الوزير بالنيابة وصف يطلق على أي عضو من أعضاء مجلس الوزراء يحل مؤقتًا محل زميل له يغيب لإجازة أو مهمة أو غير ذلك مع بقاء الأخير وزيرًا أصيلًا لوزارته، وبالتالي فالنيابة مؤقتة، ومعروفة المدة على الأغلب، ولها مواد تخصها في نظام مجلس الوزراء. والاستنابة إجراء إداري بشري قديم، وتاريخ الوزارة بالنيابة فرع عنه، ويصعب حصره لكثرته، ولارتباطه بالوزير النائب والمنوب عنه بعد موافقة رئيس المجلس دون إعلان مباشر عنه إلّا إذا ذكر الوزير النائب بهذه الصفة، أو كتب الوزير ذكرياته وتطرق للنيابة.
لذلك نستطيع أن نقول بثقة كبيرة بناء على المتوافر لدينا من سير وذكريات: إن الوزير د.عبدالعزيز الخويطر هو أكثر وزير تولى النيابة المؤقتة عن زملائه الوزراء، حتى إنه أصبح في وقت واحد وزيرًا لتسع وزارات، ومازحه الملك عبدالله قائلًا: لو كان عندنا وزير آخر مثلك لانعقد بكما المجلس نظامًا! علمًا أن أبا محمد لم يختص بهذه المزية وهو وزير دولة فقط، وإنما لازمته حتى وهو وزير للمعارف، وربما كلف معها بوزارة أخرى. وممن تحدث عن مسألة الوزير بالنيابة د.غازي القصيبي في حياته الإدارية، وسردها بصفحة واحدة من سيرته بيد أنها ذات أكثر من دلالة، وفيما أذكر دون رجوع لما طبع من كتب؛ فإن إيراد هذا الأمر قليل في أكثر ما دونه الوزراء عن مسيرتهم.
ويمكننا أن نستخلص أهم الأسباب التي تجعل الوزير يرشح وزيرًا بعينه للنيابة عنه، وهو الترشيح الذي لا يصبح نافذًا إلّا بعد موافقة رئيس المجلس:
- خبرة الوزير بالنيابة ومعرفته بالأنظمة والتنظيمات؛ فهذه ضمانة إصابة الهدف بدون تجارب.
- وجود صلة بين عمل الوزارتين؛ فالتشابه جسر للفهم السريع والإنجاز.
- حرص الوزير بالنيابة على إمضاء العمل بوتيرة عادية، وترك المهم غير العاجل للوزير الأصيل، فقد يكون لمهمات الأمور أبعاد غير ظاهرة للوزير الذي يقوم مقام زميله.
- وجود علاقة وثيقة بين الوزيرين، أو تشابه في منهجية العمل، فهذا يجعل خطوط التواصل أسرع.
- للوزير النائب اختصاص أو اهتمام يتعلّق بعمل الوزارة المنوب عليها.
- قدرة الوزير النائب على التعامل مع فريق الوزير الأصيل؛ لأن السمات الشخصية لها وزنها.
- قوة الوزارة التي يتولاها بالأصالة الوزير المطلوبة نيابته كي يطلع على حجم العمل وأهميته فيما استنيب عليه.
- الصفة الشخصية للوزير النائب، فبعض الوزارات السيادية لا توكل إلّا لشخصيات محددة.
طبعًا هذا لا يعني أن كل وزير سيغدو وزيرًا بالنيابة في يوم ما، فبعضهم دخل إلى المجلس وأمضى فيه سنوات عددًا، وخرج حين خرج دون أي نيابة أو بعدد محدود جدًا منها. وفي إنابة وزير عن آخر فوائد عدة غير بقاء الصلة الإدارية بالمرجع الأعلى، وزيادة مستوى الحوكمة والالتزام بالأنظمة، فمنها:
- القرب بين رجال الدولة وكبار موظفيها على مستويات عدة وفي أماكن مختلفة، وصنع قنوات تواصل جديدة بينهم.
- رؤية فريق الوزير لطريقة تفكير وعمل مختلفة عما ألفوه من وزيرهم الأصيل.
- تفويض كبار موظفي الوزارة بمهام لم تكن متاحة لهم بحضور وزيرهم الأصيل.
- منح الفرصة لكبار موظفي الوزارة في حضور الاجتماعات الدولية ولجان العمل المتخصصة.
- تهيئة الوزير النائب لتولي وزارة استنيب عنها لأي سبب.
