حفظ سير الأكابر والمؤثرين منقبة جمعت الحمد والرشد والوفاء والعلم. ليس بالضرورة أن تكون المادة المجموعة كثيرة، خاصة مع شح المصادر، ووفاة الشهود، وتقادم العهود؛ ذلك أن الاستكثار من الصفحات على حساب المحتوى لا يجدِ نفعًا، لكن الشيء المهم تدارك الموجود، وحفظه، وروايته، ونسبته، ويمكن بعد ذلك دراسته وتحليله، وإيراد التفسيرات والاحتمالات كما في الكتاب أدناه. إن حصر هذه المرويات وتقييدها أمانة في أعناق القادرين، وهي بحق من يملك الوثائق مسألة آكد وأغلظ، ويمثل هذا التدوين معركة مع النسيان، وذبول الذاكرة.

أقول ذلك بعد قراءة كتاب حديث الصدور عنوانه: صالح الزامل السليم أمير غزو عنيزة 1292-1333/ 1876-1915م حياته الاجتماعية والسياسية، تأليف: صالح بن محمد الحسن الخويطر، صدرت طبعته الأولى عن دار ابن الجوزي عام 1447=2026م، ويقع في (408) صفحات مقسمة على (59) عنوانًا، غير الإهداء والمقدمة والتمهيد، وعشر قصائد تليها الخاتمة والملحقات فالمصادر التي شملت مخطوطات، وكتبًا، وصحفًا ومجلات، وإفادات شفهية من (32) شخصًا على اختلاف الأعمار، ودرجة القرب، وطول السند.

أهدى المؤلف الخويطر الكتاب إلى الوجيهين الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن بن عبدالعزيز بن زامل السليم “أبو نجم”، و الشيخ عبدالله بن زامل بن صالح بن زامل السليم “أبو عماد”، وإلى أحفاد المترجم، وأهل عنيزة، ومحبي التاريخ. وقد ولدت فكرة هذا الكتاب عقب فراغ المؤلف من كتابه عن الأمير زامل بن سليم، والد المترجم، وهو واحد من أهم الأمراء في التاريخ المعاصر للجزيرة العربية. إن بناء مشروع تأليفي على آخر سابق له سنة ماضية، وبخاصة إذا توافرت مادة مناسبة لإفرادها، وأمكن خدمتها بما يجعلها غزيرة المضمون والمعنى، وهو الطريق الذي سلكه المؤلف الأستاذ الخويطر في كتابه عن أمير غزو عنيزة، بعد انتهاء تأليف الكتاب الخاص بوالده.

ينتمي الأمير صالح إلى أسرة عريقة جدًا، عريقة في مآثرها ومناقبها، وفي إمارتها وشجاعتها الجريئة. ينتمي الأمير صالح -كذلك- إلى بلدة متميزة جدًا بين حواضر الجزيرة العربية، ولهذا الامتياز معالم ظاهرة يشهد لها الزعماء، المؤرخون، والكتّاب، والرحالة، وغيرهم ممن عرفوا عنيزة. ينتمي الأمير صالح إلى أبوين كريمين هما والده الذي سبقت الإشارة إليه، ووالدته شايعة بنت علي الدخيل التي ترجع أصولها إلى إحدى بلدات عيون الجواء، بعد أن قدمت أسرتها الكريمة إليها من بلدة جلاجل بإقليم سدير، وهي أسرة اشتهرت بالتدين ونفع الناس. إلى هذه المكونات السامية النبيلة ينتمي الأمير صالح بن زامل الذي حمل قيادة أغلب العبء العسكري لعنيزة، في الوقت الذي تولى ابن عمه الأمير عبدالعزيز جوانب الحكم المدني.

لذلك ليس بغريب أن نقرأ في الكتاب جوانب من سيرته تظهر فيها قوة القلب، والفروسية، وبعد النظر، والحرص على العدل والرحمة، والاعتزاز بالنفس والإرث، وسلوك دروب الكرم حتى مع ضيق ذات اليد. ليس بغريب أن يترحل أمير الغزو المقدام عن الدنيا باكرًا؛ لكنه خلّف وراءه سيرة متداولة فيها أخباره ومواقفه، وفيها إنصافه وأناته، وفيها تعاونه ومؤازرته، وفيها أشعار قيلت فيه وعنه إبان محياه العزيز، وعقب رحيله الفاجع، ولا غرو فهو ذعار الخيل، والفارس الجسور، والأمير الحكيم.
عاش الأمير صالح حياة مليئة بالأحداث؛ إذ شاهد مصرع أبيه ثم شقيقه علي في معركة المليدا التاريخية عام (1308)، ولم يغفل حينها -مع هول الواقعة- عن إشهاد من حضر على تأخر وفاة الشقيق عن الأب حفاظًا على حقوق ذريته من الميراث. ثم عاصر الشاب صالح بن زامل خروج أسرته من ديرتهم، وسكناهم في الكويت، وما جرى لهم هناك من مشاركات حربية، ومساومات على بقائهم واستضافتهم، إلى أن شاء الله أن يعود إلى نجد مع فرسان القصيم بعد سنوات قليلة من معركة الصريف التي وقعت عام (1318) وهزم فيها جيش ابن صباح أمام جيش ابن رشيد، ويلتحق بجيش الملك عبدالعزيز حتى استطاع مع آخرين استرداد عنيزة في سنة السطوة أوائل المحرم عام (1322).
فظلّ الأمير صالح وفيًا للبيعة التي في عنقه للملك المؤسس عبدالعزيز، ووفيًا لابن عمه وكبير أسرته أمير عنيزة عبدالعزيز العبدالله السليم؛ حتى لكأنهما يعيدان حال أبويهما معًا، حينما كان والد الأمير أميرًا على عنيزة، ووالد أمير الغزو أميرًا لغزوها قبل أن يصبح أميرًا عليها، وكان بينهما تقاسم واضح للأدوار إذا افترقا وإذا اجتمعا، وفي عنيزة التزم الأمير عبدالعزيز جانب الشدة لتثبيت الحكم المسترجع، وانتهج الأمير صالح مسار القرب من الناس موازنة للحال، وتمهيدًا لخلافة ابن عمه على الإمارة، وهكذا تصنع سلالات الحكم.

