عندما أشار سمو ولي العهد في لقاء متلفز إلى بعض أفكار عمه الأمير مساعد بن عبدالرحمن تسارع الناس خاصة من أجيال الشباب للتساؤل والبحث عن هذا الاسم الذي سمعه أكثرهم لأول مرة؛ إذ توفي الأمير مساعد عام (1407=1986م) عن عمر بين السبعين والثمانين على خلاف في تحديد سنة ميلاده بين عامي (1332-1341)، والتاريخ الأخير ربما هو الأقرب؛ لتوافقه مع تصريحه الشفهي في لقاء تلفزيوني قيّم مع د.عبدالرحمن الشبيلي، وقد أفرغ محتواه عقب ذلك بكتاب مطبوع لنفاسة تلكم الحوارات.

والأمير مساعد نموذج باهر لرجل الدولة السعودي الذي يصف عراقة مجتمعنا، وسمو مبادئنا، وصلابة ثقافتنا وحضارتنا، وحسن إعداد الكفاءات والقيادات في بلادنا. كان الأمير يريح كل من يتعامل معه، فهو مستمع لا يقاطع، يحسن الفهم، ويجيد الإفهام، ولديه ثقافة واسعة، وبعد نظر، واستقلالية في الرأي، ومدارك شرعية وقانونية وإدارية وتاريخية، تجعل صاحب الرأي المتشبث به يتراجع عنه دون ضغط ولا مجاملة؛ لأنهم أمام مسؤول يحاور ويقدّر الآخرين، وينجح في الإبانة عن مكنون نفسه، ولذلك كان عقلاء الخبراء يسعدون بالتعامل معه، فهم سيخرجون بفوائد ومزيد علم، والرأي الذي يتفقون عليه لن يبتعد عن الصواب وتحقيق المصلحة.

ومما عرف عنه أن له علاقة وثيقة بالكتاب والقراءة، ويشتري من كل كتاب يعجبه نسختين لمكتبتيه في الرياض والطائف، وهو دائم المتابعة لحديث الإصدارات، وكثير الشراء أو توصية من يثق بهم لشراء كتب له، وإرسالها بأسرع وقت ممكن، علمًا أن أول مكتبة خاصة فتحت لعامة القراء والمثقفين في الرياض هي مكتبة الأمير مساعد التي خصص لها زاوية من بيته سنة ١٣٦٣= ١٩٤٢م، واصطفى لها موظفًا بصيرًا يعنى بشؤونها والمستفيدين منها، وبعضهم قامات علمية وثقافية.

تلك القراءة المتنوعة والعميقة عنده، مع ما وهبه الله من استعداد ذهني موروث، وقدرة على التفكير والخروج بخلاصة ورؤية، ثمّ رعاها بالحوار والإنصات، صنعت منه رجلًا ذا رأي يتوافق مع المصلحة والمنطق، ولذلك يعطي الملك فيصل لرأي وزير ماليته الأمير مساعد حقه من الاعتبار والتقدير. وحينما أراد الملك سعود أن يولي رجلًا مناسبًا منصب رئاسة ما عرف لاحقًا بديوان المراقبة، اقترح عليه ولي عهده الأمير فيصل إسناد هذا الديوان للأمير مساعد، فحمل المسؤولية عنه مع رئاسة ديوان المظالم، وأخذ الكتاب بقوة، حتى غدا الديوانان من مصانع رجال الدولة، ومواضع الثقة والإجلال من الملوك والأمراء وغيرهم.

