تزدحم كتب السير على رفوف المكتبات، بيد أن الذي يعيش مع الناس منها قليل؛ لذلك حين سألني سائل كريم النفس عزيز المقام: كيف تصبح السيرة المكتوبة جذابة ومتداولة بين القراء ونافعة؟ اكتفيت بأن أجبته إجابة عامة مركزة، فالواتساب لا يحتمل كثيرًا من التفاصيل، بيد أنه سؤاله دفعني للتأمل والتقصي، فما أنفع من أن يتخذ الكاتب من الحوارات الجادة، والأحاديث المفتقة للذهن، مدرجًا لمزيد بحث حتى تكتمل لديه مادة مناسبة للنشر.
بناء على ذلك سوف أكتب ما أظن أنه من عوامل نجاح كتب السير ورواجها وخلودها، وهو اجتهاد بحكم شيء من الخبرة، ومن المهم التنبيه إلى أنه قد لا يكفي عامل واحد لنجاح مشروع السيرة، وفي الغالب يتظافر أكثر من عامل وسبب لبلوغ هذه النتيجة المرتجاة، وكذلك فالأمثلة ليست حصرية، وقطعًا يوجد غيرها الكثير، وقد اقتصرت على السير السعودية، ويوجد أمثلة عربية وعالمية لم أتوقف عندها. بعض هذه العوامل تختص بصاحب السيرة، وبعضها بنوع المحتوى، أو طريقة العرض، أو زمانه.
شخصية صاحب السيرة:
عامل أساسي في دفع السيرة للأعلى، بيد أنه قد يهبط بها للأدنى إذا كان النص دون المأمول. يحب القراء كثيرًا- ولا يلامون- سير الزعماء والساسة والوزراء وكبار الموظفين، وسير الأثرياء والوجهاء والعلماء والمهنيين، وسير الشخصيات النابهة أو المؤثرة ولو بتجربة واحدة مثل من يحكي عن تجربته مع مرض السرطان أو سقوط طائرة أو مرافقة والدته في مستشفى سنوات عددًا، أو سير الأسماء القلقة، وأعني بالقلقة هنا تلك الأسماء المختلف حولها اختلافًا جذريًا، أو ذات التحولات يمنة ويسرة.
أود التأكيد الجازم على أن غياب هذه السمة لدى الإنسان لا يعني وأد مشروع سيرته، وما سيأتي يثبت هذا الرأي.
عنوان السيرة:
العنوان عامل جذب لأي عمل كتابي مهما صغر؛ ولذا يخصص للحديث عنه زمن في أي برنامج تدريبي على الكتابة، ولأهميته قد يتأخر صدور العمل بسبب الحيرة أو الخلاف في انتقاء العنوان. ومما يشار إليه في العنوان أن كثرة استخدام بعض العناوين قد جعلها تالفة غير صالحة للاستخدام، وما أجمل التجديد والإبداع دون إغراب كما يصنع بعضهم باختيار عناوين طاردة أو منفرة، ومن شاء أن يختار عنوانًا فيه فرادة وجاذبية فله أن ينظر في معجم السير الذي أصدره الشيخ الحمد، كي يتحاشى التكرار، وربما ينقدح في ذهنه عنوان جديد.
بركة الزمان والمكان:
عندما يكون صاحب السيرة طويل عمر نوعًا ما، وتكشف سيرته جانبًا من الزمن القديم، وتصف الأماكن، والمساجد، والمدارس، والأسواق، والشوارع، والناس، والعوائد، والأحوال، فسوف تكتسب من الشعبية والإقبال ما يلفت النظر، مثلما جرى مع سيرة عزيز ضياء، وإبراهيم الحسون، ومحمد حسين زيدان، ومثلما تقاطر القراء على سيرة الشيخ جميل الحجيلان التي تحمل أكثر من عامل نجاح، منها أن كاتبها عاصر سبعة ملوك وعمل معهم. ومن الكمال في السيرة أن تجعل قارئها يعاين مكانًا غير موجود، أو يفهم زمنًا مضت عليه عقود.
