ينتمي معالي الشيخ سليمان بن عثمان بن فالح الفالح (1358=1939م) إلى بيت علم وفضل في بلدته الزلفي الواقعة شمال العاصمة الرياض، وقد درج في هذا البيت العلمي المتفضل، تحفه الجدية والصرامة، إضافة إلى ما تمتاز به بيئة الزلفي من خصائص جعلت هذه البلدة لافتة في المكان والإنسان، وفيها ما يميزها عن جوارها الجنوبي القريب، وعما يجاورها شمالًا، وهو باب من العلم يستحق الدرس والتحليل من زاويتي علم البلدان، وعلم الإنسان ” الأنثروبولوجيا”.

جبل أبو نايف على الكرم والنفع العام وجلب السعادة للغير منذ بواكير النشأة، وتلك أمارة على أصالة الجذور وطيب المنابت، وهي التي جعلته يبحث في حر الهجير واشتعال رمضاء الصيف عن أي غريب منقطع كي يستضيفه في منزله بالزلفي. وتوجه منذ يفاعته لمجالس الكبار يجالسهم وينصت لأحاديثهم ويتلقى عنهم السمت والخبرة، ويجتهد لتحصيل ذلك بشراء الشاي وصنعه للكبار حتى يقتبس منهم وهو في عمر أبنائهم أو أحفادهم، وتلك حكمة مبكرة، وبادرة تشير إلى نفس تبتغي معالي الأمور، وتأنف من سفاسفها.
وقد أمضى الشيخ حياته مع العلم متعلمًا ومعلّما، فدرس في الكتاتيب والمدارس والمعاهد العلمية التي يضارع المتخرج فيها الجامعيين ومن فوقهم في زماننا. ثمّ درس في كلية الشريعة وتخرج فيها عام (1379=1960م)، ومن زملاء الدراسة أسماء بارزة مثل الشيخ صالح اللحيدان، والشيخ عبدالمحسن العباد البدر -رحم الله الأموات من المذكورين هنا، ووفق الأحياء لكل خير-. ومن تميزه أن طلب منه الشيخ عبداللطيف بن إبراهيم آل الشيخ التدريس في المعهد العلمي بالأحساء فور تخرجه، وأسندت إليه مهمة -تعليمية وإدارية- في معهد عنيزة، وللقارئ أن يتصور آثار هذين البلدين -الأحساء وعنيزة- بما فيهما من مجالس ومدارس وتنوع ورجال علم وتاريخ وفكر وأدب ودولة، على فتى الكهول، وهو -آنذاك- شاب متوقد الذهن، متفتح الأفق، طلعة لكل مفيد!

وفيما تلا ذلك مارس التدريس في معهد الرياض الذي سبق أن التحق به الشيخ الفالح طالبًا، وأخيرًا أدار معهد الزلفي العلمي الحديثة نشأته، وهي عودة منه لخدمة بلدته وأهلها، في باب نشر العلم، وتوسيع نطاق التعليم الرسمي، وله فيها ذكريات علمية وثقافية مع الأجيال الأولى التي درست وتخرجت في المعهد، وهم يدينون لشيخهم بما وفقه الله إليه من فضل وإجادة في التعليم والإدارة وإشعال جذوة الحماسة الثقافية والأدبية فيهم. لقد جم عالشيخ حقًا بين الوقار في شخصه، والعطاء من نفسه، وهو مزيج نفيس له عبق وزكاء.
ثمّ بعد سنوات قضاها في مجال التعليم ببلدته انتقل إلى العمل في وزارة الداخلية في الثمانينيات الهجرية = الستينيات الميلادية، وتدرج فيها موظفًا فمديرًا لإدارة التفتيش -الحرجة- حتى نال ثقة وزرائها وأكابر موظفيها من أبناء الأسرة الملكية؛ ولذا أصبح نائبًا لهيئة التحقيق والإدعاء -النيابة العامة حاليًا- فور تأسيسها الذي شارك فيه وفي بناء هذا الجهاز الجديد، ثمّ كلف برئاسة الهيئة- النيابة- عقب تقاعد رئيسها الأول الشيخ محمد المهوس، وأصطفاه وزير الداخلية الراحل الأمير نايف بن عبدالعزيز -رحمه الله- ليكون مستشارًا له.

