بين يدي كتاب عنوانه: إلى صغاري: الأمير سعد بن محمد سيرة وعبرة.. كتب بقلم زوجته والدة خالد بن سعد بن محمد. ويتكون الكتاب من (94) صفحة فيه شهادة المؤلفة على شيء من خبر زوجها وسيرته، مع جمع وحفظ لما سطر عنه بُعيد رحيله شعرًا ونثرًا. وإن الزوجة لمن أبصر الناس بزوجها، وأقدرهم على الحديث عنه خاصة إذا رزقت الإنصاف والوفاء، وهو عين ما فعلته هند بنت عبدالعزيز بن عبدالله بن حسن آل الشيخ مع زوجها بعد الفراق وانقطاع الصلة الدنيوية معه -رحمهما الله-.
أما زوجها فهو الأمير سعد بن محمد بن عبد العزيز بن سعود بن فيصل بن تركي بن عبدالله بن محمد بن سعود (1348-1406=1929-1986م)، ووالده مشهور داخل الأسرة الملكية بالتدين والتأله، ووالدته هي الأميرة منيرة بنت عبدالرحمن الفيصل، شقيقة الملك عبدالعزيز، كما أن جد الأمير سعد ابن عم مباشر للملك عبدالعزيز، ويماثله في الاسم الذي غدا أحد الثوابت ودلائل العراقة في بيت الحكم -رحمهم الله وغفرلهم وأعلى منازلهم-.

في هذا الكتاب وفاء من الزوجة نحو زوجها، وحسن عهد، وإن حسن العهد لمن الإيمان. وفيه استحثاث للأبناء والأحفاد كي يقبسوا من مفاخر سابقيهم وأسلافهم، ويسيروا على منوالهم الرشيد. وفيه أيضًا إبراز للقدوة ليس داخل الأسرة فقط، ولا في محيط الأسر الكبرى والمؤثرة حصرًا، وإنما في المجتمع بأسره فعيون الناس شاخصة نحو الكبراء والأكابر، وعسى أن يظفر الأمير المترجم له بدعوة تنفعه في برزخه، وعسى أن يُكتب له من أجر اقتداء الأخيار به، وما ذلك على الكريم الرحيم بعزيز.
من خبر الأمير أن الصلاة المكتوبة لا تفوته سفرًا ولا حضرًا، بل يوقظ لها كل من كان في بيته، أو أصبح رفيقًا له في سفر أو رحلة، وإن أمر الصلاة لعظيم، والحفاظ عليها من الإيمان والاستمساك بسنن الهدى. ومن مكارم سعد بره الكبير بأبويه الصالحين، حتى أنه رجع لبيته متهلل الوجه باسم المحيا حينما سمع ثناء والده عليه، وأي وسام أعز من رضا الأبوين عن ابنهما؟! ومن بالغ بره أنه رافق والده على ظهور الإبل لأداء الحج في قافلة من الرياض إلى مكة، وحرص الأمير الابن على أن يكون من أوائل المصاحبين للأب الأمير الصالح، ابتغاء تحصيل مرضاة الوالد، وتلبية لما يحب دون نقاش أو تردد أو محاولة ثنيه نحو الأيسر، خاصة مع وجود السيارات والطائرات ووسائل نقل مريحة.
ومن خصاله الحميدة صلته المتينة بأقاربه وذوي رحمه، وتعاهد الكبار وذوي المقامات والمرضى منهم بالزيارة، والسلام، حتى لو كان على أهبة السفر، وكم في السفر من مشاغل وصوارف. ومن هذا الباب مداومته على حضور مجالس أسرته العامة والخاصة، والمشاركة في المناسبات كافة؛ ولأجل هذا تقدم الملك فهد -رحمه الله- المصلين عليه، فالراحل ذو المناقب والفضائل من وجهاء الأسرة، ومن أبناء عمه المقربين، ونجل لعمته، وزوج لأخته الأميرة مضاوي، وزوج كذلك لكريمة الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ صديق الملك فهد، وعضده في وزارة المعارف -رحمهم الله وغفر لهم-
كما كان من صفاته الحسنة حدبه على أسرته وأولاده، وحرصه على القرب منهم، وعلى أن يغنموا منه كريم التنشئة، وعميق التربية، وجميل التعامل، ولعمركم إنها لمسؤولية تتعاظم في الأسر ذات المكان والمكانة والتأثير بثراء أو جاه أو حكم، وذلكم من لوازم الثبات على العراقة، وحفظ الأعراق الطيبة، ورعاية استدامة المنابت الأصيلة. ولأجل هذه الخاصية شعر أهل بيته الأقربين بمرارة الفاجعة، ووجع المصاب، ففرق كبير بين من يُفقد موضعه ورأيه وخيره، وبين من لا يتغير شيء سواء أحضر أم غاب.
ومما روي عن الأمير سعد سعيه في بذل جاهه للعلاج، وقضاء الدين، وإجابة المستغيث، وشفاعته لإنظار المعسرين، وفي أحوال غير قليلة يدفع من ماله لنجدة ملهوف، ونفع ذي ضرورة ملجئة، أو عون صاحب حاجة خانقة، وإن تفريج الكروب لمغنم يغفل عنه بعض القادرين الذين لا ينقص التفريج من قدرهم ولا من قرشهم، وإن رفع المطالب لذوي السلطان، وإيصال كلمة العاجزين لأهل الأمر والنهي، لعبادة لا يقوى عليها إلّا قلّة من ذوي القدرة على أمانة النقل بنصح وحكمة وإرادة الخير، والتوفيق من الله، والمحروم من نأى بنفسه عن هذا الباب العزيز بلوغه وهو ممن دخل فيه.
