إنه لرباط وثيق للغاية ذلك الذي يربط بين خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود -حفظه الله ورعاه-، وبين القرآن الكريم. هذا الارتباط أتى أولًا من دين الإسلام، ثمّ من العروبة والعربية، وكذلك من الجزيرة العربية التي سطع منها نور الكتاب العزيز على البشرية، وهي روابط متكررة بين أهل هذه البلاد الطيبة المباركة الذين يشتركون في الدين، واللسان، والمكان، وهي روابط تعزز هذه العلاقة وتزيدها متانة.

ثمّ زادت هذه الروابط باهتمام الأسرة الملكية السعودية منذ القدم بالقرآن الكريم، وهو اهتمام محفوظ من أيام الإمام المؤسس محمد بن سعود فمن بعده من أئمة وملوك وأمراء. تمثل هذا الاهتمام بالتلاوة والختم واصطحاب الحفاظ والقراء في السلم والحرب، وإحياء الشعائر القرآنية في المساجد والمواسم، والتأثر به وتحكيمه. وقد تعاظم الاهتمام بعد احتضان الدولة وأئمتها للشيخ محمد بن عبدالوهاب ودعوته الإصلاحية، وما تبع ذلك من تبني خدمات جليلة للكتاب العزيز، ورعاية لأهله على أيدِ الأئمة والملوك والأمراء، وهي روابط شائعة بين أفراد الأسرة الملكية العريقة.
لكن الملك سلمان -أمتع الله به- اختص بمجموع من العلائق النفيسة مع القرآن الكريم منذ نشأته الأولى حتى تبوأ ملك البلاد؛ إذ ختمه في مدرسة الأمراء عام (1364)، وأقيم له احتفال كالمعتاد في هذه المناسبة الشريفه بحضور ولي العهد الأمير -الملك- سعود نيابة عن والده الملك المؤسس. وقد أدار مدرسة الأمراء بقصر المربع الشيخ الحافظ عبدالله خياط أحد أئمة الحرم المكي، كما كان “سلمان” في منزل أبويه يخطر بين يدي الأب صاحب الخلوات والتلاوات الخاشعة، وعند والدته الأمير حصة الأحمد السديري التي تدارسته في كتّاب نسائي بالأفلاج، ولذلك فهو يتلقى منهما الحث تلو الحث من أجل تمكين صلته بالقرآن.
يضاف لذلك أن الملك سلمان تولى الرئاسة الفخرية لجمعية تحفيظ القرآن الكريم بالرياض منذ تأسيسها عام (1386) إبان إمارته التاريخية للرياض مدة نصف قرن، وواظب على حضور احتفالاتها السنوية في سنّة مبكرة لم يسبقه عليها أمير منطقة، ولم يماثله فيها أحد، بل لم يتخلّف عنها إلّا مرتين رافق فيهما شقيقيه الملك فهد والأمير سلطان إبان مرضهما، وخضوعهما للعلاج خارج المملكة، وفي ثالثة تأجل الحفل بسبب ارتباط الأمير بموعد افتتاح مدينة الملك فهد الطبية، وهو موعد لا مناص من حضوره مع ولاة الأمر، وكان تأجيل حفل الجمعية هو الإجراء الأيسر، مع التلطف مع الجميعة وإدارتها لتحقيق هذا المطلب.

ليس هذا فقط، بل شارك “سلمان” وهو أمير للرياض في افتتاح أول معهد للقرآن الكريم بالعاصمة عام (1402)، ورعى ملتقيات قرآنية، وتبنى مسابقة محلية للطلبة والطالبات حملت اسمه الكريم، وتقدم الفائزون فيها على غيرهم في عدة مسابقات دولية، ونالوا من التشجيع السلماني المميز ما يذكر ويقتدى به، فمن ذلك استضافتهم في الإمارة والقصر، وإسناد مهمة تلاوة آي الذكر الحكيم في مفتتح اللقاءات لهم، والثناء عليهم في كلمات وتوجيهات محفوظة. ومن الاهتمام الملكي بالقرآن تتبع مخطوطاته ونسخه النادرة، وصيانتها في مركز خاص يتبع لدارة الملك عبدالعزيز.

