فرغت من قراءة كتاب عنوانه: لؤلؤ وحصى: فيض مما كان! تأليف: د.عبدالعزيز بن عبدالرحمن الثنيان، نشر وتوزيع شركة العبيكان، صدرت الطبعة الأولى منه عام 1447=2026م، ويقع في (452) صفحة مكونة من أربعة وتسعين عنوانًا أولها استهلال ومقدمة وآخرها الخاتمة، وما بينهما موضوعات شتى. عنوان هذه السيرة مقسوم إلى جزءين يصلح كل واحد منهما أن يكون عنوانًا مستقلًا غير مطروق في كتب السير. في اقتران الحصى مع اللؤلؤ إشارة ذكية إلى أن جمال اللؤلؤ لا يرى إلّا بوجود الحصى، وقليل فاعله ممن يكتبون السير!

يعطي هذا الكتاب صورة للمجتمع قبل عقود، وتراتيب الحياة والتعامل فيه بين أناسه، وبالتالي يمكن الإفادة من مضمونه وشهادته -ومن غيره- في دراسة مجتمعنا وما طرأ عليه من تغير وتطور؛ حتى أن المؤلف بدأ دراسته على الأرض، وباستخدام السرج، وجلب الماء من البئر، وخلال ربع قرن تحول الوضع للأحسن بمراحل، وقد يصعب تصديق صورة الماضي وواقع الحاضر من غير معايش معاين معاصر. ويظهر في الكتاب دون عناء لناظر أثر التربية الدينية القويمة، وعلامات درج المرء بين جنبات أسرة عريقة، ودلائل عيشه في ربوع مجتمع متآلف متواد. كما يستبين أن المؤلف متشبع بالثقافة العربية والإسلامية، عارف بتاريخها وأعلامها ومكتبتها، ولم يقصر نفسه عليها حتى وإن كان فيها غنية وزيادة.
كما سيعرف القارئ- الذي لا يعرف مسبقًا- أن د.الثنيان مارس التربية والتعليم إبان زهرة عمره الوظيفي، وعمل في مؤسسات حكومية تعليمية وإدارية وبرلمانية،ثم تقاعد مبكرًا وتفرغ للعمل التجاري، بيد أنه وجد أنسه، ومستراح روحه، والبركة التامة، في العمل الخيري. وسيدرك قارئ الكتاب أن للمؤلف كتب سابقة تحدث فيها عن ذكرياته في وزارة التعليم وإداراتها، وعن عمله بمجلس الشورى، وهي مع كتبه الأخرى متاحة بصيغ إلكترونية مجانية في موقعه، وبالتأليف استغنى المؤلف عن الكتابة المتقطعة.

وقد أجاد أبو تركي في الكتابة فكرة وتنفيذًا، وأحسن في انتقاء العنوان الذي ضم عنوانين قابلين للفصل، وكسر موضوعات سيرته على عناوين تحتها ما يرتبط بها من سرد، واعتمد على الزمن دون تقيد صارم به، وهذا المنهج مفيد لإراحة القارئ، ولتحرير الكاتب من لوازم التسلسل خاصة أن للدكتور عبدالعزيز عدة كتب سيرية أخرى مثلما أسلفت، بيد أن هذه السيرة أشملها، وفيها دفء الأسرة، وأثر التكوين، ووضوح مبادئ الحياة الخاصة والعامة، ومن بديعها تخصيص جماعة المسجد بالحديث الحنون المحبب، وهي تطرب القارئ مرة، وتعجبه أخرى ومن أعاجيبها “رداسة” واعتراضات الطلبة، وتبكيه ثالثة خاصة عند رحيل الطفلة، وتضحكه رابعة، وهكذا هي السيرة المتكاملة.

كذلك اعترف أبو تركي لقارئه بأربعة اعترافات ثمينة مهمة لمن وعاها، وعجّل في تأملها، ومن حسن الاعتراف أنه لم يضيع وقته ولا وقت القارئ بالاعتذار والتسويغ والتفسير عما سبق. الاعتراف الأول: أمنيته لو أنه بدأ التدوين والكتابة مبكرًا؛ كي لا يفوت عليه حدث أو بعضه، وسوف تزداد نفاسة المكتوب كلما تقادم الزمن. والاعتراف الثقاني: دفع أولاده وهم صغار السن إلى حلقات تحفيظ القرآن الكريم لغرس المبادئ، وبناء اللغة. الثالث: رغبته الصادقة بالتعمق في علوم القرآن والتفسير دراسة وقراءة وتدبرًا وتأليفًا؛ والموفق من التقط هذه الدرة وأفاد منها. أما الرابعة والأخيرة: فهي انبهاره بطعم العمل الخيري الذي يجده من يعمل فيه حتى لو خسر بعض مكاسب الدنيا ومناصبها، فهو خير الدروب، وفيه نور وطمأنينة.

في السيرة أسماء أعلام وأقارب وزملاء وسواهم ممن لا يعرف أو لم يسمَّ، وفيها حكايات ووقائع ذات أبعاد مختلفة، منها الشخصي، والأسري، والمجتمعي، والرسمي، وما يتجاوز الحدود خاصة إبان زيارته لإيران مع وفد مجلس الشورى، أو ما اطلع عليه عندما زادت مشاركاته الخيرية، وشاهد نماذج من الآثار الطيبة والأعمال ذات النفع المتعدي. ومن لطيف المواقف أن المؤلف اقترح على الملك فهد -رحمه الله- أن يسجنه ووزير المعارف أ.د.محمد الرشيد ويكون فكاك قيدهم بزواجهم مثنى وثلاث ورباع؛ فرفض الملك كي لا تغضب منه النساء.
ومن أجلّ المواقف أن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان -حفظه الله ورعاه-، طلب من المؤلف ومعه مجموعة تعدادها خمسة أفراد، أن يفرزوا كمية كبيرة من المكاتبات وردت إلى إمارة الرياض إبان إمارته عليها، ثم يعرضوا عليه ملخصها بصراحة دون محاولة تغيير أو تخفيف أو حذف، وهذه الواقعة حصلت أيام احتلال الكويت. وبعد أن صنع المؤلف ملخصًا لما في تلك العرائض والمكاتبات التي يبدو أنها عامة لا خاصة، قدّم هو ومن معه ذلكم الملخص للأمير سلمان، الذي قرأها ولم يستنكر على اللجنة صراحة مضمون الورقة، خاصة أنه حثهم عليها من قبل مهما كانت، ثمّ أرسلها كما هي لقادة الدولة حينها.

إنها سيرة لا تتعب القارئ، وتمتعه، وتفيده. فيها لفتات لمن يتولى عملًا عامًا يمس الغالبية كالتعليم والصحة. فيها إشارات لسعة المساحة لصنع المعروف، والمرونة، والخدمة التي لا تخالف ولا تضر. فيها أدب وشعر وعقيدة وتفسير ولغة سلسة واضحة. فيها صحبة وذكريات. فيها حنان الأم، وتربية الأب، وتكاتف الإخوة والصحبة. هي سيرة لم تتكلف نسج خيوط البطولة، غير أنها جلّت لنا بعض مكامن الجمال في مجتمعنا وأهله. هي سيرة مسؤول سعودي، ورجل دولة، وسيرة فرد من أبناء هذه البلدة الطيب أهلها، الطيب غراسها، الطيبة مآثرها.
الرياض- الاثنين 28 من شهرِ شعبان عام 1447
16 من شهر فبراير عام 2026م