كنت -وسأظل بحول الله- أدعو إلى أن يحمل كل ذي علم وتخصص هم إيصال المعرفة بأنواعها: معرفة عميقة لأهل العلم والفن، ومعرفة عامة لغيرهم، ومعرفة مقيدة لمن له مساس بالأمر كأن يؤلف أحد المتخصصين كتابًا عن تخصصه موجهًا للفقهاء المفتين، أو للإعلاميين، وهكذا. هذا الجهد يمكن أن يكون مكتوبًا أو مرئيًا أو مسموعًا، وقد يتولاه واحد أو فريق، وربما كان ترجمة، أو بحثًا أو مادة مؤلفة من أصلها.
لذلك سعدت بهذا الكتاب المختصر الموجه لعامة القراء، وعنوانه: واضح؟ مقدمة عن مرض السرطان والعلاج الإشعاعي، تأليف: د.حسام عبدالله العساف، صدرت طبعته الأولى عام (1444=2023م) عن شركة نضد للنشر والتوزيع في الخبر. يتكون هذا الكتاب من (77) صفحة، وهو من القطع المتوسط، ويحتوي على إهداء وفصلين سبقتهما المقدمة، وأخيرًا الخاتمة، وخصص الفصل الأول للمرض وهو السرطان، واستأثر العلاج الإشعاعي بالفصل الثاني. يوجد في الكتاب صور توضيحية مشروحة، ولعلّ المؤلف العزيز في الطبعة القادمة أن يشير لبعض الجمل المهمة الواردة في الكتاب بخط لافت حتى لا تفوت على القارئ المستعجل أو المتصفح.

أهدى الطبيب المؤلف كتابه إلى مرضاه وإلى من اعتنى بهم، وسرد د.حسام بن عبدالله العسّاف بعض مواقف الوفاء بين الأزواج في مرافقة أحدهم للآخر، ومواقف البر حين يصبر الابن ويصابر مع أحد والديه، والأعجب ملازمة جار لجاره المريض عدة سنوات، ومرافقة كفيل مقعد لمكفوله المصاب بالسرطان. هذه المواقف النبيلة التي لا نستغربها من مجتمعنا الأصيل لم تمنع المؤلف من الإشارة إلى أن بعض المرافقين قد يغضب على العيادة ومن فيها لو تأخر موعده دون أن يراعي مشاعر مريضه، ولا حقوق العاملين الذين كان التأخير خارجًا عن إرادتهم.

امتاز الكتاب بلغة واضحة، ومباشرة، وصريحة، وهي لغة علمية سعت للوقوف على عين الحقيقة الطبية دون تضخيم مقلق، أو تخفيف يقود للتساهل. ومع الاستناد للعلم والتجربة؛ إلّا أن الطبيب الكاتب لم يهمل الأبعاد الإيمانية، وأثر المتعالج نفسه في عون الفريق الطبي، وكذلك المحيطين به، وعامة المجتمع، حتى أن مريضة قالت له: “الناس تمرض أكثر من المرض أحيانًا”. وقد حذر الطبيب من الاستعانة بمحركات البحث مثل قوقل، أو الاستماع لتجارب شفهية، وليته في أقرب طبعة أن يضيف لها الذكاء الاصطناعي؛ فهذا الثالوث -المحركات والناس وأدوات الذكاء- مجلبة للهم والقلق، وأحاديثهم عامة بينما أحوال المرضى فردية خاصة.

لأجل ذلك اشتمل الكتاب المختصر على عدة اعتقادات خاطئة وجب التنبيه عليها، مع الإشارة في كل موضع يستدعي إلى التفرقة بين الحالات والأشخاص وأماكن السرطان في الجسد وما تعتمد عليه الخطة العلاجية من عوامل يرتبط بعضها بالمريض وعمره، وبالفريق الطبي وما يراه، هذا الفريق الذي بينه د.العسّاف، وأوضح مهمة كل واحد فيه، وما هو المطلوب منه خلال مراحل التشخيص والعلاج والمتابعة.
كما حوى الكتاب مادة ثقافية عن السرطان وأنواعه ومراحله وأسبابه وأقسامه حسب سرعة نموه، وهذا التقسيم الثلاثي يستعاض به كلمة منفرة شائعة الاستعمال في السرطان حين يوصف بأنه “خبيث”. وفي سياق هذا المادة التثقيفية طرح المؤلف عدة أسئلة مركزية وأجاب عنها من قبيل انتشار الورم، والحاجة للعلاج الإشعاعي، وطرق علاج السرطان وهي الجراحة، والعلاج الإشعاعي، والعلاج الدوائي، ثمّ أفاض في الحديث عن التشخيص والتصوير وخطة العلاج.
وقد فصل المؤلف بحكم التخصص والتجربة عن العلاج الإشعاعي الذي يكون داخليًا أو خارجيًا، وبعض الداخلي يستلزم عزل المريض أيامًا؛ لأنه يصبح مشعًا ويضر ما حوله، وهذا يقتصر على أحوال محددة يقدرها الفريق المعالج وليس سمة عامة للعلاج الإشعاعي كله. وهذا العلاج يطول ويقصر، وكذلك أعراضه التي تتفاوت في المدة والحدة، ولا مناص من مصابرة المريض وتعاونه وكذلك مرافقه وأهله؛ فالعافية تدريجية كما ذكرت مريضة للطبيب المؤلف: “الشر دفعة والعافية قراريط”. ومما ورد في هذا الباب بيان شروط الحمل للمرأة المريضة أو المرافقة أو المصاب زوجها.

شكر الله لكل من يعلّم ويثقف وينير، ويقلل مساحة العتمة فيما يهم الناس وينفعهم، ذلك ان المرض عرض بشري مشترك، والسرطان -تحديدًا- له انتشار لا يخفى، وإن كانت الثقة بالله كبيرة أن يوفق من شاء من عباده لاكتشاف أسبابه وصناعة علاجه أو ما يخففه. والله أسأل أن يحمينا ويحميكم، وأن يبارك في كل عامل ناصح مخلص بالتأليف، والتطبيب، وتأسيس الجمعيات، وإشاعة المعرفة، وبث الطمأنينة، وأن يغفر لموتى المسلمين، خاصة الذين ترحلوا عقب المعاناة مع مرض عضال كالسرطان.
الرياض- الأربعاء 03 من شهرِ ذي الحجة عام 1447
20 من شهر مايو عام 2026م