سير وأعلام

قيس البشر والمروءة والنبل!

من زينة السفر لقيا النبلاء، ومن سمات النبلاء أن زيارتهم تعطي للرحلة مذاقًا خاصًا، ومعاني أبعد من الرؤية، حتى قيل في حقهم: إن الزيارة لا تكتمل إذا لم يجلس إليهم وينهل من سمتهم وعلمهم، وإذا بهم العيون لم تكتحل. من هؤلاء النبيل الشهم قيس بن ناصر بن بشر بن عثمان بن إبراهيم بن محمد بن عثمان بن محمد بن حمد ابن بشر، الذي يوصف بأنه رابع أبراج الكويت كما قال وصدق الشيخ المؤرخ عبدالعزيز العويد. ينتمي قيس إلى أسرة المؤرخ النجدي الشهير عثمان بن بشر -رحمه الله-، وهم من بني زيد من جلاجل بسدير، ثم انتشروا في البلاد، وكانت أسرة صاحبنا ممن نزح إلى الزّبير والكويت.

قد يتوارد للذهن حين السماع عن قيس البشر وأخباره الواقعة في خانة المستطاب العجاب، أن الرجل ذو لحية طويلة كثة، أو صاحب ثراء عريض، أو يعمل معه فريق علاقات عامة ضخم! لكنك حين تلقاه سوف تكتشف أن لحيته الكثة مغروسة في جذر قلبه النقي وإن اختفت عن محياه الطيب -أحسبه والله حسبه-، وأن الثراء الكبير لديه يربو على المال؛ فهو سعة في الصدر، وبشاشة في الوجه، وكرم نادر النظير في الضيافة والإهداء، وعلاقات متشعبة يعز لها المثيل، وتغنيه عن أكثر فرق العلاقات العامة مهارة وحيوية. إن نقاوة الأصل، وطيب المحتد، يظهر في التلقائية، والنبل الدائم، ولا يمكن أن تشترى هذه الخصال بمال أو جاه.

مما يمتاز به أبو ناصر ويوسف أنه يجتهد في دعوة من يبلغه عنه أي فضيلة ولو أن تكون دعوة لغائب أو راحل في الحرم، ويدعو من أنجاه الله من كروب السنين وكهوف الغياب مثلما حصل مع معمر سوري قضى عمرًا في سجون ظالمة مظلمة، ثمّ يستقبل زواره وكأنهم أصحاب الفضل عليه، ويشعرون بذلك منه سجية لا تكلفًا، ويلقاهم دون انقطاع في ديوانيته بكيفان داخل مدينة الكويت، أو في مزرعته بالعبدلي قرب الحدود العراقية، وهو يعلن عن جدوله بكل وضوح في حالة الواتساب، حتى يكون أكثر استعدادًا لمن أسعده بالقدوم، وكي يعرف الآخرون مكان الاستقبال، ومن سيحل عنده من أعلام وغيرهم، وحتى يعلم هو مبكرًا عمّن سيأتيه قدر المستطاع.

ويتفرد مجلس البشر بأنه منعقد على مدى ساعات طوال متوالية محددة؛ فمتى أتيته في الوقت المعين سوف تجد فيه من يستقبلك ويكرمك ويفيدك، وسيلاحظ الزائر أن حركة الوافدين والمغادرين مستمرة مثل العيون العذبة الذي يكثر عليها الورود ومنها الصدور، مع بقاء آخرين في المجلس، وإن الجود بالوقت لمن أنفس أبواب الجود. أما الطعام والشراب فلا يتوقفان، إن في الوجبة الرئيسة التي ربما تكررت غير مرة، أو بالشاي والقهوة والفاكهة والحلوى، ومعها الضيافة البينية، والدوران بالبخور والعطور، وهذا كله دون سرف أو مخيلة واستعراض، وهي خاصية عظيمة رفيعة.

كما تختص الديوانية والمزرعة القيسية بأن روادها من دول عديدة، فهو مجلس دولي متنوع. ومن خصائصها أن اجتماعهم يخلو من الطبقية حتى مع إنزال الناس منازلهم، فمن عادة المضيف البشر أنه يحتفي بمن عنده ويبالغ، ويعطي مزيد العناية والاهتمام بمخمومي القلب، ومن ليس لهم كبير حظ من الدنيا، والمخلصين والمتواضعين، ويفخم أصحابه بذكر مآثرهم ومشروعاتهم وما حباهم الله من قدرات ومواهب، ولذا فمع الأنس، والمطعم، والبخور، سيخرج المرء بكمٍّ ذي كيف من الفوائد على اختلاف فنونها دون خوض فيما لا يناسب لأي سبب. إن الديوانية والمزرعة تجاوزا وصف المساحة المحدودة، إلى منصة تعايش، ومدرسة آفاقية ذات إشعاع ساطع، وأثر حميد.

ولدى أبو ناصر بصر عجيب بشخصيات زواره أبهر عارفيهم، مع أنه ليس له بهم صلة قديمة أو عميقة تعين على هذه القدرة على التحليل؛ فأضحت فراسته ونظراته الفاحصة الصائبة موضع عبرة لافتة. ومن محاسنه الكثيرة إدامة الدعاء لمن يعرفهم ولوالديهم، والربط بين الفضلاء والأخيار؛ فتنشأ علائق ودٍّ فيما بينهم جتى بدون لقاء أو سابق معرفة. ومن وفائه حفظ صور زواره، وتعليقها أمام الناظرين، والثناء عليهم في غيبتهم، والتذكير بالراحلين منهم للدعاء لهم ولوالديهم.

