كنت أقرأ في كتاب حديث الصدور، وفيه نقل مؤلفه د.نواف بن محمد الرشيد كلمة من احد كتب والده الكريم، فتركت كتاب الابن النجيب الأديب، وبحثت عن كتاب الأب الشيخ الأريب، حتى وجدته بين الكتب التي وضعتها في رفوف خاصة، ونويت أن أكتب عنها، لكن الوقت والتزاحم والتسويف قد حال دون ذلك، مع أني قرأت هذا الكتاب في سنة نشره، وكنت كثيرًا ما أذكره للناس، وآخر ذلك لكاتب قانوني واسع الثقافة زارني قبل مدة يسيرة. أجزم أن الابن البار الأنيق ستسره انعطافتي لكتاب والده البحاثة العريق، حتى لو كان من آثار هذه العودة هجران مؤقت لكتابه الجديد المتفنن بعنوان “المخيلة: دراسة في عناوين الكتب الموهمة”.

عنوان الكتاب الأقدم هو: ألقاب الأسر: كتاب فيه فوائد من الأنساب وشوارد من أسباب الألقاب، تأليف: محمد بن عبدالله آل رشيد، صدرت طبعته الأولى عن دار الفتح للدراسات والنشر عام (1434=2013م)، ويقع في (763) صفحة، ويتكون من المقدمة وأحد عشر عنوانًا تخص الألقاب فالخاتمة، ثم الألقاب على أبواب حسب حروف الهجاء، وبعدها ثلاث تتمات وملحق فالمصادر وهي كثيرة جدًا ثمّ المحتويات، والكتاب مطبوع على ورق نباتي جميل. هذا المقال لا يشمل الأبواب التي سأعيد قراءتها من جديد، فما ألذ اللقيا مع غائب محبوب.

إن موضوع الأسماء والألقاب من الموضوعات التي تتداخل فيها علوم كثيرة مثل الأدب واللغة والتاريخ والبلدان والسياسة والدين وغيرها، وبالتالي فالكتابة فيه يحتاج إلى تنقيب بالغ، وبحث عميق، وهو ما تؤكده جريدة المصادر المئوية في آخر الكتاب، ويستبين هذا الجهد في مضمون الكتاب النافع الماتع. وقد جعل المؤلف الشيخ محمد بن عبدالله آل رشيد كتابه قائمًا على شرطين فيما يخص الألقاب المذكورة فيه، هما: أن يكون سبب اللقب معروفًا، وسرى اللقب في عقب صاحبه. ويعود تأليف الكتاب على هذين الشرطين إلى مقترح من الأديب الأستاذ كاظم الفتلاوي، لما عرفه من توافر مادة علمية ثرية لدى المؤلف، الذي لم يكتف بها، وإنما فحص بطون الكتب، وسأل وكاتب، حتى بلغ عدد الألقاب بعد هذا الجهد 1135 لقبًا.
ولم تكن المسألة لدى مؤلفنا العالم مجرد جمع واستقصاء فقط على قيمة هذا العمل وأهميته، وإنما خدم نتائج بحثه بفوائد جمة تخص الألقاب، حتى عرف القارئ أن اللقب لا يرتبط بالضرورة ببلد أو مذهب أو صفة، فربما قيل للشيعي سني، وللجميلة قبيحة، ولساكن بلدة الزيدية بتهامة اليمن الزيدي وهو شافعي سني وليس زيديًا. وقد ينسب المرء لعلم أو كتاب، ومن الطبيعي وقوع الخلط في تفسير اللقب، وفي تعريف أشخاصه، ويأبى الله الكمال لأحد من البشر.

لأجل ذلك جزم المؤلف أنه لا اجتهاد في تفسير النسبة واللقب، وإنما لا بد فيه من الرواية المحققة لمعرفة السبب، وذكر مثالًا لذلك بأسرة الفحام التي يظن السامع أنها منسوبة لإعداد الفحم، والواقع خلاف ذلك إذ كان أحد آبائهم يفحم خصومه! وبعض الألقاب ليست على ظاهرها، فالحذّاء مثلًا لم يمارس هذا العمل البتة، وإنما جالس حذّاء فنسب إليه، والراعي النميري أكثر من وصف الإبل فسمي الراعي، والسكري لحلاوة منطقه، والرواس لضخامة رأسه، وآخر لقب بالحجام لكثرة سفكه الدماء!
أسوق هذه الأمثلة للتأكيد على ما نبّه إليه الشيخ الأديب من ضرورة التحرز قبل تفسير أي لقب، لكثرة سريان الوهم إلى هذا الباب بسبب التشابه مع شيء آخر قد يغري بسهولة النسبة إليه، والحقيقة أبعد ما تكون عن ذلك، والأجدر بالمرء أن يقول عن علم أو برهان أو رواية وإلّا فما أكمل الإمساك وأجمله، فبعض من حمل لقب “اليهودي” نسبوا لسكناهم بدرب اليهود ببغداد، وأحد من حملوا لقب “الأصم” ليس به صمم، وإنما لحقه اللقب تبعًا لموقف نبيل وضع نفسه فيه كي لا تغرق امرأة في بحر من الحرج!
وقد درج المصريون على التسمية بأسماء الشهور، والنسبة للأماكن، واشتهر عند الشوام التلقيب بالمهن والصنائع وهو شأن تزاور عنه هذا الكتاب وفيه مؤلفات عدة ذكرها الشيخ محمد مع غيرها، ولدى الأتراك طريقة في النسبة تضيف في الخاتمة “لي” إلى المدن مثل استامبولي، و “دار” إلى الوظائف نحو دفتر دار، و “جي” للصنائع كقلعجي. ومن الحتمي أن هذا الكتاب لا يخلو من طرف وملح، مثل الذي انتسب لأخواله فقيل له إن الناس ينتسبون طولًا وأنت انتسبت عرضًا، وكالمسكين الذي خسر ماله والتصق به لفظ قبيح، أو الفتى الذي تجاسر على تكرار كلمة مستهجنة فعلقت به ولم يجد منها فكاكًا، ومنها اسم إبراهيم الذي أصبح بيرم، وبه يسمى عيد الأضحى لدى الأتراك.
إن الاستقصاء في التأليف شؤم يبتر الأعمال، وتطلّب الكمال أحد أسباب وأد المشروعات العلمية، وقد أنجى الله كتابنا من ذلك، مع أن مؤلفنا العزيز قد نصب في الرجوع والبحث والسؤال، وجمع أشتات موضوعه من أطراف بعيدة، حتى نسج منها هذه المادة البديعة، التي تنسب لبلادنا وعلمائنا ومكتبتنا السعودية، وما أحسنه من كتاب يوصى به لمكدود ذهن كي ينشط، ولفاتر حتى يستأنف، ولأديب ليستزيد، ولمسافر فيؤنس غربته، ولمجالس يسامر بها الرفاق في مجلس أنيس، أو فوق كثيب، أو حول شعيب، أو في نزهة مع حبيب.
الرياض- ليلة الثلاثاء الموافق ليوم عرفة عام 1447
26 من شهر مايو عام 2026م