ومن أعماله الجليلة التعلق بالمساجد وخدمتها، والمسابقة إلى صفوفها الأولى، والمكث فيها، وبنائها في أي مكان نزل به للسكنى، مع النجاح في استقطاب أفضل الأئمة والقراء، واستبقائهم كي يزداد عدد المصلين والمعتكفين. وله مع القرآن الكريم حال وأي حال، فمن تلاوة بتلذذ وتدبر، إلى استماع بإنصات وخشوع، وهي أحوال مشهود له بها من رفقائه ورصفائه، ويضاف لذلك إسهامه في نشر العلم بطباعة الكتب وتوزيعها، وإصراره على طمس أيّ إشارة تدل عليه في أعماله الخيرية؛ رجاء أن تكون خالصة متقبلة ممن يعلم السر وأخفى.
ومع ذلك كله لم ينس الأمير نصيبه من الدنيا، وليس نسيان النصيب الحلال مطلوبًا منه ولا من غيره، وإنما المراد التوازن وإعطاء كل ذي حق حقه. ولذلك عشق الأمير الخيل والفروسية، وصار يقتني جيادها، ويبرع في ركوبها، ويتقن الصيد والرمي مهما كانت سرعة مركوبه، أو بعدت فريسته، ويضاف لذلك ممارسته لرياضات تزيد من قوة القلب والجسد، وهي رياضات تتجاوز المتعة إلى إعداد وتهيئة، وتكاد أن تكون في حكم الواجب على المسلمين، وما أجدر ناشئة المجتمعات بتعلمها وإتقانها ليكونوا أقوياء بررة، نافعين لأوطانهم وآلهم.
كذلك كان للأمير مجلس دوري مفتوح، يرتاده الناس من شتى الأصناف والبقاع، فمن قادم لسماع العلم والفوائد، ومن طروب حين يبدأ رواد المجلس بإنشاد الشعر ورواية الأخبار بين يدي أمير متذوق عارف حسن الأحدوثة، ومن طالب لأنس المجلس ولذيذ الطعام، ومن راغب بالنوال أو الشفاعة. وهذا الحضور الكثيف في دنياه ومجلسه دليل على نهوضه بما يستطيع القيام به، وهبته للعون والمساعدة، وعلامة على محبة الناس له حتى مع بعده عن المناصب وزخرفها.
ثمّ شاء الله أن يرتحل الأمير سعد وهو دون الستين من العمر، وكان حينها في رحلة صيد داخل براري العراق إبان شتاء عام (1406)، فلما بلغ نعيه الأليم لأسماع الناس، ولم يبق مجال لتكذيب الخبر بعد أن أذيع نقلًا عن الديوان الملكي غرة شهر جمادى الأولى، أجهشت بالبكاء نفوس، وفاضت بالدموع مآقي، وتدفقت القرائح بالثناء الصادق البرئ من الأغراض شعرًا ونثرًا، وتوافدت الجموع متراصة في المسجد، متزاحمة في المقبرة، متوالية في مكان العزاء، وغدا الكافة من شهود الله لعبده في أرضه، رحمه الله وأعلى منازله.
الرياض- ليلة الاثنين 23 من شهرِ محرم عام 1446
29 من شهر يوليو عام 2024م
2 Comments
يا لروعة هذا المقال الذي يأخذ بالألباب قبل العيون ..
ويعيد إلى الأذهان معنى الكتابة الأصيلة ..
حين تكون وفاءً للقيم ..
وامتدادًا للنبل ..
لا مجرّد سردٍ للتاريخ ..
هنا تتجلّى براعة الكاتب في جمع المآثر الحيّة ..
ورسم ملامح رجلٍ كان في سيرته صورةً للثبات والبرّ والكرم والعقيدة ..
رحم الله الأمير سعد بن محمد ..
بقدر ما ترك من سيرةٍ طيّبةٍ ..
ومثالٍ خالدٍ في المروءة والعطاء ..
ما أعمق ما كتبتُم من وفاءٍ وتوثيقٍ بديعٍ للمعاني الكبيرة ..
وما أصدق ما بثثتم من دفءٍ إنساني في كل سطر ..
حتى كأن القارئ يعيش بين أروقة ذلك الزمن ..
يرى البِرّ في الموقف ..
والاستقامة في السلوك ..
والكرم في العطاء ..
ويشعر أن للأصالة جذورًا لا تموت ..
ما دام في الأمة أمثال قلمكم ..
بورك هذا البيان الذي يسمو على السطور ..
ويُعيد لقراءة السير روحها النبيلة ..
فما كتبتم عن الأمير سعد بن محمد إلا وثيقة ضوءٍ ..
تُذكّر الأجيال أن المجد لا يُصنع بالمنصب ..
بل بالموقف ..
ولا يُخلّد بالجاه ..
بل بالخلق والإحسان ..
إنه نصّ يليق بمقام الوفاء ..
ويستحق أن يُقرأ وقوفًا إجلالًا لكاتبه ..
ولمن كتب عنه ..
رحم الله الأمير سعد وزوجته الوفية وأعلى منازلهم .
اللهم آمين وشكرا لك يا علياء