المجتمع خير رافعة:
هذا جزء مما مضى، ولأهميته جعلته تحت عنوان خاص، فالكاتب الذي يروي للقارئ المجتمع قبل سبعين سنة ونحوها، يكون مثل صياد ماهر ألقى سنارته بطُعم مثله لا يرد، ومثله لو وصف الكاتب مجتمع العقيلات، أو الزبير، أو المبتعثين، أو العمال؛ ذلك أن القراء الشباب لا يعلمون شيئًا عن الماضي إلّا من بعض سماع ووثائقيات، ولذا تزيد حماستهم للقراءة عن الأوضاع السالفة بما فيها من عوائد ولهجات وأحوال، مثلما صنع زيدان بذكرى العهود، والجاسر في سوانحه، والعبودي حين روى يومياته، والقشعمي عند بداياته، والحميد مع سنواته، والحجيلان بسيرته، وكما سطرته سارة الخزيم عن أمها شيخة.
كثرة القصص:
قارئ السيرة غالبًا لا يبحث عن علم ولا عن فكر ولا حتى عن لغة أدبية باذخة -مع أهمية الحد الأدنى منها أحيانًا-. هو يبحث عن ذكريات وحكايات وقصص وأحداث، ويهفو مزاجه إلى الدهشة والفجأة والعجب والضحك والبكاء. هذه القصص كثيرة في سير لها شعبية وذيوع مثل سير الحسون وضياء والخريجي والسعدون وغيرهم.
فإذا كتبت سيرتك أو سيرة غيرك فاحرص على البعد عن توالي الكلام المرسل؛ ذلك أن القارئ سيهرب من أول مخرج، وإن لم يجد منفذًا فسوف يقفز! ومن عاجل البشرى للقراء أني أراجع هذه الأيام نسخة غير منشورة من عدة سير سعودية وافرة القصص والحكايا بسرد ماتع، وعسى أن يطرب لها جمهورها قريبًا!
ظهور الإنسان:
يخطئ كتّاب السير حينما يجنح الواحد منهم للكتابة ومعه عباءة المسؤول أو عصاه أو أموال الثري ووجاهة السري وطيلسان العلم! نعم هي مهمة لكن دع قارئك يرى منك الإنسان بمشاعره وأحاسيسه، وضعفه وهفوته، وحبه وكرهه، وعجلته وندمه، وفرحه وحزنه، وحكمته ونقيضها، ولا تجعل سيرتك تعميمًا أو نصًا جامدًا خاليًا من الحياة.
ومع ذلك؛ فمن الحسن بل من غاية الحُسن مراعاة عراقة الأسرة، ومستقبل الأولاد، وقد استشارني مرة شخص وجيه حول ذكر قصة تتعلّق بطفولته ورضاعه من حليب أتان -أنثى الحمار أجلكم الله- وهي رواية لها توابع مضحكة جدًا، بيد أني نصحته بإغفال ذكرها؛ لأن بعض المردة المستظرفين قد يؤذون بها ذريته، مع أنها في أصلها واقعة عادية جدًا.
الجرأة الحميدة:
ليست اعترافات ماجنة و فضائح خادشة، وإنما فيها شيء من الجرأة. هذه الجرأة مطلوبة من كل من يكتب سيرة كي يكشف فيها جانبًا غير معلن ويعلمه جلّ القراء عنه لأول مرة من حروفه. كانت سيرة القصيبي جريئة في عالم الوزراء، وتبعها في الجرأة سيرة الوزراء الجزائري والمانع وخوجة، ولو بذكر موقف جرئ واحد. من السير الاجتماعية والفكرية الجريئة سيرة الحسون، وسيرة اللباد، وسيرة العوامي، ومن السير التي وصفت بالجرأة قبل أن تخون الذاكرة لعبدالرحمن عايل ولم يتيسر لي الاطلاع عليها حتى الآن. وفي بعض السير تصريحات جريئة مثلما كتب د.الشبيلي في سيرته عن أشياء تخصه أو ترتبط بالتلفزيون ووقائعه المهمة، وهي شهادة تخالف بعض المرويات المشوهة السائدة.
