قرأت -والفضل والمنة لله- كثيرًا من مؤلفات المؤرخ السوداني المهتم بالجزيرة العربية أ.د.عبدالعزيز بن عبدالغني بن إبراهيم بن حمدون -رحمه الله- )1363-1443=1944-2022م)، وكتبت عن بعض كتبه، والنية متجهة لكتابة المزيد، علمًا أن الله وفقني للكتابة عنه حيًا وميتًا. أما في الحياة فالحمدلله أن وقع النص المكتوب موقع الرضا والسرور منه ومن أوفياء طلابه كذلك، وأما بعد الممات فكنت في موقف الرثاء والحزن خاصة أن نبأ وفاته بلغني فجأة آخر الليل، وأنا مستقر في طائرة على وشك الإقلاع.

أما إبان حياته فقد تيسر لي التواصل الهاتفي معه عقب أن تلطف بالاتصال بي بعد أن عجزت عن الوصول إليه، وأعلنت عن عجزي في بعض المقالات الخاصة بعرض أحد كتبه، وحين علم بذلك بادر متفضلًا بالاتصال، وأعطاني أرقام هواتفه كلها، وسمح لي فيما بعد أن أعطيها لكل من رام الاتصال به من أجل العلم والبحث، وكثيرًا ما سألني عنه القراء. استمر التواصل معه بالاتصال أو التراسل عبر الواتساب، ثمّ زرته والتقيته في مكتبه بالدوحة، وجرت بيننا عبر المراسلات والاتصالات، وخلال ذلكم اللقاء اليتيم الجميل، الذي شاركتنا فيه أوراق، وكؤوس عصير طازج، ونعمنا ساعته بالسكون وطول المكوث، أحاديث كان معي فيها مسترسلًا، وغير منزعج من أسئلتي.

سوف أكتب هنا بعض الأسئلة التي ألقيتها عليه فأجابني عنها بصراحة، وربما توسع رحمه الله، ولولا أنها من تمام الحديث عن أستاذنا الراحل لما كتبتها. فقد سألته عن مشروعاته التأليفية القادمة، فأخبرني بأنه يعكف مع فريق على ترجمة وثائق تخصّ المنطقة، وتركز على شؤون حدودها الجغرافية، وهي وثائق محفوظة لدى دول أجنبية، ويتوقع أن تصدر في ستة عشر جزءًا -آمل أني لم أخطأ في الرقم-. وقد توفي المؤرخ قبل ظهور العمل، وعسى أن يكون مستمرًا، ونراه قريبًا. بالمناسبة للبروفيسور كتاب مهم وضخم ترجم فيه وثائق حكومة بومباي، وفيه المعلومات والتعليمات التي كانت تعطيها حكومة الهند البريطانية لرجالاتها العاملين في المنطقة، وهو من أحقّ الناس بهذا العمل؛ فعلاقته بالوثائق الإنجليزية والمصرية والعثمانية عن المنطقة ظاهرة فيما صدر له، وتبرز خاصة في رجوعه المباشر لوثائق الإنجليز.

وسألته عمّا انتشر له من كتب بصورة لم يتوقعها؛ فأجاب من فوره مخبرًا بأن كتاب “أمراء وغزاة” لقي من الانتشار والحفاوة ما لم يتوقعه، مع أن غيره من الكتب أهم منه. وأتصور أن عنوان الكتاب قد ساهم في هذا الإقبال، وربما بعض مضمونه، والتفسير لي. وحين سألته عن سبب الاكتفاء بطبعة واحدة من كتابه “صراع الأمراء” قال لي: إن بعض دول المنطقة لم تحبّذ الكتاب؛ ولذا خفتت الحماسة لإعادة طباعته من قبل الناشرين، علمًا أن الكتاب ربما أغضب بعض الدول الحديثة التي تسعى لتضخيم تاريخها أو حجب شيء منه؛ وهذا الظن مني أيضًا ولم يذكره مؤرخنا أبدًا. حقًا إن بعض الكتب لا تُهمَل بسبب ضعفها، وإنما لأجل قوتها وحجتها الدامغة!

ثمّ استفهمت منه عن سبب غياب اليمن من قائمة مؤلفاته، وهي من بلدان الجزيرة العربية المتداخلة مع دول الخليج، فذكر لي أنه قد فرغ قبل عدة سنوات من كتاب يتتبع علاقة اليمن بالجزيرة العربية خلال آخر ثلاثة قرون، لكنه متردد في دفعه للمطبعة؛ لأنه لن ينشر إلّا ما يقتنع بأنه الصحيح، فالتاريخ عنده مسؤولية وشهادة، وقناعاته هذه قد لا توافق عليها أطراف أخرى مؤثرة، وبالتالي ربما يلاقي ذلكم الكتاب اليمني الوحيد الذي صرف له سنوات من الجهد مصيرًا مشابهًا لمصير كتاب صراع الأمراء. لست أدري الآن ما هو حال هذا الكتاب المخطوط، وأتمنى أن يكون محفوظًا مع بقية إرث راحلنا العلمي، وأن ينتهي المآل به إلى النشر؛ فالعلم مداولة، والأصل فيه المحاورة لا المصادرة.

