لا يمرّ عليّ يوم العاشر من شهر جمادى الأولى كل سنة هجرية دون أن أتذكر هذه الحادثة، ومن المصادفة أنه يوم يوافق العاشر من شهر يناير في تلك السنة الميلادية. هي حادثة ترتبط بوالدي -رحمه الله-، فلا غرو أن تظلّ حاضرة معي، ومن الواجب إثباتها لما فيها من فوائد، وحتى ينعم أطرافها بالدعاء لهم ممن يقرأ أو يسمع، وقد حفزني على كتابتها اليوم أني رويتها البارحة لصاحبي الذي أحب إخوته.
كنت حينها في المرحلة المتوسطة، وأجريت لي عملية جراحية عاجلة لاستئصال زائدة كادت أن تنفجر داخل البطن لولا لطف الله، ومكثت في المستشفى أسبوعًا؛ فهي عملية يطول المكث في المستشفى بعدها تلك الأيام خلافًا لأيامنا هذه. بعد خروجي من المستشفى أديت الامتحانات النهائية للفصل الأول، وخرجت منها متفوقًا بفضل الله، ولم يكن تفوقًا عاديًا بل تفوق استثنائي، والفضل للرب الحميد المجيد سبحانه.
لا أنسى، وكيف لي أن أنسى، أن الوالد دخل علينا في نهار ذلكم اليوم العاشر، وهو يوم جمعة أو سبت، وكنا حينها جلوسًا ننتظره فقال: الحمدلله على سلامتك يا أحمد، ولكل واحد منكم ساعة يد من المحل الفلاني. ومع أن الانتظار الثقيل جزء من الحياة لا مناص منه؛ إلّا أنه لم يطل علينا هذا الانتظار لأننا ذهبنا عصرًا، وما هي إلّا ساعة، وفي معصم كل واحد منا ساعة غالية قياسًا على ذلكم الزمن، وعلى المعتاد في ساعات أبناء جيلنا وأعمارنا.
هذه القصة تبدو عادية، ساعة أهديت والسلام، لكنها عند النظر ليست كذلك! فقد حرص الوالد على صناعة الذكرى الطيبة مع أولاده، وبادر بالإهداء المفاجئ على غير توقع، وجعل الهدية من اختيارنا لأي صنف منها وإن حددها نوعًا ومكانًا، وعمّ بهذه الهدية كل بنيه الحاضرين توخيًا للعدل، ولم يتأخر إنجازه لوعده إذ أمضاه بعد ساعات فقط من النطق به، وكانت الساعات الفاصلة بين اللحظتين سعيدة على قلوبنا، وإن كان مسيرها بطيئًا حتى تم المراد.

ليس هذا فقط، ففي اختيار الساعة درس تربوي متعدد الوجوه، فهو ربط بالوقت وأهمية الحفاظ عليه، وهذا الدرس الصامت كنا نعاينه في حياة الوالد الذي يحافظ على وقته، ولا يقدّم على الصلاة شيئًا. ومن وجه آخر فقد كانت الهدية شيئًا لا بدّ منه لكل فتى على الأغلب، وتمنح لابسها قدرًا من الوقار والقيمة، ولم تنصرف لصنف قابل للزوال، أو يستعمل في لهو، أو منفعته لا توازي ثمنه، فضلًا عن كون الساعة تنفع الإنسان وتنفع غيره.
لقد نجح الوالد في جهده التربوي معنا بتوثيق صلتنا بأشياء مهمة دون أن يتحدث عنها كثيرًا، وبأسلوب سلس غير مباشر، مثل: معرفة الطريق للمسجد، الصحبة مع القرآن، مجالسة الرجال، حضور المناسبات، لبس المشلح، العيش مع الكتاب، الاستماع الانتقائي لبعض البرامج الإذاعية، العناية بالتاريخ، وأعطانا لفتة تربوية بالتركيز على الشيء الأهم فالمهم، وترك ما سواه فالعمر لا يستوعب كل شيء.
ثمّ إن هذه الساعة كانت فرحًا بنعمة الله على الشفاء والعافية، وتحديثًا بما وهبنا من نعم، وقد جاءت للكافة علانية دون تفرقة، وأسعدت قلوبنا وقلب السيدة الوالدة -رحمها الله- التي يسرها أي خير يناله أولادها. وقد استخدم كل واحد منا ساعته فيما يفيده في دينه ودنياه، ووقع الشراء الجماعي لها من معرض للساعات يمتلكه رجل صالح فيما نحسب، أما ملكية المكان فتعود لأحد الأقارب، فكانت خيرات هذه الساعة متعدية غير قاصرة على بيتنا، ووصلت إلى التاجر المستأجر، ومالك العقار، وإن بطريقة غير مباشرة.
أكتب ذلك بعد أن مضى على هذه القصة أربعة عقود تقريبًا، وقد غاب والدي وغابت والدتي عن ظاهر الأرض، وإن كان مكانهما في الوجدان باقيًا كما لو كانا من الأحياء، ومع عمران الوجدان بحضورهما البهي الجميل، فلا يكفّ اللسان عن الدعاء لهما سرًا وجهارًا، والموفق من ذريتهما من زاد فأهدى لهما شيئًا من صالح العمل، فاللهم تقبّل، وارحمهما كما ربونا صغارًا، ووفق الآباء لحسن التربية، واقتناص الفرص، وتشييد ذكريات حسنة مع الذرية لا تمحوها الأيام.
الرياض- الأبعاء 10 من شهرِ جمادى الأولى عام 1448
21 من شهر أكتوبر عام 2026م