سير وأعلام

مهنا بن محمد المهنا وهذه الأمنية!

كثيرًا ما قرأت أمنية للمثقفين بأن ترحل كتبهم ومكتباتهم معهم إلى الجنة. صاحب أشهر هذه الأمنيات هو الشاعر والكاتب الأرجنتيني العالمي بورخيس. هذه الأمنية تشير إلى قيمة المكتبة والقراءة والكتاب في نفس صاحبها دون حاجة إلى كثير جدل أو عظيم جهد في الإثبات. هي أمنية رفيعة تدل على سمو نفوس أصحابها، وأن لذتهم العقلية قد تسامت على لذائذ الجسد وما أكثرها في الجنان بلغنا الله ومن يقرأ تلك الديار بما فيها.

لكن هاهنا أمنية لم يسبق لي أن سمعت عن مثلها، فضلًا عن الحال التي قيلت فيها، وهي تشترك مع الأمنية السابقة بالرغبة في امتداد العمل المحبوب مع صاحبه إلى الجنة. هي أمنية عريقة من رجل عريق النفس والأسرة والمجتمع. فبينما كان الشيخ مهنا بن محمد بن سليمان المهنا (1351-1443=1932-2022م) -رحمه الله- على فراش مرضه الأخير، وقد أنهكه السقم، وحاصرته أوجاع ما قبل الرحيل -ولعلها أن تكون من رفعة الدرجات له- ومع ذلكم الحال الذي يذهل صاحبه عن كل شيء، لم يغفل أن يسأل وهو ينتظر إجابة داعي ربه، ويعظم رجاؤه بدخول الجنة، وسؤاله الذي وجهه إلى أحد أنجاله هو: “هل نقدر في الجنة نعزم؟”!

لم يكن السؤال لتمضية الوقت أو لتسلية المستمع، وإنما هو تعبير عن واحد من أهم مرتكزات حياة الرجل الذي يستعد لمغادرة الدنيا إلى عالم البرزخ، وهو سؤال أشبه ما يكون بإحدى الخلاصات التي يمكن التعبير بها عن إنسان عاش بيننا، وكان معنا، في أرضنا، وعصرنا، وبين أناسنا. هي ليست رواية من زمن حاتم الطائي، ولا حكاية عمن يستكثر لأجل الدنيا بالدعوات والمدعوين، وإنما رغبة صادقة بإطعام الطعام، وجمع القرابة والجيران والأصدقاء، ونيل الثواب من ذلك كله بتقريب النفوس والقلوب، وتصفية الأجواء، وزيادة اللحمة والمحبة.

لذلك كان الشيخ مهنا يفتح بابه بعد صلاة المغرب لاستقبال الضيوف والزوار، وهذه العادة الكريمة مستمرة في بيوت آل مهنا إلى اليوم وغدًا وما بعدهما. وفي شهر رمضان المبارك يصبح اللقاء دعوة إلى الفطور وكسب أجر الصائمين، وكان يتناوب في هذين الصنيعين الحميدين مع قريبه، وزوج ابنته، وجاره، الشيخ محمد بن سعد بن ماجد المهنا -شفاه الله وعافاه-، ولذلك فلا غرابة أن يصدر منه ذلكم السؤال الفريد، وليس بكثير أن يحسب له حتى لو سبقه غيره إليه.

ولأن حب الاستضافة خلّة كريمة غرست في قلبه غرسًا، فقد كان يسأل أولاده ومن حوله عمن يستحق الإكرام إذا مضت عليه مدة دون أن يقيم مأدبة لضيف أو ذي استحقاق، وهذا فن من فنون صناعة الفرصة لدعوة الناس، والفرح بهم، واغتنام عدة أجور بعمل واحد. الضيافة عمل يستنزف الوقت، والجهد والمال، بيد أن الله امتن على خلقه باصطفاء بعضهم ليكونوا منارات خير في أبواب شتى، وفيهم من يطعم الطعام على حبه مسكينًا أو يتيمًا أو ذي حاجة، وقد اشتهر عن الشيخ أبي سليمان شدة أنفته من فوات أيام بلا إكرام ولا إطعام. إن فتح الباب، وإقامة المجالس، وجمع الناس، وإطعامهم، لمن أعمال رؤوس الناس، ومن سمات المجتمعات العريقة، وقد تصاحب هذا العمل مع الشيخ مهنا حضرًا وسفرًا.

لقد ظفر الشيخ مهنا بهذه الخصائص -بعد توفيق الله له- من العيش في بيت والده العالم والقاضي، والنهل من علمه والانتفاع بتوجيهه وتأديبه، وشاركت الأب في ذلك زوجه أم مهنا سارة بنت عبدالعزيز العجلان، فكانا -رحمهما الله- أبوين صالحين بورك لهما في العقب والذرية. كما استفاد الشيخ من عمله الطويل في المحاكم، وقربه من المشايخ والقضاة، ولعله اقتبس من صالح هديهم، وجميل فعلهم، وسديد قولهم، وصادق تعبدهم، وهذا من خير ما يُعان عليه المرء، للنهل من أثر الصحبة والمعايشة.

