزارية، ثم رجعا إلى منصب وزير دولة، وعليه فمجموع الوزراء الذين انتقلوا من منصب وزير الدولة وإليه هو أربعة وعشرون وزيرًا، أي نصف عدد وزراء الدولة بالضبط -حتى الآن-.
أما الوزارات التي انتقل منها الوزراء إلى منصب وزير الدولة فهي -بناء على مسمى الوزارة حين الانتقال-: الدفاع والطيران، والمعارف، والشؤون البلدية والقروية مرتين، والبرق والبريد والهاتف، والخارجية ثلاث مرات، والشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد، والمالية، والتعليم. بينما الوزارات التي انتقل إليها وزراء الدولة هي: المالية والاقتصاد الوطني ثلاث مرات، والخارجية مرتين، والتجارة، والعمل والشؤون الاجتماعية، والبترول والثروة المعدنية، والداخلية، والحج والأوقاف، والتخطيط، والصحة، والعدل، والتجارة والصناعة، والحرس الوطني، والدفاع، وأجزم أن هذا الحصر يقود إلى التسليم بأهمية منصب وزير الدولة، وخصوصية من ينتقى له، ويضاف إليه أن الوزير المرافق مع أي زعيم زائر كبير هو على الأغلب وزير دولة كبير.
وأول وزير دولة ابتدأ هذا التحرك من منصبه هو الشيخ محمد سرور الصبان الذي انتقل عام (1374=1954م) من وزير دولة ومستشار بالديوان الملكي إلى وزير للمالية والاقتصاد الوطني، وآخر وزير انتهى إليه هذا التحرك -حتى الآن- هو د.حمد آل الشيخ الذي أصبح بعد وزارة التعليم وزير دولة عام (1444=2022م). وبينهما كانت الانتقالات الأخرى التي سأعرضها على عجالة؛ فليست هي الغاية الأساسية من هذا المقال.
فقد انتقل الأمير مشعل من وزارة الدفاع والطيران إلى وزارة الدولة وهو أول وزير ذو حقيبة يغدو وزير دولة، وأصبح د.عبدالعزيز الخويطر وزير دولة بعد عقدين في المعارف، ومن وزارة البلديات والشؤون القروية إلى منصب وزير الدولة يرد اسم وزيريها د.محمد آل الشيخ ثم الأمير د.منصور بن متعب. كما صار د.علي الجهني وزير دولة بعد سنوات أربع قضاها في وزارة البرق والبريد والهاتف، وانتقل الشيخ صالح آل الشيخ من وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد إلى منصب وزير دولة، وهو أول وزير من المشايخ يحمل هذا اللقب دون تخصيص بمسؤولية ما، وحين غادر أ.عادل الجبير وزارة الخارجية أصبح وزير دولة للشؤون الخارجية ثم مبعوثًا لشؤون المناخ مع الاحتفاظ بمنصبه.
وعلى الضفة الأخرى أصبح الشيخ أحمد جمجوم وزيرًا للتجارة بعد وزارة الدولة، وأسندت وزارة العمل والشؤون الاجتماعية للشيخ ناصر المنقور بعد أن كان وزير دولة لشؤون مجلس الوزراء، وبعدهما تولى الشيخ أحمد زكي يماني وزارة البترول والثروة المعدنية عقب مدة أمضاها وزير دولة، وتولى الأمير مساعد بن عبدالرحمن وزارة المالية والاقتصاد الوطني بعد أن كان وزير دولة ومستشارًا، علمًا أن ترتيب الأسماء فيما سلف وما سيأتي غير مرتبط بالتسلسل الزمني بدقة، وإن كان قريبًا منه.
وفي المجلس الذي كونه الملك خالد عام (1395=1975م) انتقل عدة وزراء دولة إلى مناصب مرتبطة بوزارة وهم: الشيخ محمد أبا الخيل، والشيخ عبدالوهاب عبدالواسع، والأستاذ هشام ناظر، والوزارات هي حسب الترتيب: المالية والاقتصاد الوطني، والحج والأوقاف، والتخطيط، علمًا أن أبا الخيل وناظر عملا قبل ذلك وزراء دولة لشؤون ترتبط بالمال والتخطيط تباعًا. وفي المجلس ذاته سمي الأمير نايف وزير دولة للشؤون الداخلية، وبعد شهور عين وزيرًا للداخلية.
ثمّ اختير الشيخ فيصل الحجيلان وزيرًا للصحة بعد عمله القصير وزير دولة، وسمي الشيخ محمد بن جبير وزيرًا للعدل بعد سنوات من شغله منصب وزير دولة مع رئاسة ديوان المظالم، وهما في عهد الملك فهد، بينما أصبح الأستاذ عبدالله زينل وزيرًا للتجارة والصناعة بعد وزارة الدولة، ثم تحولت رئاسة الحرس الوطني إلى وزارة، وعين الأمير متعب بن عبدالله أول وزير لها، بعد أن كان وزير دولة ورئيسًا للحرس الوطني، وهذان المثالان في عهد الملك عبدالله.
ومما يؤكد أهمية هذا المنصب الوزاري، وعلو قيمته، أن أول عضوية لسمو ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء كانت في منصب وزير دولة، ثمّ أصبح فيما بعد وزيرًا للدفاع ووليًا للعهد ونائبًا لرئيس المجلس، قبل أن يصدر خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان -حفظه الله ورعاه- الأمر الملكي عام (1444=2022م)، القاضي بتكوين مجلس الوزراء من جديد، وإسناد رئاسته إلى سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله ووفقه-.
بقي الإشارة إلى عضوين لهما خصوصية مع منصب وزير الدولة، فأولهما الأمير سعود الفيصل الذي ابتدأت عضويته المجلسية وزير دولة للشؤون الخارجية عام (1395=1975م)، وبعد شهور أصبح وزيرًا للخارجية، وفي عام (1436=2015م) عاد إلى منصب وزير الدولة مع اختياره مبعوثًا ومستشارًا خاصًّا لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ومشرفًا على الشؤون الخارجية. والثاني هو د.إبراهيم العساف الذي عين وزير دولة عام (1416=1995م)، وبعد شهور أصبح وزيرًا للمالية والاقتصاد الوطني فالمالية، ومنها أصبح وزير دولة مرة أخرى، ثم عين وزيرًا للخارجية، وبعدة مدة عاد إلى منصب وزير الدولة مرة ثالثة. أسأل المولى الرحيم العلي القدير أن يرحم من توفي من هؤلاء الراحلين ويغفر لهم، وأن يرحم الباقين ويوفقهم ويسددهم ويعينهم على ما تحملوا، وأن يجعل العاقبة فينا ولنا من خير إلى مثله وأزيد.
الرياض- الخميس 05 من شهرِ شوال عام 1446
03 من شهر أبريل عام 2025م