سير وأعلام عرض كتاب

مجلس عبداللطيف الحسين ومسيرة مئة عام

قرأت إلكترونيًا ثمّ ورقيًا كتابًا عنوانه: مجلس عبداللطيف بن محمد بن حسين الحسين (رحمه الله) مسيرة مائة عام، إعداد أ.د.عبداللطيف بن إبراهيم بن عبداللطيف الحسين -حفيد صاحب المجلس وسميه-، وقد صدرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب عام 1447/2026م، ويتكون من (111) صفحة، فيها بعد المقدمة سبعة جوانب تخص جدّ المؤلف وعمه ووالده ثم مجالسهم وذكرياتهم ومشاركاتهم المجتمعية، وأخيرًا تأتي قائمة بالمراجع ففهرس المحتويات.

دعك من معلومات هذا الكتاب الجميلة؛ فهذه المعلومات سوف تجدها في النسخة الورقية أو الإليكترونية من الكتاب، وتعال معي لبعض الوقفات التي أراها مهمة، وعسى أن تكون حافزًا للآخرين كي يكتبوا ويدونوا. إنه لمن المهم بمكان أن ينظر المرء بعامة، والكاتب بخاصة، إلى الشيء وما وراءه، فللظاهر معنى، وللباطن معاني، وكما في الحقيقة فوائد نافعة، فكذلك المجاز فيه فوائد، وهذا كله مشروط بوجود قرائن، وانتفاء معارض، وبعد عن لي الأعناق، واعتساف الدلائل.

فأول شيء هو أن المؤلف البروفيسور عبداللطيف حمل هذا العبء الثقافي والتاريخي على ثقله وصعوبته، ولم يترك هذه المسؤولية لغيره، ذلك أنه لو ظن (كل أحد) بأن (أحدًا ما) سوف ينجز العمل فسوف تكون النتيجة أن (لا أحد) يقوم به، وتنقصي الآجال دون تحقيق الآمال! هذه المعادلة مهمة أن تكون أمام ناظري ذوي الهمم والمروءات؛ كي لا تضيع فرص أو تفوت سوانح. ومن لطائف الموافقات أن المؤلف يحمل اسم جده، وبالتسمية إحياء للذكر، لكن مؤلفنا زاد عليه إحياءً بهذا التأليف.

أما الأمر الثاني فهو أن غياب أبطال هذه الروايات منذ سنوات وعقود، ووفاة عدد من شهودها ومعاصريها، لم يفتّ في العزيمة، ولم يحل دون المضي نحو إكمال المشروع الذي زاده مشقة وعسرًا ضياع بعض الوثائق بسبب نقص الاهتمام بها أو تركها في بيوت قديمة حتى فقدت بأكثر من طريقة، وفي هذا -يا قوم- رسالة واضحة مختصرها: أدركوا كباركم واستمعوا لهم إن تحدثوا واسألوهم إن صمتوا، واحفظوا وثائقكم بالوسائل الحديثة حتى لا تتلف فيختفي شيء من التاريخ والرواية.

ثم يبرز لنا ثالث أمر وهو مجلبة للسعادة والسرور، فكل قريب أو صديق أو جار لديه رواية بادر من تلقاء نفسه بنقلها للمؤلف، أو أداها لمن طلبها منه سمحة نفسه بها بلا عنت ولا تردد. ليس هذا فقط، بل إن بعض من كتبوا أوراقًا أو دونوا مرويات سلموها للمؤلف كي يفيد منها، ولم يضنّوا بها، وسبب سعادتي بهذا الأمر الثالث أن بعض الناس يبخل على قريبه بأي معلومات توثيقية، وربما تمنّع عن تقديم ما لديه من وثائق وأوراق، ولأجل هذا أشعر وأنا أكتب بحلاوة الأمر الثالث لكثرة ما سمعت عن قريب احتجز وثائق أسرية بلا مسوغ، أو أخ رفض الإفراج عن تسجيلات بصوت أبيه الراحل! وفي هذا الرفض ضرر علمي، وحرمان لشركائه من التلذذ بسماع صوت الأب، وكم في صوت الأب من حنان.