ليس هذا فقط، بل كلّف الشيخ من قبل وزير الداخلية بأن يقوم بعمل أمير منطقة جازان أربع مرات خلال سنوات 1410 و1412 و1415 و1426، ولهذا التكليف دليل على عظم ثقة ولاة الأمر بالشيخ، وعلى تمكنه وأهليته، وحسن إدارته لطبائع الناس وتعامله مع واقع المجتمع، وعلى فهمه للأنظمة والمطلوب من هذا المنصب الحساس؛ فإمارة أي بلدة تستوجب في صاحبها خصائص وسمات وقدرات، فكيف بإمارة منطقة كاملة بما فيها من مدن وقرى وقبائل وتداخلات؟

وللشيخ مع المجالس والاستضافة صلة عريقة، ارتضعها في صغره، ونمت معه في شبابه، ثم تكاملت فيه إبان كهولته، ومجلسه المفتوح العامر من أقدم المجالس الموجودة، والضياف فيه متنوعون، والأحاديث نافعة، بلا تكلّف ولا سرف ولا تباين طبقي، وهو يحرص على إكرام أي زائر ومشارك، ويفرح بتنوع الحاضرين في الاهتمام والانتماء المكاني والقبلي، ويدعو للمجلس من يحب دون رجاء مصلحة، حتى أن مسؤولًا كبيرًا -فيما يروى- قال له حين دعاه: لقد تقاعدت من منصبي! فأجابه: هذا مما يرغبنا فيك أكثر وأكثر.

كما حبى الله الشيخ بعلم شرعي ولغوي، واطلاع ثقافي، ومتابعة للواقع، وزاد أن أعطاه هيبة في المنظر، وصرامة في الملامح، تكاد منها القلوب أن تنخلع، لكن هذه الصبغة الربانية لم تمنعه من لطيف المعالجة للأمور، وهي معالجات زانها أدب القول، وحسن التأتي، وتبصر بالمالآت، وتوقير للمرجعيات الشرعية والنظامية والإدارية، ولا ينقصها محض النصيحة الخالصة من محب لأناسه وبلاده، معتز بدينه وتراثه، وهذا من جملة أسباب صيّرت شيخنا حقيقًا بأن يوصف بأنه رجل دولة عريق ذي تكوين متين من علوم الشريعة والأدب والتاريخ، مع خبرة إدارية عميقة، ومعرفة بالحال والرجال، وذكاء وبعد نظر.
كذلك عرف عن الشيخ الصلة الطيبة مع أقاربه وأشياخه، والوفاء لمن عمل معه سواء أكان رئيسًا أم مرؤوسًا أم زميلًا؛ ولذا يثني على تلكم الرفقة والصحبة بما تستحقه، ويكتب عنهم كلمات ثناء صادق خاصة بعد رحيل بعضهم إلى الله والدار الآخرة، ولا يأنف من إجابة دعوات حتى صغار موظفيه، وربما حضر في اليوم الواحد عدة مناسبات، وهو صنيع -أقسم لكم غير حانث- يعجز عنه الشاب الخلي من صوارف العمل والأسرة والمجتمع، فكيف بشيخ مثقل بالمسؤوليات وغيرها، وإلى استجابته للدعوة، واللقيا به تشرئب أعناق، وتهفو نفوس؟

وللشيخ التفاتة جليّة لخدمة الآخرين قدر وسعه؛ ولذلك لم يبخل على موظفيه بالمساندة حتى أتموا الدراسة العليا وأصبحوا أساتذة في الجامعات. وعند الشيخ نفس رفيعة لا تأبى الحديث مع الصغار كما لو كانوا كبارًا، وهذه خصلة ربما فقدها آخرون ممن أنعم الله عليهم بشيء من الوجاهة، والموفق من تواضع ليسمو. ولا يخفى على متابع حرص الشيخ على بلدته الزلفي، ودعمه للمشروعات النافعة فيها، ووقوفه على رأس مستقبلي زائريها من الأمراء والوزراء والأعيان والمسؤولين. حفظ الله الشيخ وأمتع به؛ فهو مثال لعالم الشريعة الأديب المثقف، ونموذج لرجل الدولة العريق، الذي يحمل عظائم الأمور بلا تراخ ولا تهاون؛ بل يأخذ الكتاب بقوة يصح أن تغدو للآخرين نبراسًا وقدوة.
الرياض- الأربعاء 19 من شهرِ جمادى الآخرة عام 1447
10 من شهر ديسمبر عام 2025م
2 Comments
ما شاء الله تبارك الله
أفدت وأجدت
أسأل الله لك التوفيق والسداد
وأن يحفظ الجميع
آمين وشكرا لكم يا سليمان