إدارة وتربية مواسم ومجتمع

زبدة المونديال!

لا أشاهد مباريات كأس العالم، ولا غيرها، فالوقت لا يكفي لها، بيد أني أستمع لبعض المناقشات عنها ممن حولي، وربما أشاهد بعض الملخصات المهمة. هذه المتابعة اليسيرة فتحت لي نافذة كتابية تأملية مستثمرًا الكرة، والملعب، والشباك، وحماسة اللاعبين، وطريقة الحكام، وأثر الجمهور، وغيرها. ومن الطريف أن بعض القراء تعجبوا -وحقّ لهم- من كتابتي لمقالات رياضية، ولعل استغرابهم قد زال بعدما طالعوها.

بناء على ذلك، أعرض للقارئ العزيز بعض الأفكار التي نتجت عما سلف من متابعة وتأمل على طريقتي، وترتيبها لا يعني الأهمية:

  1. ما أعظم مهمة الحارس، وما أكثر ما يتعرض له من هجوم وضغط مادي ومعنوي، ولذا فما أكبر حقوق حراس الثغور علينا، أولئك الشجعان الذين يحرسون الأديان والأوطان والفضائل والأموال والحقوق، وقد ينالهم الأذى بسبب تصديهم لعتاة ومفسدين، وكم من حارس برزت مآثره لكن بعد رحيله! ولهذا كان “رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا”.
  2. كم للقوائم من فوائد تمنع من الاختراق، فهي مثل الحدود حول الحمى، ومثل سدّ الذرائع التي بكسرها تنكشف جبهات وساحات، فحافظوا يا قوم على الحمى بتقوية حدوده وتوضيحها، واجتهدوا لمنع اختراق الذرائع تحت أي ذريعة.
  3. لا تجعل لعدو أو خصم أي فرصة تعينه على أن يتجول في أماكنك بحرية وسيطرة، ذلك أن دخولهم لمسرحك مؤذن بالخطر العاجل أو الآجل، وخير سبيل لطردهم أن تداهم مواقعهم، وأن تحصّن مواقعك.
  4. الشعور بالمسؤولية، والاعتزاز بالانتماء، والارتباط مع المعنى أكثر من المادة، يزيد من الروح القتالية حتى لو كان اللاعبون أقل عدة وعتادًا وتدريبًا وخبرة ومهارة من غيرهم، وحتى لو كان المقابل فريقًا قويًا صاخبًا.
  5. الاتهام بالتحيز، والظلم، ومحاباة الكبار، ونسج سردية محكمة لإثبات هذه التهم، سلوك بشري في كل شأن تقريبًا، والعاقل لا يأخذ من طرف دون طرف. علمًا أنه من مزايا الملاعب المفقودة في غيرها أنها ميدان مفتوح للناظرين، وزادته تقنية “الفار” انكشافًا ووضوحًا! طبعًا هذا لا ينفي وقوع الظلم والعنصرية والخطأ، ولا يعني البحث عن رضا الجمهور؛ فالحق أحقّ أن يتبع.
  6. التفاؤل يدفع اللاعب للبحث عن هدف ولو في آخر رمق من المباراة، وقد تصبح اللحظات الأخيرة حاسمة تقلب نتيجة ساعات مضت؛ فلا تيأس وحاول ثم حاول، فما يسمى بالوقت الضائع قد يغدو للمجد أقوى صانع.
  7. ما أكمل أن يتعاون المجموع من أجل الفرد، وألّا يستنكف الفرد عن خدمة المجموع، يظهر ذلك في توافق لاعبي منتخب الأرجنتين بغية ارتفاع عدد الأهداف التي يسجلها “ميسي”، وهو بدوره لا يفتأ عن صنع الفرص لزملائه منتصرًا على حب الذات.
  8. قد يهدم خطأ فرد واحد أو إهماله جهد فريق كامل، فاحذر أن تكون المنطقة الهشة التي ينفذ منها المخالفون لما تحبه فيكبدونه من الخسائر ما تكره!
  9. غياب الروح الجماعية والعمل المشترك جعل بعض المنتخبات قوية في أفرادها وغنية بالمواهب بيد أنها في مجموعها دون مستوى غيرها بسبب فقدان التكامل، وحسن التدبير.
  10. ضبط الأعصاب والهدوء من جسور العبور للفوز كما تثبته ركلات الترجيح التي لا تكفي فيها المهارة فقط.
  11. أقوى فريق هو الذي يكون لديه صف ثان مؤهل جاهز للحلول مكان الصف الأول متى طلب لهذه المهمة، وهذه الخصيصة جلية في المنتخب الفرنسي الذي يُجلِس على كراسي الاحتياط لاعبين مهرة لا يقلون نجومية عمن يجوب البساط الأخضر.
  12. حتى مع أهمية التاريخ والخبرة التي أنقذت منتخبات عالمية عريقة، إلّا أن أداء منتخبي النرويج والرأس الأخضر يشير إلى أن احتمالية بروز أسماء جديدة لا يحول دون صعودها شيء، فالهمة هي الطريق نحو القمة، و “عَلَى قَدْرِ أَهْلِ الْعَزْمِ تَأْتِي الْعَزَائِمُ”.