أما العراقة والاعتزاز لدى الأمير فتأكدها مواقفه الكثيرة، ومنها أنه لم يكن يأسر نفسه لآراء الآخرين خاصة الأجانب منهم مهما أجلبوا بكلمات الخبرة والإنسانية والدراسات وغيرها، وإليكم هذه الوقائع باختصار، وهي تدل بوضوح على هذه المعاني النيّرة الصارمة:
المستشار الذي أصبح تلميذًا:
جاء إلى الرياض مستشار أمريكي من مؤسسة دولية، وأصر على أن تبنى كليات جامعة الملك سعود في أماكن متفرقة، وربما بهر هذا “الغربي” بعض المسؤولين دون بعض، ولم يستطع معارضوه إقناعه بوحدة المقر، ولم يتزحزح عن رأيه قيد أنملة. وفي جلسة واحدة للمستشار مع الأمير مساعد، لم يملك إلّا أن يعيد النظر فيما رآه، ويغدو تلميذًا بين يدي الأمير، ويخلع عن نفسه صفة الأستاذ الخبير!
خلاصة ما كان أن الأمير لم يوافق على رأي المستشار بأن كليات الجامعات العالمية العريقة متفرقة، وذكر له أمثلة على جامعات عريقة تقع كلياتها ضمن سور واحد، وأردف الأمير بأن تلك المباني المتفرقة لم تبن في وقت واحد؛ ولذا اضطروا لتفريقها فبهت الأمريكي من حجة الأمير؛ لكنه فزع إلى حيلة أمنية مختصرها أن بعثرة كليات الجامعة يمنع اتفاق الطلبة على الإضراب، فلم يؤثر رأيه على مساعد كما ظن، بل قال له: الإضراب لن يمنع منه بعد ولا قرب؛ وعندها خسر الأمريكي كل أوراقه، وخرج من المجلس بغير الانتفاخ والبطر الذي دخل به!
مؤسساتنا أولى بأموالنا:
جاء الأستاذ محمد الشارخ موفدًا من مؤسسة دولية يقف على رأسها أمريكي من قادة الحرب الدموية على فيتنام، وكان الشارخ موفدًا كي يطلب تقديم المال لهذه المؤسسة لتصرفها “خيريًا” على دول فقيرة، في مسعى لتجميل تاريخ هذا الأمريكي الذي يمكن أن يصنف “مجرم حرب” وتجميل دولته وحضارته! فزجر الأمير الأستاذ محمد زجرًا مهذبًا، وقال له: هل أنت عربي ومسلم واسمك محمد؟ ثمّ أردف بما معناه: إذا أردنا التبرع فسوف نتبرع بأنفسنا مباشرة، وعن طريق مؤسساتنا أو مؤسسات ننشئها، ولن نمنح أموالنا لغيرنا كي يتفضل بها باسمه ولصالحه!
عندما تخطئ الخبيرة:
استقدمت جامعة الرياض -جامعة الملك سعود الآن- خبيرة بريطانية من أجل دراسة تأسيس كلية للطب فيها، وهي كلية الطب الأولى في السعودية وفي المنطقة. وبعد جولة من قبل هذه الخبيرة اقترحت أن تكون الكلية في الطائف لأن الطقس فيها أحسن حتى لو كان مقر الجامعة الأم في الرياض! وربما أن هذا الرأي من “الخبيرة” قد راق للبعض فهو رأي أجنبي يجد أكثر من طروب، بيد أن الأمير مساعد كان على رأس المعارضين، وفعلًا أقيمت الكلية ضمن نسيج جامعتها وفي عاصمة البلاد، وكان هذا هو القرار الصواب لا غيره مما جاءت به خبيرة لا تحسن التدبير.

يتضح لنا مما سلف أن قوة الأمير مساعد لم تكن في أنه يعرف أكثر من الخبير دائمًا، إنما في أنه لم يكتف برأي الخبير؛ إذ كان يستمع، ثم يفكر، ويناقش، ويحكم، وتلك خصلة تجعله مطمئنًا لقراره الحيادي المستقل. كذلك فمن المزايا التي اشتهر بها الأمير مساعد صرامته في تطبيق النظام وحياطته عن أن يتسوره أي أحد، ومن ذلك أن أحدهم ادّعي بأن الأمير مساعد يشفع له من أجل القبول في كلية الهندسة حتى مع تدني درجاته، وحين استفسرت الجامعة من الأمير أجاب بما حاصله: هذه الدعوى كذب، وفوق ذلك فإن درجات هذا الطالب لا تؤهله نظامًا للقبول، والأصل أن يعامل كل أحد حسب النظام.

إن ذكر هذه الشخصية بعد أربعة عقود من رحيلها في جملة قصيرة معبرة من حوار رئيس مجلس الوزراء وولي العهد فيه إشارة إلى أن السير العظيمة تبقى حية خالدة، وفيه تنبيه آخر لأهمية استقلالية الرأي، واستشراف المستقبل، وتقدير الكفاءات بعد إحكام صناعتهم وتهيئة أجيال منهم لحمل المسؤولية، وأدائها، والتعاقب عليها، رعاية للأمانة، وصيانة للمسؤولية، ومحافظة على المصالح، ووفاء للمبادئ الأصيلة العريقة التي يتصف بها مجتمعنا، وقد كان الأمير مساعد بن عبدالرحمن سليل أسرة عريقة آمنت بذلك كله، وظهر أثر إيمانها في الاعتقاد والقول والعمل، فأصبح رجل دولة يقرأ كثيرًا، وينصت طويلًا، ويفكر مستقلًا، ثم يتخذ قراره بعد أناة وتدبر، وفق المصلحة لا بناء على هيبة الاسم أو مصدر الرأي.
الرياض- ليلة الأحد 03 من شهرِ ربيع الأول عام 1448
16 من شهر أغسطس عام 2026م