ومن النوادر في أخبار النيابة أن د.الخويطر استنيب عن رئيس الديوان الملكي الشيخ محمد النويصر، أو عن بعض أعمال وزير الخارجية الأمير سعود الفيصل الخاصة بحضور اللجان، ويبدو أن الخويطر تولى بعض المهام نيابة عن بعض مهام وزير الخارجية وكان الأمير سلطان هو وزير الخارجية بالنيابة، ولم يستطع المشاركة في بعض اللجان لتزاحم مسؤولياته في وزارته وفي الحكومة؛ ولذلك قسمت النيابة في هذه الوزارة من باب ضبط العمل كله.

كذلك من الوقائع الحادثة بندرة أن يتولى الوزير مكان غيره بالنيابة، ثمّ يحمل مسؤولية وزارة أخرى كان المستنيب وزيرًا لها بالنيابة، وأشهر تطبيقاتها حين صار الخويطر نائبًا عن الشيخ محمد أبا الخيل الذي تولى المسؤولية بالنيابة عن إحدى وزارتي الأمير متعب، فحمل الخويطر مع وزارته المسؤولية عن وزارتي المالية والبلديات. ومع أن وزير الدولة لا ينيب غيره عنه كما أجابني أربعة أشخاص عن سؤالي حول هذه النقطة، إلّا أن د.القصيبي كتب أنه ناب عن زميله وزير الدولة د.محمد الملحم في إحدى اللجان، والذي يبدو أن سبب النيابة هو العضوية في اللجنة كي تتسق هذه الواقعة مع الرأي الذي اتفق عليه أربعة خبراء.
ومن طريف أخبار النيابة أني زرت قبل سنوات مسؤولًا، وكان وزيرهم مسافرًا وحلّ نيابة عنه وزير آخر بينهما صداقة متينة، فأراني المسؤول تعليق الوزير بالنيابة على موضوع أتابعه، ثمّ قال: استبان بهذا التعليق خبرة الوزير بالنيابة وتفوقه على وزيرنا الأصيل! علمًا أن الوزيرين حاصلان على شهادات عليا، بيد أن الأصيل أمضى عمره في العمل الأكاديمي، والنائب قضى حياته في الإدارة فعرف النظام ومسالك العمل أكثر من صاحبه، ومما يحمد لهما جمال الخط، وسلامة الإملاء والنحو! ووقعت مرة على ورقة وقعها الوزير د.محمد آل الشيخ -وهو مهندس مدني- بصفته وزير العدل بالنيابة؛ ولا غرو فأبو خالد نجل وحفيد لاثنين من شيوخ القضاء، ولديه ثقافة عدلية وحقوقية ظاهرة.
كما صرح الخويطر والقصيبي ببعض مواقف النيابة الطريفة، ومنها أن د.سليمان السليم اختار القصيبي نائبًا عنه على وزارة التجارة، فاستخدم أبو يارا أسلوبه الهجومي في العمل، وهو ما لا يروق للسليم الذي تجنب استنابة صديقه مرة أخرى. ومنها أن الخويطر طلب من د.خالد العنقري وزير التعليم العالي ألّا ينيبه لكثرة احتفالات الجامعات وهي مرهقة مستهلكة للوقت، والشيء بالشيء يذكر فقد كان الخويطر يتندر بطلب الحلول في الدعوات الاجتماعية مكان أي وزير ينوب عنه، ومع أن الخويطر لم تسند إليه المسؤولية بالنيابة عن وزارة التعليم العالي إلّا أنه كان خيار القيادة ليتولى هذه الوزارة بالتكليف خمس سنوات تقريبًا بعد وفاة وزيرها الأول الشيخ حسن آل الشيخ. وللتنبيه الذي يقتضيه ارتباط الموضوع؛ فقصة توقيع الخويطر طلبًا وهو وزير للمعارف، ثم رفضه للطلب نفسه وهو وزير للمالية بالنيابة، ليست صحيحة بالسياق الذي تُروى فيه، وسبق بيان ما جرى وتفسيره في مقال سالف.
اللهم اغفر لمن سلف وارحمه، ووفق العاملين لما فيه الخير العاجل والآجل، وهذا أحد غايات كتابة هذا المقال الذي يبين سبل الاستنابة في أهم مجلس حكومي، وكم في النيابة من مصالح للأطراف كافة، منها التأكيد على مؤسسية العمل، وانفكاكه عن التعلّق بالأسماء، وفتح آفاق أوسع لفهم العمل والناس، والاطلاع على تجارب ومناهج قيادة وإدارة، وتهيئة البديل لأي طارئ، واستحداث أكثر من قناة اتصال وتعارف، وغير ذلك مما لا يخفى، وكله يصب في مصالح البلاد وصالح أعمالها وأهلها.
الرياض- ليلة السبت 11 من شهرِ صفر عام 1448
25 من شهر يوليو عام 2026م