كما أخبرني عن الصداع الذي جلبه له كتاب “نجديون وراء الحدود”، وجاء إخباره إياي جوابًا عن سؤال مني وليس مبادرة منه، وفي كل كلامه كان يتحرز في انتقاء كلماته، ويذكر الأطراف الأخرى الغائبة بتوقير واعتراف بما لها من فضل. وفي سياق أحاديثه لي عن هذه المسألة أورد شهادته التي تحكي انبهاره بخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان -حفظه الله-، وإعجابه بعمق معرفته بتاريخ الجزيرة العربية، ونقاشاته العلمية في هذا الجانب. وذكر لي بسرور بيّن أنه مرشح لجائزة سعودية تحمل اسم الملك سلمان، وتختص بتاريخ الجزيرة العربية؛ وهو سعيد بهذا الترشيح الذي لم يكتمل لبعض الأسباب فيما يبدو لي، وليتها أن تمنح له إن كانت الشروط تنطبق عليه، والشيء بالشيء يذكر؛ إذ سألت مؤرخًا عن رأيه بندوة حضرها، وشارك فيها متحدثون منهم شيخنا الذي قدّم ورقة قصيرة فقال صاحبي: كانت دقائقه العشر هي ثمرة تلك الندوة فقط!

كذلك تحدث لي المؤرخ الكبير إجابة عن السؤال حول منهجه التاريخي، وأشار إلى أنه يعكف على بيان هذا المنهج في مؤلف مستقل وهو ما كان. وذكر لي كيف بدأ اهتمامه بالمنطقة إبان تحضيره لدراسة الماجستير، وهو الباب الذي ولج منه ليثري تاريخ المنطقة التي تمثل منبع الإسلام وأصل العروبة، وعانت بعض أجزائها مبكرًا وقبل غيرها من احتلال الإنجليز وعدوانهم، مثلما حصل لبلاده السودان فيما بعد من قبل الإنجليز المعتدين. وعندما اشتكيت له من ندرة بعض كتبه القديمة، وصعوبة الحصول عليها، وأخبرته كيف وجدت بعضها في مكتبات قديمة، بشرني مفيدًا بأنه تعاقد على إعادة طباعتها، وفعلًا رأيت عددًا منها بطباعة جميلة من دور عربية، والأمل يحدونا بإعادة طباعتها كلها.

ومرة قلت له: أين السودان فيما كتبته؟ فأخبرني أن لديه مؤلفات وأحدها سوف يصدر قريبًا وله قصة، ثمّ أكرمني بإرسال نسخة منه، وعليها بخط يده إهداء وتوضيح لقصة تأليف الكتاب. وفيما بعد أرسل معلِمًا بأنه فرغ من كتاب عن العلاقات الأمريكية بعالمنا، وفيها حديث عن السودان وغيرها. هذا الكتاب يقودنا إلى ميزة تجلّت في مؤرخنا وهي اعتزازه بأصوله الإسلامية، ولغته العربية، ومحبته للجزيرة العربية وأهلها وتاريخهم، وكذلك تفرده بالعبارة الأدبية الرفيعة، والحكم المسبوك المتقن، ومن ذلك أنه اختار لكتبه أسماء لافتة مثل: إبل إبليس، وحبال ودمى، لكن تغيّر عنوان بعضها بسبب إصرار دور النشر لأسباب تسويقية.

لقد كان الأستاذ الدكتور عبدالعزيز بن عبدالغني بن إبراهيم بن حمدون مدرسة في التعامل مع التاريخ إن في الجمع من الوثائق أو الروايات الشفهية أو غيرهما، مدرسة في التحليل وحسن سرد الحوادث التاريخية، مدرسة في الاستلال والتلخيص، مدرسة في الاعتزاز بتاريخه ولغته وقومه، مدرسة في غزارة الإنتاج المحكم، مدرسة في التخصص المثمر، مدرسة في التواضع والتواصل. غفر الله له ورحمه وجعل أعماله من آثاره الباقية المسجلة في صحائف حسناته.
الكويت- العبدلي- ليلة السبت 12 من شهرِ شعبان عام 1447
31 من شهر يناير عام 2026م
2 Comments
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته كتابه جميله عن الدكتور عبد العزيز عبد الغني الله يرحمه اعرفه جيدا وكان يجي يبحث في دارة الملك عبدالعزيز لكن ما تعرف مصير مكتبته اين راحت وهل في احد من اسرته في المملكه الله يحفظك
شكر الله لكم، وربما له ابن أو ابنة في الرياض.