والرابع البهيج كذلك هو تلك المشاركات النسائية في الرواية والإخبار، سواء مباشرة لوجود محرمية مع الشيخ أ.د.عبداللطيف، أو بواسطة ناقل، فإن لدى المرأة ذاكرة اجتماعية دقيقة، وقدرة على تذكر دقائق وتفاصيل ربما تغيب عن شقيقها الرجل، وفيما أشرفت عليه من أعمال توثيقية، أشهد لبعضهن أنهن ساهمن بإضافة أو تصحيح أو حتى إنقاذ من الوقوع في خطأ؛ ولهذا باب آخر من القول إن يسر الله وأعان، علمًا أن لزوجات الآباء حضور مشرق في هذا الكتاب ينقض خذرفات الممثلين والمسلسلات، وفيه وفاء من المؤلف وأشقائه لزوج أبيهم.

كتاب مجلس أسرة الحسين

ولم يقتصر الكتاب الذي بين يدي على الأقارب، وإنما تجاوزهم إلى علماء ورواة وأدباء ووجهاء -وما أكثرهم في الأحساء-، وإلى أنساب وجيران وزوار وعمال، حتى يمكن جمع أكبر قدر من الرواية والحكايات، ونتج عن ذلك أن حواشي الكتاب امتلأت بترجمات لأشخاص بعضهم ربما ليس له ترجمة في غير هذا الكتاب، وذكرت في الكتاب أسماء كتب، ومدارس، ومساجد، وسيقت قصص ومواقف طريفة، وهذا  هو الأمر الخامس اللافت للنظر.

وفي سادس أمر، نجد أن الكتاب لم يكتف بالحديث عن الإنسان، بل تحدث عن البلدة القديمة، وعن المدارس الشرعية باختلاف مذاهبها الفقهية التي تشتهر بها الأحساء، وتطرق لمدرسة حكومية قديمة قامت على جهود أسرة الحسين وتحديدًا على جهود عمّ المؤلف ووالده -رحم اله الجميع-، وتخرج فيها أعداد منهم رموز وأعلام، كما عرّف الكتاب بالمزارع وبعض الأكلات والعوائد، وحفظ تاريخ بداية استخدام الهواتف والأجراس وحركة العمران والتنقل العلمي بين الأحساء وما جاورها، وما أجمل ذاكرة المكان، وما أحسن عيش القارئ في أجواء ليس له بها صلة زمانية أو مكانية.

وحين نذهب إلى سابع أمر نقف بإجلال مع مجالس الأسرة، وهي مجالس يومية، تعقد في أوقات متعددة من اليوم، وبضيافات متنوعة، ورواد مختلفون، وقد تكون احتفاء بقادم، أو فرحًا بأحد العيدين، أو اجتماعًا لأسرة، وفيها علم وأدب وتقارب اجتماعي، ومنها ما يعقد في البيوت أو في المزارع، وبعضها خاص، وكثير منها عام، والجميل أنها مجالس متوارثة مستمرة لم تنقطع، ثم وفقهم الله لتحويلها إلى صندوق أسرة في عمل مؤسسي رسمي منضبط. وقد جعل أحد باحثي الدكتوراه مجلس أسرة الحسين ضمن نطاق دراسته، والمجالس الأحسائية بالجملة جديرة بالتتبع والتحليل.

هذه سبعة أمور تصف العراقة، وقد لمحتها مع قراءة كتاب يتكون من سبعة جوانب مثلما أسلفت، وكل أمر من هذه السباعية فيه تشجيع لمن يقرأ كي ينهض من فوره، متوكلًا على الله، ومتسلّحًا بالعزيمة، ليحفظ تاريخ آبائه وأسرته وبلدته قدر المستطاع، ويستفيد ممن تعاون معه، ويعرض صفحًا عمن يحاول ثنيه عن الإقدام أو يرفض التعاون معه، ذلك أن الذي يسير في طريق نحو غاية محددة سلفًا، لا يلتفت لمن قعد خلفه، ولا يأبه لأصوات ذات ضجيج بلا معنى.

ahmalassaf@

الرياض- الخميس 18 من شهرِ جمادى الأولى عام 1448

29 من شهر أكتوبر عام 2026م

Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.