كما وقف الأمير الحاكم سندًا لجمعية تحفيظ القرآن الكريم بالعاصمة “مكنون”، وعرف ذلك كل أحد عمل حوله أو بعيدًا عنه، حتى ظفرت الجمعية من الكافة بالإجلال والمسارعة إلى الخدمة تأسيًا بالحاكم، وكيف لا يكون الأمر على هذه الصورة البهية والشيخ عبدالرحمن الفريان -وهو الرئيس الأول للجمعية- يفزع إلى “سلمان” كلما حزبه أمر يخص الجميعة، ويعلن بتصريح واضح أن الإجابة على مكاتبات الجمعية تصل من قبل الأمير الحكيم بسرعة دون إبطاء.

أما التبرعات المالية من مقامه السامي لصالح القرآن الكريم ومشروعاته فهي أعمال مستمرة، والمعروف منها أنه يتبرع سنويًا لهذه الجمعيات في الرياض وغيرها، ويحث التجار على ذلك، ويقول لمسؤولي الجمعية: لكم زكاة جاهي من أجل القرآن، وهي كلمة تدل على مكانة الكتاب المقدس والأعمال الخاصة به لدى الملك. من تبرعاته أنه منح أرضًا كبيرة لإحدى الجمعيات، وبنى مقرًا لأخرى، وتكفّل بقيمة مشروع ضخم لثالثة يهدف لتعليم الكتاب الحكيم عن بعد، وهو الباب العظيم الذي فتح للناس قاطبة من أجل تدارس كتاب ربهم، ومنها مشاركته في إكمال مبلغ مالي لشراء وقف لإحدى الجمعيات القرآنية.

هناك ما هو أعظم من المال، ذلك أن الملك سلمان حثّ أنجاله وأسرته -حفظهم الله- على خدمة القرآن، فعمل نجله الأمير محمد -ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء- عضوًا في مجلس جمعية “مكنون”، ورئيسًا للجنة الموارد المالية فيها وهو يعمل -وقتها- مستشارًا لوالده في إمارة الرياض، وأقام نجله الأمير سلطان مسابقة قرآنية لذوي الاحتياجات الخاصة ورعاها مدة عقدين من الزمان حضوريًا دون انقطاع، وأقام مشروع واحة القرآن الكريم بالمدينة النبوية حينما كان أمينًا لهيئة السياحة، وحظيت الواحة بمتابعة من شقيقه أمير المدينة حينذاك الأمير د.فيصل بن سلمان. وفوق ذلك فلحرم خادم الحرمين الشريفين جوامع فيها حلقات قرآنية، مع حرصها على رعاية الحفل النسائي لجمعية “مكنون”، وتشجيعها الدائم للخاتمات والمقرئات والموظفات بكلمات لا تنسى تستقى من معين الخطاب السلماني المعهود في المناسبات القرآنية.
ولم يحل الملك وعرش البلاد وما يلحقهما من مسؤوليات دون امتداد عناية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان -وفقه الله- بالقرآن الكريم، فساند الأعمال التعليمية في الجامعات والحرمين والمساجد والجمعيات، ورعى المسابقات الدولية، والتفت لمجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة حتى طبع في إحدى سنوات العهد السلماني رقمًا غير مسبوق يصل إلى عشرين مليون نسخة من المصحف الشريف، وقد ذهبت نسخ كثيرة مع الحجاج والمعتمرين، أو هدية للجوامع والمراكز، فمن منهج الملك أنه لا يذهب لمكان إلّا ويخدم مساجده بالمصاحف والتاثيث وغيرهما. ومن دقيق التقدير للكتاب الكريم أن أمر الملك سلمان بمنح الخطاط عثمان طه الجنسية السعودية في قرار ذي دلالة عظيمة.

