مرة بعد أن انتصف الليل، وردتني رسالة من الصديق طارق السلمان، وعلى إثرها سهرنا متحاورين عن الكتابة، وكان ما كان مما حفظته في وقته ونشرته مما دار بين أبي فارس وبيني. وبعد فجر اليوم وردتني رسالة هي الثانية من نوعها الواردة من مرسلها، وموضوعها عن الكتابة، من الصديق علي الغواص، وفيها حوار عن الكتابة، خاصة أن لديه فكرة للتأليف عن صنعته التي يجيدها، وهي صنعة محببة، فيها عراقة وجمال وخصوصية، ولا غرو لأنها حرفة صناعة المشالح والبشوت والعباءات الرجالية.

فلدى علي بن مهدي الغواص شغف متوارث في حرفته الرائعة، زاده التعليم والإتقان تمكنًا وبروزًا؛ ولذا عين نائبًا لشيخ تجار المشالح، وحصل على الاعتماد الرسمي من المعهد الملكي للفنون التقليدية للتدريب على البشت الحساوي، وهو أول من نال هذا الاعتماد. وقد مثل المملكة في مشاركات محلية وإقليمية ودولية، وفي معارض شهيرة، وصمم عدة بشوت من أشهرها بشت لاعب الكرة العالمي “رونالدو”. وقد قدّم برامج تدريبية نظرية وعملية، ويسعى حاليًا لتوثيق تجربته كتابيًا، ولأجله كانت حواراته معي عن الكتابة والتأليف.

أول حوار كان عامًا عن رغبته الجادة في التأليف، فوجد مني التشجيع والتأييد، والحث على تخصيص وقت لهذه المهمة الواجبة ولو ساعة من نهار أو ليل، مع الالتزام به وحمايته من أي شاغل أو صارف، وإن أمكن تكرار الساعة في عدة أيام فهو أفضل، مع ضرورة وضع صورة أولية للمحتوى قابلة للتعديل المستقبلي حسب المتوافر من المادة. ثمّ يشرع في جمع المادة من مظانها، أو استحضارها من الذاكرة، وبعد الجمع والفرز وبناء هيكل نهائي للمؤلف، يكمل مكوناته الموجود منها أو المفقود، ثمّ يبدأ في الكتابة ولا يراجع، وبعد الفراغ يدلف إلى مرحلة المراجعة الذاتية أو من قبل آخرين، وهذه صورة عامة لها تفاصيلها التي أشرت لها في أول حديث حول الكتابة مع أبي مهدي.
من الموافقات أنه ليس بين صناعة المشلح والبشت، وبين صناعة الكتابة والنص، من الفروق بقدر ما بينهما من أوجه الشبه؛ فكلتاهما تبدأ بفكرة ذهنية، ثم نجمع لها مادة خام من عدة مصادر، ونحرص على ترتيب هذه المواد بعد فرزها وفحصها، وبعد بناء صورة ذهنية ننقلها عبر اليد إلى الواقع، وهي عملية مرهقة تستوجب الصبر، والمراجعة، والإتقان، والدربة المستمرة، حتى يخرج العمل في صورته البهية الجذابة التي يشاهدها الناس، وهم -ربما- لا يعلمون كم من الجهد والوقت والتصحيح قد سبق ظهوره الأخير!
وبعد فجر اليوم، أرسل لي علي الغواص، عدة أسئلة سعدت بها؛ لأنها تدل على بداية ومعاناة وتجربة، ومن بدأ فسوف يبلغ الغاية بحول الله. أول استفسار بادرني به قبل شروق الشمس كان عن إرجاع الهمة للكتابة، فقد يندفع المرء في هذه الحرفة، ثم يتوقف فجأة ولا يجد في نفسه القدرة على المضي بين الحروف والكلمات حتى يختفي ولعه بالكتابة! فكان جوابي له ما خلاصته أن هذا التوقف أمر طبيعي يتكرر مع كل ذي مهنة وحرفة، فللنفوس إقبال وإدبار، فحتى الخيوط في صنعة المشالح قد تتعقد وتعيق إكمال العمل، فيفكها الحرفي الماهر بهدوء لا عنف فيه، والحبر مثل الخيط لا بدّ في التعاطي معه من صبر وطول بال.
كما أردفت له: إذا أقبلت نفسك فاكتب حتى تتعب وتجد ألّا مناص لك عن التوقف، وإذا أدبرت فحاول أن تكتب ولو لمدة قصيرة إن استطعت كي لا تنقطع البتة، وتبقي حبل الصلة مع الكتابة ممدودًا. ولمعالجة هذه الحال من فتور القريحة التي تسمى “حبسة الكتابة” ينصح الكاتب بأن يقطع عمله الكتابي بمشي، أو حديث، أو سماع، أو سباحة، أو استرخاء، أو تناول طعام أو شراب، ثم يحاول الاستئناف والمعاودة. ويمكن إغراء النفس بمكافأة تحبها إن هي تحاملت وعملت ولو دون الوقت المعتاد.