إن هذه الإمارة التاريخية لعنيزة، المتسلسلة في أسرة “آل سليم”، لتؤكد عمق الروابط التاريخية مع بيت الحكم السعودي، وهو الأمر الذي عرفه الملك عبدالعزيز لعنيزة التي رفضت عدة مرات فك الارتباط معه حتى في ساعات العسرة وتكالب العدى عليه، وهو رفض اتفق عليه أمراؤها، وأهل الرأي والحرب، وعامة أناسها، ولم يبالوا بما ذهب إليه غيرهم، ولم يلتفتوا لترغيب أو ترهيب، حتى أضحت عنيزة ركيزة في تثبيت الواقع الجديد، وقمع أي تمرد أو زيغ عن طريق الخلاص من البطش والظلم، ونأت بنفسها عن التقلّب وتبديل الولاء.
لأجل ذلك شاركت عنيزة مع الملك عبدالعزيز في معاركه بالرجال والمال، وكان غزو عنيزة بقيادة الأمير صالح بن زامل من أقوى “الكتل” في جيش الرياض، حتى خصهم الملك عبدالعزيز بالسلاح، والتشاور، والنزول عليهم في مدينتهم، والأمن عندهم، وإخبارهم بالمستجدات والأسرار، والإصهار إليهم. لقد كانت علاقة الملك عبدالعزيز مع عنيزة، وأميرها، وأمير حربها، ورجالاتها، علاقة خاصة جدًا، وأحد عوامل الانتصار في معارك حاسمة وقعت على أرض القصيم ابتداء من السطوة، فالبكيرية والشنانة، ثمّ روضة مهنا وما تلاها. وبذلك أصبح الأمير صالح، وجيش عنيزة، فاعلًا مؤثرًا في المعارك والميدان الحربي حامي الوطيس الذي استهدف استرجاع الحقوق، ونشر الأمن، وحماية الضرورات.
وعندما شاء الله أن يقبض روح أحد أشهر أمراء الغزو في تاريخنا المحلي إليه، جعل نهايته شجاعة مشهودة في معركة أقبل عليها غير هيّاب، وحين وقع كسيرًا مصابًا بوابل من الرصاص، رفض أن ينجده أصحابه كي لا يكون سببًا في مقتلهم جميعًا، وهو موقف شهامة وإيثار وبأس قلّما يكون مثله. وبعد أن شاع خبر وفاته معركة جراب التي وقعت عام (1333) مع جيش حائل، تكدّر خاطر الملك عبدالعزيز، وحزن أمير عنيزة عبدالعزيز العبدالله، وتشاركت معه في الحزن بلدته بشعرائها، وأهلها.
ومن أنباء الرحيل المؤلمة، أن الأمير احتضن نجله الوحيد زاملًا قبيل خروجه إلى المعركة الأخيرة، وبادله الابن ذو الأحد عشر عامًا الاحتضان الوداعي؛ فكأن كل واحد منهما شعر بقرب حلول لحظة الفراق الثقيلة. ومن مؤلم الأنباء أن أرملته منيرة الأحمد الذكير لم تصدق خبر مقتله، فواظبت على الخروج شهرًا ترقب عودته، حتى جاء من شهد على مماته مخبرًا بأنه دفنه بنفسه، فدخلت الزوج المكلوم في حدادها، وأبت الزواج بعد أبي زامل، مع أنها كانت إبان ترملها دون الثلاثين من عمرها، وعاشت بعد ذلك ثمانية عقود تقريبًا. لقد كانت المنيرة شموسًا صبورًا، وفية بتلهفها وانتظارها، باسقة شامخة بقصرها النفس على ذريتها من زوجها الراحل مبكرًا. لقد كانت مثالًا حيًا على باكية تهيج البواكيا!

رحم الله أولئك الأبطال الراحلين بلا مثنوية، وتجاوز عنهم. لقد كانوا نماذج تجلّي حقيقة إنسان هذه البلاد بما فيه من صبر وتجلد، بما فيه من بسالة ومضاء، بما فيه من شهامة وكرم، بما فيه من محاسن ومحامد، وتثبت مشاركاتهم المهمة في بناء الدولة، وتقوية دعائم قيامها. وإن هذه السيرة لواحدة من السير المهمة التي تحكي لنا قصص رجال غرسوا أسماءهم في الذاكرة المجتمعية، وتركوا لهم في الباقين ذكرًا خالدًا، وأحاديثَ باقية، وأخبارًا قابلة لأن تنطق وتستنطق، وتكمل صناعة سردية متماسكة لتاريخنا.
الرياض- ليلة الأربعاء 02 من شهرِ شعبان عام 1447
21 من شهر يناير عام 2026م