  13. حين يتابع الجمهور دقائق شوطي المباراة قد يغفلون عن مئات الساعات التدريبية التي سبقتها؛ فالإعداد المحكم من أسباب النجاح والفوز.
  14. القائد الحصيف البارع يعرف كيف يستخدم رجاله، ومتى يستبدلهم أو يغيّر مواقعهم، ولا يجامل على حساب المصلحة أي أحد.
  15. المدرب الذي يتعمق في قراءة الطرف المقابل يكاد أن يعرف حركاته وسكناته وكيفية تدبيره لأموره، وبالتالي يستطيع إبطال مفعول قوته، وإحباط مشروعاته، ومباغتته من حيث لا يحتسب.
  16. ما أبهى وحدة الشعور العربي حينما ساند العرب منتخباتهم كافة، ثم اصطفوا خلف منتخبي مصر والمغرب اللذين غيّرا شيئًا من خريطة الكبار في عالم الكرة.
  17. حالات التأثر بعد نتيجة المباراة لافتة خاصة ما يقود منها إلى وفاة أو إغماء، والله يجعل المحيا والممات لله رب العالمين، ويصون الأعمار من الفناء فيما لا طائل منه.
  18. مساندة الجماهير لمنتخباتها بالحضور والأهازيج والتشجيع حتى عقب الهزيمة ظاهرة تستحق الدراسة، ومثلها لبس بعض الجمهور أزياء وطنية غريبة أحيانًا، ومنها أزياء قتالية من مواطني دول ذات شعارات حقوقية براقة.
  19. ما يشاع عن رهانات خلف الأبواب، وتنسيقات وتهديدات، إن صحت فهي مخيفة، وتفقد الثقة بمجالات تبدو على أنها للمتعة والفرجة والترفيه فقط بعيدًا عن دهاليز المال والساسة.
  20. تعجبت من الاحتضان الطويل الذي حظي به حارس النرويج من زوجه وأطفاله بعد خسارة منتخب بلاده أمام الإنجليز، فما أدفأ العائلة والأسرة وأصدق حنانها، وهذا المشهد الفطري يؤكد على قيمة هذه المؤسسة المجتمعية العظيمة، وحتمية التمسك بها وتقويتها، وينبه لواجب الزوجين تجاه بعضهما، وواجب الأولاد نحو آبائهم.
  21. الحضور الحاسم لأكثر من لاعب ملون في منتخبات البيض فيه إشارة مركزية نحو التغير السكاني في الدول الغربية، وأن تأثير المهاجرين شمل الرياضة والسياسة والاقتصاد والفن.
  22. يمكن لأي منتخب بتدبير عملي صارم بعيد عن المجاملة أو الانشغال بموضوعات خارج تخصصه أن يعدّ طاقمًا من المحترفين يفاجأ به العالم الرياضي بعد أربع سنوات أو أضعافها، ومن جدّ وجد، وللاهتمام عبقرية وتميز يظفر بهما من يهتم فقط.
  23. حين يحسن المعلّق وصف المباراة يمنحها حياة إضافية، وبإمكان الموفق منهم أن يدرج ضمن تعليقاته عبارات وجمل ترشد السامعين وتفتح الذهن وتزيد البيان.
  24. أقيم هذا المونديال في ثلاث دول هي: أمريكا، وكندا، والمكسيك، وزاد عدد المنتخبات في الجولة الأولى من اثنين وثلاثين إلى ثمانية وأربعين منتخبًا، وفي هذا درس على إمكانية التوسع، ومعالجة التغيرات الطارئة بناء عليه، وتوزيع العمل منعًا لأي ضغوط محتملة.
  25. من أراد التخلص من أسر متابعة المباريات كاملة، كي يحفظ وقته من الشتات، وأعصابه من التعب، فعليه بالملخصات؛ لأنها تكتفي بالأهم، وتقتنص الأمتع، وتتوافق مع عصرنا ذي السرعة والإيجاز.

هذه المعاني ليست حكرًا على كرة القدم، ولذلك فإن متابعة الأحداث بعين المتأمل خير من متابعتها بعين المتفرج. وهذه الملاحظات من غير رياضي، وغير معني كثيرًا بالمباريات، وأزعم أنها زبدة مفيدة للحياة وشؤونها إن في الرياضة أو في حقول أخرى حياتية وعملية وعلمية. إن الانطلاق من الرياضة المحببة للأجيال ربما يعجل بوصول المعاني التربوية السامية المبثوثة في تضاعيفها، ويعين على تداولها بين فئات من المشجعين، عسى أن يكون الفتيان والشباب من الذخر المرتجى، والعدة المأمولة، لبلادهم ومجتمعاتهم وأسرهم، فالرياضة قوة وصحة، والرياضة ثقافة وصناعة، والرياضة مسؤولية ووعي.

ahmalassaf@

الرياض- الأحد 27 من شهرِ الله المحرم عام 1448

12 من شهر يوليو عام 2026م

Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.