كتبت مرة عن العلاقة بين الكتابة والخيار، ووعدت أن أكتب عن الجزر والكتابة إن وجدت اهتمامًا ولو من بعض القراء، وقد وجدت -بحمد الله- من بعض الكتّاب ما يقوي العزيمة على إنجاز هذا الوعد. من المهم للمرء ألّا يعد بشيء يغلب على ظنه استحالة الوفاء به أو صعوبته عليه، وألّا يتخلص من واجب الوفاء بأي شيء يمكن أن يوصف بأنه استكراه أو تحلة قسم، فالاعتذار عن الوعد بعد بذل الوسع أليق وأولى.

بناء عليه، لاحظت أن الجزر يقدم لنا عدة دروس في الكتابة لما بينهما من مشتركات، فمنها:
- الجزر نبات ذو جذور، والأصل أن يكون للكتابة جذور فكرية أو نفسية أو داخل الذاكرة؛ لأن الكتابة بلا جذور قد تغدو عديمة الجدوى، هذا غير أن الجذور الفكرية القوية لها أثر لا يخفى على النص في شكله ومضمونه وفي ثماره المنتظرة منه.
- يتميز الجزر بالصلابة المنافية للهشاشة والرخاوة، ولا تعني الجمود أبدًا، وهكذا يحرص الكاتب الجاد على جعل نصوصه متماسكة ليست هشة، ولا سهلة للانكسار أو الانحناء إلّا أمام سلطان الحق والحقيقة.
- للجزر لون بهيج يخطف البصر ويصعب صرف النظر عنه، والكاتب الموفق يكسو عمله بما يضمن له وقوف العابرين أمامه وانجذابهم إليه ليس ماديًا فقط، وإنما بما فيه من معاني جميلة.
- لون الجزر البرتقالي يشع سعادة وحيوية، والكاتب الناصح متفاءل يدعو للعمل وتحريك الهمم فيما يكتبه، فهو بعيد عن التخذيل وعن الكسل.
- للجزر بحد ذاته عدة أحجام، ويمكن تقديمه بأكثر من طريقة، ووحده أو مع إضافات، وبطبخ أو طازجًا، ويؤكل أو يشرب، وهذا التنوع يمنح الكاتب مساحة واسعة للتفنن بنصوصه طولًا أو قصرًا، تصريحًا أو تلميحًا، انفرادًا أو اشتراكًا، اتصالًا بغيرها أو انفصالًا عنها، بمراجعات أو بدونها، بعمق يحتاج لهضم أو بوضوح يشرب مثل كأس من عصير الجزر اللذيذ.
- اشتهر الجزر بأنه من مقويات البصر، وهذا الربط قد يصح دون إطلاق ومع تنبيهات ليس هذا موضعها، والشاهد أن عمل الكاتب يفتح البصر، ويزيد البصيرة، ويقوي العقل، ويرفع القدرة النقدية لدى القارئ، وإذا خلت الكتابة من هذه الفوائد النافعة للناس التي تمكث في النفوس فلا داعي لها؛ لأنها سوف تصنف ضمن الغثاء والزبد الذاهب جفاء!
- يوصف مكسر الجزر -أي قطعه الصغيرة- بحسن المنظر، ونظافته، من أي مكان كان هذا الكسر، والكاتب الخبير يجتهد في تضمين نصوصه مقاطع قابلة للنقل وحدها، وجديرة بالاقتباس للاستشهاد، فهي نظيفة كاملة متماسكة مثل مكسر الجزر الذي يخلو مما يشينه منظرًا ومخبرًا، وتبقى في أجزائه أمشاج الأصل وقبس من روحه ونوره.
- ثمة زعم يقول بأن الجزر يقاوم السرطان، وقد يماثله الزعم بأن الكتابة الفلانية يقصد منها كذا، أو كانت سببًا لكذا، وكل زعم بلا برهان ثابت أو أثارة من علم فلا قيمة له ولا اعتبار. وهنا تنبيه للكاتب كي يحذر من أي تأويل أو تفسير بعيد عن المنطق أو الأدلة الدامغة، وتنبيه آخر للكاتب والقارئ مفاده أن الحقيقة قد تستعمل للخديعة أو التلبيس بعد حرفها عن مجراها.
- يشاع بأن للجزر بعض الأضرار، وهذا ليس ببعيد، ومثله الكتابة فهي لن تخلو من ضرر، والسعيد من ضيّق على الأضرار الكتابية قدر الإمكان، حتى تنحصر في نطاق محدود، وزاوية صغيرة.
- يروى في قصص الدعاية السياسية -بغض النظر عن صحتها وتأثيرها على الطرف الآخر- بأن قوة الإبصار بسبب أكل الجزر استخدم من قبل الإنجليز للتضليل على الألمان في الحرب العالمية الثانية، والكاتب الحصيف يحمي قلمه من استخدامه للتضليل والبهتان، ويطعن به خاصرة افتراءات الباطل حتى يفضحها ويبين فسادها.
- الجزر لا يحتاج إلى أن يصرخ ليقول إنه جزر؛ فلونه وشكله وطعمه تكفي للدلالة عليه. ولعل الكاتب يتعلم منه شيئًا: لا تشرح للقارئ أنك مبدع، ولا تقل له إن نصك عميق، ولا تضع على مقالك لافتة، ودع النص يثبت ذلك لقارئيه.
- الجزر -مع كل فوائده- لا ينتفع به أحد وهو مدفون في التراب، وكذلك الأفكار؛ قد تكون عميقة، نافعة، ثمينة، لكنها لا تحدث تغييرًا حتى تُقتلع من داخل النفس، وتُنظّم، وتُصاغ، وتخرج إلى الناس.

“إنّ سعادة الكاتب هي أن يجهر بصوته هو لا أن يكون صدى لصوت غيره، وهذا ما حاولته فيما كتبته كله” كما قال الدكتور أبو القاسم سعد الله الجزائري في كتابه “خارج السرب”، وواجب على الكاتب أن يبتهج بتفرده ووضوح فكره وطريقته وأسلوبه وصوته المستقل، تمامًا مثل الجزر الذي يشترك مع الخيار والموز في أشياء، ويخالفهما ويخالف غيرهما في أشياء وأشياء، وأصدقكم القول فإني أحب الجزر، وأحب الموز، لكن لن أعد أحدًا بمقال عن علاقة الأصفر بالكتابة!
الرياض- الثلاثاء 04 من شهرِ ربيع الأول عام 1448
17 من شهر أغسطس عام 2026م