إدارة وتربية سير وأعلام

بندر الخريف: عندما يغادر المسؤول… ويبقى الأثر!

بدون سابق إعداد، ولا كبير استعداد، توافد موظفو وزارة الصناعة والثروة المعدنية صبيحة يوم الأحد الماضي لوداع وزيرهم الأول لهذه الوزارة بمسماها الحالي، بعد أن صدر عصر يوم السبت أمر ملكي بتعيينه وزير دولة ومحافظًا للهيئة العامة للصناعات العسكرية، وحلّ بدلًا عنه وزيرًا أصيلًا الأمير عبدالعزيز بن سلمان الذي أصبح رابع وزير يتولى بالأصالة وزارتين، وقد أحيا هذا الأمر مقالًا قديمًا كتبته عن ثلاثة وزراء سابقين انفردوا بهذه المزية، ولم يحظ المقال حينها بنصيب وافر من التداول كما وقع له بعد صدور الأمر السالف ذكره. لقد كان حال وزارة الصناعة والثروة المعدنية كمن كسفت شمسهم يوم السبت فحزنوا، وهلّ هلال عيدهم يوم الأحد ففرحوا، واجتماع الفرح والحزن عند حدث واحد ليس بدعًا من الأمر.

لكن لماذا تجمع الموظفون لوداع وزيرهم السابق، وتوالت كلمات منهم صادقة في الثناء، وتساقطت دموع من محاجرها لم يستطع الوقار ولا حذار الحرج منعها؟! هي ليست دموع حزن وإنما مدامع وفاء سالت تعبيرًا عما تكنه القلوب والعقول. لماذا أصبحت الصورة كذلك والوزير الجديد يجمع عددًا من المزايا الشخصية والعملية والإدارية والنسبية توجب البهجة بأن يكون مثله المسؤول الجديد عن العمل؟ ولماذا لم ينتظر الموظفون الذين استثمروا حرارة “انفعال الحدث”، فأقاموا ذلكم الوداع اللافت بما فيه من أكثر من صورة تحكي؟

سأجيبكم اجتهادًا بما كنت أسمعه عن الوزير بندر بن إبراهيم الخريف ممن عرفوه ولي بهم علاقة، أو ممن عملوا في الوزارة معه، أو من مرويات ومتابعات بحكم الاهتمام، ولا يخلو أحد من معارض أو ناقد. من ذلك أن الخريف امتاز بانضباط إداري كبير، هذا الانضباط يعلّم الآخرين بقوة ناعمة وقدوة ناطقة دون أن يجبرهم بقوة خشنة ما لم يستلزم الواقع ذلك. هذا الانضباط يقضي على التراخي، ويزيد من قيمة العطاء، ومن الإنتاج كمًا وكيفًا، ويخلّف فريقًا مؤهلًا وذوي قدرة وتأهيل كي يعقبوا أي راحل مهما علا منصبه. من جملة هذا الانضباط كان سعيه الحثيث لتنظيم العمل في وزارته تشريعًا وتطبيقًا، والإفادة من التقنية والرقمنة والذكاء الاصطناعي بما يخفف العبء، ويجود المخرج، ويزيد في العائد.

كذلك أيقن القريبون منه بما وهبه الله من رسوخ الفهم في الإدارة المالية، وبالتالي فهو ليس وزيرًا ذا اختصاص صناعي واقتصادي فقط، وإنما صاحب مشاركات ورأي في مسائل مالية دقيقة، ذلك أنه مارس هذا العمل عن قرب في أعمال أسرته وشركاتها الصناعية، والتحق ببعض الدورات المتقدمة في هذا المجال المهم وما يتعلّق به من استثمار وأعمال، إضافة إلى القيادة، ونقل هذه المعارف إلى واقع تطبيقاته، وأفاد منها في منهج عمله وإدارته القيادية، فكان في جانب منها إعلاء شأن ما صنع في السعودية، والاجتهاد في استقطاب رؤوس الأموال الأجنبية، فالخير في بلادنا كثير، ومن التوفيق صناعة الفرص الناجحة في الصناعة والتعدين وما يحتف بهما.