السيرة ابنة الصراع:
ظهور صراع صاحب السيرة مع شيء من كبد الحياة وكدرها ونكدها سوف يجعل القارئ مشدودًا إليها غير منفك عنها حتى يقضي منها الوطر، ويعرف كيف آل الأمر بصاحبها مع الصراع الذي عاشه. هذا الصراع قد يكون مع المرض أو الفقر أو غير ذلك. سيرة الوزير فهاد المعتاد الحمد مثال على هذا الصراع، وكذلك سيرة الشيخ أ.د.محمد الأحمد الصالح.
سرد من ذهب:
يفتح الله على كاتب السيرة؛ فينظم خيوطها، ويرتب حباتها، ويسلسل نظمها، فتحتوي على فكرة محورية تبقى مع القارئ، أو يحول بها التجربة إلى معاني نبيلة، أو يجعل الحدث مرئيًا لا محكيًا فقط. ويتجرأ بعضهم على الحذف فالحذف شجاعة محمودة أحيانًا، ولا يستنكف بعض الرواة عن بيان التحولات في موقف أو فكر، ولا يترفع عن ذكر الأخطاء ونسبتها للنفس، والحديث عن الإخفاق، وما يختلج في النفس من حزن وأسى. للسرد روح ووهج وبظهورهما تزدان السيرة وتحيا.
الثناء المميز:
قد تحظى السيرة بثناء مستحق يرتقي بها للأعلى خاصة إذا شاع خبر هذا الثناء، وهو ليس ثناء عابرًا بحكم مكانة من صدر عنه. من ذلك حينما أثنى الملك سلمان -حفظه الله- على سيرة الخريجي “ما لم تقله الوظيفة”، وثناء مقامه الكريم تزكية نفيسة جدًا. وكذلك تفاعل الوزير الخويطر مع سيرة اللواء السعدون “عشت سعيدًا…” حتى ألّف عنها كتابًا ولم يكتف بمقال مهما طال فهو قصير. من الثناء تواتر الكتابة أو الحديث عن السيرة مثلما حصل مع سيرة د.عبدالرحمن الشبيلي التي كتب عنها في محياه وبعد مماته ما يمكن جمعه في كتاب.
التسويق البارع:
يعمد بعض كتّاب السير إلى إشهار خبرها أو طرف منه قبيل النشر لبذر الاستعداد لها، وبعد نشرها يهدي لكتّاب ومشاهير نسخًا منها فمقولهم عنها إعلان مجاني خاصة إذا كان صاحب السيرة ممن يرتجى خيره أو يخشى شره! وقد تدفع الأثمان من أجل الإشادة والإشارة، هذا غير جهود الناشر في العرض والترويج للسيرة بناء على عامل جذب فيها واحد أو أكثر.
التلقائية والصدق:
إذا شعر القارئ بتكلّف الكاتب أو محرره فسوف يلقي بالسيرة بالقدر الذي يجيد فيه الرمي! وأشنع من التكلّف الكذب أو البهتان أو شهادة الزور، ويكفي من سوء قراءة هذه الكلمات. ومما أذكره أن بعض السير تعرضت لتكذيب ممن عاشر أبطالها، ومما وقع لي أن استشارني فضلاء في سيرة رجل ثري جدًا، وهو الفحل الذي لا يطرق أنفه في التجارة والمراجل وكل علم غانم ،بيد أنه لا يحسن كتابة ولا حديثًا، وابتلي بمحرر متقعر جدًا، فنصحتهم بتخفيف لهجة الكتاب حتى تكون أكثر قبولًا ومناسبة مع شخصية الرجل؛ فأفضل لغة للسيرة هي التي تجعل القارئ ينسى أنه يقرأ!