كما كان من لطيف العناية الملكية بالقرآن الكريم، اختيار أئمة ذوي حفظ متقن، وأداء بارع، وأصوات خاشعة، لإمامة المصلين في الحرمين الشريفين بمكة والمدينة، فصلى خلفهما الملايين مباشرة، وتابع التلاوت عشرات الملايين وربما أكثر عبر القنوات والإنترنت، وهذا مما يزيد من تعلّق القلوب والعقول بالكتاب العزيز، ويسهل تداول مقاطع التلاوات اليومية، ويعرّف الناس بإحدى أهم القراءات القرآنية الواضحة اليسيرة، ويدفع المنصتين للبحث عن المعاني والدلائل والإشارات والحكم.

إن أكثر ما مضى في هذا المقال مستفاد من رسالة ماجستير مطبوعة عنوانها: جهود خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود في خدمة القرآن الكريم، تأليف: فهد بن منصور المحارب، صدرت طبعته الأولى عن دارة الملك عبدالعزيز عام (1443=2022م)، ويقع في (390) صفحة، ويتكون من تقريظ ومقدمة وتمهيد، ثم ثلاثة فصول فالخاتمة والملحقات والمصادر والمراجع التي بلغت مئتين، وأخيرًا الكشاف، علمًا أنه الإصدار رقم (411) ضمن سلسلة الرسائل الجامعية (56).

هذا طرف من أخبار خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان -حفظه الله ورعاه- مع القرآن الكريم، وهو الذي يختمه شهريًا وتتضاعف الختمات منه في شهر رمضان والله يتقبلها. ولأجل هذا الجزء المعروف من هذه الصلات الإيمانية أثنى عليها سماحة المفتي السابق الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ، وقال معالي رئيس مجلس الشورى د.عبدالله آل الشيخ في تقريظه للكتاب: “وإذا كان الحاكم من أهل القرآن فليعلم أن الله أراد بالأمة خيرًا”، وشهد معالي وزير الشؤون الإسلامية الأسبق أ.د.عبدالله التركي للملك الحاكم بالتفرد اللافت بهذه العناية، وحقيق بذوي البصائر والألباب أن يقتفوا دروب مآثره العبقة، ويتحينوا المسير في هذه المسالك المضيئة العطرة، خاصة أن الأخبار والصور الملكية تشهد وتخبر عن الكثير الكثير.

وإن هذه السيرة القرآنية لمقامه الجليل لمن أعظم الحوافز لغيره من ذوي القدرة بسلطة، أو جاه، أو مال، أو رأي، أو مهارة، كي يبادروا لتقديم شيء من الجهد والعطاء لأجل خدمة كلام الرب العظيم المجيد سبحانه، فوالله إن البركة لتحل على الوقت الذي يزاحمه القرآن، وتحلّ في الموضع الذي يتلى به، وتحل في المال الذي ينفق عليه، وتحل في عمر من يجعل جزءًا من نشاطه واجتهاده مصروفًا صوب الكتاب المهيمن، فهو الكتاب المبارك في ذاته وفي آثاره، والمبارك في نتائج إتباعه وطاعته وتحكيمه والاهتداء بأنواره وحججه التي لا يقترب منها باطل مهما عظم، ولا ظلام مهما تحالك، وفيه النجاة بالدنيا والبرزخ وفي الآخرة.
الرياض- الخميس 13 من شهرِ جمادى الآخرة عام 1447
04 من شهر ديسمبر عام 2025م
6 Comments
ما شاء الله
إضافة جميلة ومحيطة
جزاك الله خيرا
وزادك علما وفضلا
اللهم آمين ولكم الشكر
جزاك الله خير
آمين وإياكم
تزامن موفق
مع موعد تصفيات جائزة خادم الحرمين الثانية للقرآن الكريم، على مستوى المناطق.
شكرا لكم يا أ.أسماء والله يبارك في الجهود ويتقبل من خادم الحرمين الشريفين ومن جميع العاملين للقرآن الكريم