كما بُهر الموظفون والمراقبون بالقدرة الفائقة المتزنة لوزيرهم على الظهور الإعلامي الأجنبي والمحلي، وهو ظهور من يعلم، ومن يعرف كيف يتحدث ويقنع من أمامه. هو ظهور يعلي من شأن البلد وقطاعاته الصناعية والاستثمارية وأهل الصنعة وموزها، فالرائد لا يكذب أهله. هو فوق ذلك حضور إعلامي غير مسرف زاد عن الحاجة، وغير مجحف بكثرة الامتناع والاحتجاب، وقد تنوع ما بين مؤتمرات وحوارات ووسائل إعلام. حقًا إن الظهور الملتزم بالعلم والمهنية وحسن المنطق تفكيرًا ومقولًا لا يقصم الظهور، وتكون ثماره مباركة، وآثاره حسنة، ويشدّ الأزر شدًا محكمًا متينًا؛ لأن الظهور غاية لا وسيلة، ولا يجدي مع هذه الغاية النبيلة الاستعراض اللفظي والحجاجي، وإنما يرتقي بها التأني وإصابة الهدف لإيصال الرسائل الذكية النافعة.

أما على الصعيد “الفطري” والاجتماعي للوزير الخريف، فمما شهد به موظفوه أنه حاضر في كل حال يستدعي حضوره مع موظفيه، للتهنئة، والشكر، والمساندة، والمواساة، والتعزية، والتأهيل، والتشجيع، وهذه “المعنويات” أحبّ عند جلّ الناس وأولى من العطاء المادي. هذه المعنويات لم تقتصر لدى الخريف على المخاطبة أو المكاتبة، وإنما بادر فحضر بنفسه المناسبات قدر وسعه مع ازدحام جدوله، وكثرة مواعيده، ولم يخصّ بهذا التعامل كبير قدر دون ما سواه، وانعكس صنيعه على إدارة ذكية في الوزارة، ترشد الموظفين نهاية كل أسبوع لما يبهجهم وأهل بيوتهم في يومي الإجازة، ويمنحهم جرعات نشاط في أسبوعهم الآتي. إن شعور الناس بفطرية المسؤول والوجيه والثري يجعل له في القلوب ودًا، ويلقي له في النفوس محبة، وإن رؤية “الإنسان” في إهاب ذي المنصب تمنحه من الهيبة والفخامة والمكانة أعظم مما قد تجلبه غيبة هذه الصورة.

ومما اشتهر به الوزير خارج نطاق وزارته، بره الكبير بوالديه خاصة حين بلغا الكبر، وجميل تعاونه مع إخوانه وأفراد أسرته، وأخذه الكتاب بقوة منذ بواكير شبابه، والتزامه بالجدية التي جعلته فتى الكهول وهو في شبابه الغض، فكيف به عقب ذلك؟ فما أعظم بركة التهيئة البيتية والأسرية، وما أقوى ثباتها وتأثيرها على الحاضر والمستقبل! زاد الله وزيرنا المنصرف عن وزارته لا عن رسالته توفيقًا وتمكينًا، ونفع به أينما حلّ إن في شؤون التسليح أو في غيرها، وأفاض البركة عليه وعلى خلفه ذي الهمة والطاقة والروح المتفائلة، وعلى زملائهم ومن كان في عيارهم وسواهم، حتى تنعم البلاد بالخيرات والبركات، وما ذلك على الله بعزيز، فهو الذي امتن علينا وجعل في بلادنا رجال دولة كبار، يخدمون ويجتهدون، ويصنعون القدوة والأثر لمن يأتي بعدهم.

ahmalassaf@

الرياض- الأحد 05 من شهرِ صفر عام 1448

19 من شهر يوليو عام 2026م

Please follow and like us:

2 Comments

  1. والله لقد أنصفت الرجل، وأنه يستحق ماذكرت، نسال الله له التوفيق والسداد والاعانة والإخلاص

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.