عوامل مهمة:
منها على سبيل التعداد الموجز:
- زمن النشر؛ فإذا طغى أمر عام يشغل الناس فمن الحصافة تأخير النشر.
- الصور والوثائق، ووجودها مهم شريطة التوازن، وأن يكون لما أدرج منها ما يسوغه وليس استكثارًا أو استعراضًا.
- سماع صوت الآخرين في السيرة ورؤية آثارهم على ألّا يسيطروا على السيرة ويطردوا بطلها الأول.
- التفنن في كتابة المقدمة فهي مما يمسك بتلابيب القارئ ويبقيه، والإجادة في خاتمة متينة تثبت السيرة في ذهن قارئها.
- وجود تفاصيل صغيرة تجعل صاحب السيرة كأنه يتحدث مع القارئ في خلوة أو جلسة سمر محفوفة. مثل أول وظيفة، أول راتب، أول سفر،…
- الحديث عن دفء العائلة والأسرة، ومع أن بعض كتّاب السير يتجاوز هذا الباب بحجة أنه لا يعني الآخرين بشيء، إلّا أن حضوره ولو بإيجاز له حرارة تسري بين مفاصل النص.
البعد عن هذه المزالق:
ثمة مزالق إذا وفق الله كاتب السيرة لتجنبها أو تجنب تكرارها فسوف ينجو كتابه من العثرات وما يشين النص. منها: الإفراط في الحجم، تصفية الحسابات، والتعرض بسوء للراحلين أو الرموز، والادعاء بلا بينة، وإطراء الذات، والحشو، والوعظ الزائد، والكذب، والألفاظ السيئة. وإذا أخطأ – لا قدّر الله- ووقع في واحد منها أو أكثر، فعلى الغالب لن يجد كتابه قبولًا، وربما يسحب من الأسواق. هذه المحترزات لا تعني ترك قول ما يعتقده الإنسان؛ لكن يمكن غمس أطراف الحقيقة أو ما يظنه المرء حقيقة بعسل وصبغه بلطف وكسوته بأدب، وحينها لن يجد النص مقاومة عنيفة.
ولا بد أن أكرر الترغيب بالاختصار؛ فمرة قال لي صديق: إن فلانًا من الناس -وهو شخصية محبوبة مشهورة وسيرة مثله منتظرة- سيكتب سيرته في بضعة مجلدات فما رأيك! أجبته: سلّم عليه وبالغ في التحية، وأخبره أنها غالبًا لن تقرأ، ولا مناص من اختصار غير مخل.

هذه ملامح عامة، قد تفيد في إنتاج سيرة حريّة بأن تقرأ، جديرة ألّا تدفن في المكتبات بين الكتب؛ لأنها سيرة سلمت من العيوب الجوهرية، وغدت في عافية تقاوم بها أمراض الهرم والنسيان. ومن الضرورة التأكيد على أنه من الصعب توافر جميع هذه العوامل في سيرة واحدة، بيد أن وجود عدد منها معًا أمر غير عسير، والموفق من هداه الله لكتابة تبقى له الأثر المحمود، والأحدوثة الحسنة، وتصنع له طريقًا نحو الحسنات، وتجعل له لسان صدق في الآخرين. إن السيرة الناجحة ليست التي تطيل الحديث عن صاحبها، وإنما التي يخرج القارئ منها أكثر خبرة بالحياة، وأعمق فهمًا للناس، وأشد رغبة في العمل الصالح، فإذا أغلق الكتاب بقيت التجربة حية في النفس، وبهذا تكون السيرة قد أدّت رسالتها، واستحقت أن تُقرأ، وتذكر، ويرجع إليها، لا أن تُدفن بين الرفوف.
الرياض- ليلة الخميس 09 من شهرِ صفر عام 1448
23 من شهر يوليو عام 2026م