كذلك يحرص البشر على خدمة الآخرين سواء ممن يعرفهم أو ليس له بهم معرفة، ويستثمر في هذه الخدمات الاحتسابية شبكة صداقاته وعلاقاته العابرة للحدود، وكم من مرة ومرة فرج الله به همًا، وأغاث بفضله مكروبًا، وساعد ذا حاجة، وإن نفع الناس لأحب للرب الرحيم من الاعتكاف في المسجد النبوي شهرًا، ويا له من فضل اغترف منه أبو ناصر بفضل الله وعونه، حتى أن هاتفه لا يكف عن اتصال أو رسالة، وفي بعضها طلب شفاعات، وهبّات إحسان ونجدة.

ومما يجتهد في بلوغه نبيلنا الكبير تحقيق الراحة لزواره وأضيافه، وتفقد حاجاتهم، وتهيئة المكان لمكوثهم الطويل أو القصير، حتى أصبحت بقاعه الطيبة مكانًا لشاب نمساوي أسلم وأجاد العربية وتعرف على الناس من خلال مجالس قيس، ولآخر من إيران أو الهند، فلا يكاد يفارق المكان حتى يؤؤب إليه، ولثالث من ليبيا أو فلسطين يقصدونه من المطار مباشرة، ولرابع من جنوب إفريقيا يرفض التعاقد على عمل بدخل مالي أعلى رغبة في البقاء إلى جوار قيس، ولغيرهم من ذوي الحكايات التي لا تنتهي، وهي مادة غزيرة لو دونت لجاءت في أسفار ماتعة، تثبت لعصرنا المكارم والمحاسن.

لأجل ذلك؛ أصبح قيس بن ناصر البشر، وديوانه بكيفان، ومزرعته بالعبدلي، مزارًا لأفاضل الناس وخيارهم، ومأرزًا لمن رام الفائدة والاحتفاء، وسبيلًا للتعريف بالخير وأهله ومشروعاته. وبسبب هذه السيرة الزكية التي تسامع بها الناس، سارع عدد من كرام المجتمع للتواصل معه وشكره حتى وهم لم يحلوا ضيوفًا عنده، وبسبب هذه الخصيصة النادرة امتلأت المقبرة بالمشيعين على إثر وفاة والدته، مع أن الدفن كان في الليل، والخبر لم يعلن بكثافة؛ لكن الناس قدموا بالطائرة والسيارة، وكانت تلك الحشود دليلًا على مروءة قيس، ونبله، وبشره.

هذا المقال -ياقوم- لن يسعد قيسًا! أما الذي يسعد قيسًا، ويغمر بالسرور قلبه، فهو ليس هذه الكلمات، ولا ما قاله الناس أو سيقولونه، إنما الذي يستجلب السرور له، أن يدعو القارئ والسامع، بالقبول والرحمة لقيس البشر، ولوالده، ولوالدته فاطمة بنت جاسم البسام السبيعية من العطار بسدير، ولعمه عبدالرحمن، ولخالته نورة، ولزوجه الكريمة المعينة له، ولنجليه، ولكل من دخل بيته وديوانيته ومزرعته مؤمنًا، وللمؤمنين والمؤمنات، ولكاتبه، فهذا هو غاية المطلب من تقييد هذه الخاطرة ونشرها، وهي الحجة التي أتجرأ بها على فعل ما لا يروق لقيسنا النجدي الكويتي العربي المسلم؛ فلا تبخل أيها القارئ والسامع -وأنت الكريم سليل الكرام- بهذه الدعوات، والله يتقبل ويستجيب. بقي أن أقول بصراحة: هذا النص ليس ثناءً على رجل، وإنما تذكيرٌ بأن العراقة حيّة في النفوس والمجتمعات، وأن حب الخير وأربابه جبلة وفطرة لم تنطمس، ولن!

ahmalassaf@

الرياض- ليلة الثلاثاء، النصف من شهرِ شعبان عام 1447

03 من شهر  فبراير عام 2026م

Qays al-Bishr – Chivalry and Nobility

Please follow and like us:

14 Comments

  1. هذا المقال تذكيرٌ حيّ بأن مكارم الأخلاق وصِلات الودّ ما تزال قادرة على إنعاش الأرواح، وأن المجالس العامرة بالكرم والوقت والبشاشة يمكن أن تعيد للزيارة معناها الإنساني الأصيل، في زمنٍ انغلقت فيه الأبواب وخفَتت أواصر التلاقي حتى بين الإخوة أو الأقربين. وهو شهادةٌ على أن الخير فعلٌ يوميّ وعادة تكتسب لو لزمناها، وأن النبل لا يُشترى بل يُعاش في أخلاقنا.
    ولكاتب المقال خالص الشكر على هذه الالتفاتة النبيلة، إذ أحسن إحياء العادات الحسنة، والحثّ عليها، والتذكير بقيم الزيارة، والضيافة، وبذل الوقت، وربط الناس بالخير وأهله، فكان مقاله نفَسًا دافئًا في زمن الجفاء، ودعوةً صادقة لإعادة فتح الأبواب والقلوب.

    ما أبهى الكرم حين يصدر عن أهله؛ فقد أفاض المضيف قيس البشر سماحةً في حسن الاستقبال، كما أفاض الضيف امتنانًا في الشكر والدعاء. ما أجمل الكرم حين يقع بين أهله ، فلا عجب أن يولد هذا المقال من رحم ذلك السخاء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

X (Twitter)