ومن جليل خبره الذي أقف أمامه بخضوع تام، أنه كان بارًا بأبويه، صحبهما صغيرًا، وخدمهما شابًا وكبيرًا، ولازمهما في البيت والعمل والمجتمع، وأفاض من المال عليهم ولم يحتجزه لنفسه مع أنه ماله وجهده، ففاز من البر والإحسان بمرتبة عليّة مذكورة مشهود له بها، وأصبح ممن يشار لهم بالبنان في هذا الباب، وإن خير الناس من كان كذلك مع والديه وأهله وخاصته، ووفق للتوسيع عليهم والإغداق من كسبه، ثمّ التفت إلى المجتمع القريب ليكرمهم بالطريقة المناسبة، وقد كانت الاستضافة لدى الشيخ مهنا منقبة تالية للتفوق في البر والصلة، فجمع الله له الخيرية داخل البيت وخارجه.

أما صلته لرحمه فشأن جدير بالإشادة؛ ذلك أن الله جعله الابن الوحيد لوالديه بين ثمان أخوات له، وحين شاء الله أن يتوفى والده، أقام نفسه لأخواته مقام الأب الحنون الشفيق، ومقام الأخ المساند المسؤول، فأحسن الصحبة لأهل صلة أبويه بعد رحيلهما، ولم يشعر أخواته بالفقد أو بالحاجة إلى شيء، وأشهد أني كنت أقف على قبره والناس محتشدون بكثرة حوله في مقبرة الشمال بالرياض، فسمعت من غير واحد كلمة معناها: لقد كان أخًا واحدًا لثمان أخوات، بيد أنه كان بمنزلة العصبة من الإخوة، فهنيئًا له هذا الحنان، وهنيئًا له مواصلة البر لأبويه بخدمة أخواته، والترفق بهن، والسعي لكل ما يرضيهن ويسعدهن. ومن باب الصلة تلك العلاقة المتينة له مع لداته من كبار أسرته الذين كانوا من أعلام المجتمع في العلم والفضل والدعوة والتجارة والتداخل مع الناس.

 كما أن الشيخ قد حرص في محياه على الصلاة فلا تكاد الفريضة أن يؤذن لها إلّا وهو في المسجد، وفتح عليه بالتلاوة وختم القرآن في رمضان وفي غيره، ففي كل أسبوع له ختمة، وفي رمضان ختمتان، ووالله -غير حانث- إن إمضاء الوقت مع الكتاب العزيز لمما يزيد العمر بركة، ويفيض السكون على النفس والبيت. إن هذا التعظيم لشعائر الله، والانشغال بالطاعات والذكر بأنواعه، وسعيه بالشفاعة لقضاء حوائج الناس وتفريج كربهم، قد أفاض على محياه هيبة ووقارًا، وأكسبه المودة والقبول، فكان لحضوره قيمة وإجلال، وللحديث معه أو عنده ميزان يراعيه الناس تقديرًا لمقامه وسمته.

ثم حين شاء الله أن يودع الشيخ مهنا الحياة الدنيا، قبضت روحه في صباح يوم الجمعة، وسبابته مرفوعة للتشهد، والله يجعلها من حسن الختام وبشرى القبول له. وقد ترك هذه الدنيا بأحدوثة حسنة، ولسان صدق في الآخرين، وقصة فيها مواضع للقدوة، وخلّف عقبه ذرية طيبة -زادهم الله بركة وتآلفا- تحفظ اسمه وتحييه، وتبقي على سيرته غضة مشرقة، بتبيان مآثر تربيته، وترداد محاسنه، وإدامة ذكر أيامه الغر، ومحاسنه الكثر، وأمانيه السامية، حتى يقول السامع والقارئ بصيغة الدعاء على هيئة الإخبار اقتباسًا من مقولة سابقة: جاك يا مهنا ما تمنى!

ahmalassaf@

الرياض- ليلة السبت 15 من شهرِ ذي القعدة عام 1447

02 من شهر مايو عام 2026م

Please follow and like us:

2 Comments

  1. أما أنا .. فلي أمنية تلامس ما كُتب هنا ..
    أن آخذ هذه المدونة معي إلى الجنة ..
    لا بحروفها فقط ..
    بل بأثرها ..
    بمعانيها ..
    بما أيقظته في القلب من حب الخير ..
    ومن توقٍ لحياةٍ تُرضي الله قبل أن تُرضي الناس ..

    اللهم كما جمّلت هذه السيرة بحسن العمل ..
    فاجعلها نورًا ممتدًا في ميزان صاحبها ..
    وارحم الشيخ مهنا بن محمد المهنا رحمةً واسعة ..
    واجعل برّه وخيره شافعًا له ..
    وارفع درجته في عليين .

    وجمّل ختامنا ..
    وارزقنا قلوبًا تحب الخير حتى تتمنى امتداده في الآخرة ..
    واجعل أعمالنا خالصة لوجهك ..
    ممتدة الأثر .. باقية الأجر ..

    شكرًا لهذا المقال العريق .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

X (Twitter)