ومن الأفكار مسايسة النفس مثلما يصنع المربي الحصيف مع طفله، أو كما يفعل المرء الوفي مع صاحب كثير الصدود والممانعة! إن سياسة النفس مفيدة، كأن تقول لها: سأكتب صفحة واحدة فقط، أو لمدة نصف ساعة ثم أتوقف! ومن صمد وصبر فقد يجد أنه كتب بضع صفحات، أو أمضى في العمل ساعات متواصلة دون انقطاع. إن فن المسايسة والمسايرة من أجل ترويض الصدود، وتخفيف الجفاء، فن يحتاجه الكاتب وغير الكاتب.
المشاركات المحلية و الدولية الحرفي علي غواص�
ثمّ سأل الغواص الماهر بحرفته: هل كل وقت يعد مناسبًا للكتابة؟ أو لابد من تهيئة مكان وحال من أجل الكتابة؟ ولأنني من حيث المبدأ ضد تقييد النفس وقتل المهارة بطقوس وعادات مسيطرة، أجبته أن الأصل مناسبة أي وقت للكتابة. وهذا العموم وضحته بقولي: الأفضل أن يتحرر الكاتب من طقوس الزمان والمكان والحال، وهذا يعني أنه قادر على أن يكتب في أي وقت، في أي مكان، مهما كان مزاجه. فإذا ابتلي الكاتب بطقس يعينه على الكتابة، ولا مفر من إيجاده، مثلما هو الحال لدى بعض الكتّاب، فعليه أن يجهز هذا الأمر كي يكتب ولا يتأخر، على أن يبحث عن سبيل للفكاك من سجن الطقوس، ويحاول نيل الحرية من أسر هذه اللوازم الوهمية مستقبلًا؛ كي يتمكن من العمل والكتابة ولو كان فوق طعس! والطعس هو الكثيب الرملي المرتفع، والجلوس فوقه مع صحبة رائعة، في ليلة مقمرة، وأجواء بديعة، من الطيبات في الحياة الدنيا، ومن أكبر الملهيات عن الكتابة فما دونها!
عقب ذلك قال أبو مهدي مواصلًا حواره المنعش وكأنه قد تخيل نفسه فوق طعس نجدي ملهم، أو في مزرعة أحسائية بديعة: إذا كان لدي أكثر من فكرة فما هي أفضل طريقة في التعامل معها؟ وجوابي له أن هذا السؤال مهم؛ لأن مستودع الأفكار والمعلومات أساسي جدًا للكاتب والمؤلف. وقد نصحته باتخاذ مفكرة ورقية لكل فكرة أو موضوع، وإضافة أي شيء يرد حولها في المفكرة مباشرة دون انتظار أو إرجاء، فالحبر الشاحب أفضل من أحسن ذاكرة كما يقول الإنجليز. ويمكن الاستعاضة عن الورق بتطبيقات المذكرات المدمجة مع أجهزة الهاتف والأجهزة اللوحية وغيرها أو المتاحة عبر التطبيقات الكبرى، وما أيسر التصنيف عبر هذه التطبيقات، ومع الزمن وتراكم الخبرة سيصبح تعاطيك معها احترافيًا، وستذهلك هذه المخازن بما فيها حتى أن بعض مكوناتها تطلّ برأسها باحثة عن حياة أو ميلاد، ولا يملك الكاتب إلّا الاستجابة الفورية لها، ولا ينبئك مثل خبير!
وقد ختم الحرفي الكبير نقاشه بالسؤال عن الاستعانة بالذكاء الاصطناعي، فأفتيته -ولست مفتيًا- بالجواز بيد أنه جواز مقيّد مشروط حسب اجتهادي، والضابط أن يستفيد الكاتب والمؤلف من الذكاء الاصطناعي على أن يكون الإنسان هو المحرك والمتصرف وليس العكس كما هو حال أقوام كتبوا المقالات ثم الأبحاث فالكتب كاملة بهذه الأدوات! إن الذكاء الاصطناعي نعمة عظيمة حين تخدمنا، وقد تغدو نقمة إذا تسيدت وأقصت أبناء آدم، وربما تورد الكاتب الموارد دون أن يشعر! ألا ما أعظم الفرق بين مشلح يحاك بالأيدي الماهرة وتحوطه عين باصرة، وبين آخر جاء كله عن طريق الآلة والمصنع.
أخيرًا تلطف أبو مهدي وأسعدني برسالة ختامية جاملني فيها وكتب: أعتقد لو أن كل شخص من العامة قرأ هذه الرسائل الأخيرة لصار كاتبًا! وقد أنبأته أن عنوان كل حوار مما مضى سبق لي الكتابة فيه مرة أو أكثر، فالكتابة والتأليف من الموضوعات التي شغلت بها، وهي صنعة تحرك الذهن والنفس والجسد، وتثمر البراعة فيها عن جمال وبهاء تمامًا مثل “مشلح” أنيق ثمين جميل، تشرف عليه يد خبيرة ماهرة، بعد أن أحسن التخطيط له عقل حرفي مبدع متفنن، وهما صنعتان وحرفتان اجتمعتا للغواص الذي قضينا معه هذه الفجرية الجميلة ونحن في بحر الكتابة بلا ملل، وهو بحر من الأنوار واللآلئ والأصداف.
الرياض- ليلة الجمعة 18 من شهرِ الله المحرم عام 1448
03 من شهر يوليو عام 2026م