سير وأعلام عرض كتاب

وزارة الصحة في مذكرات الحجيلان!

كتب معالي الشيخ الوقور جميل الحجيلان مذكراته لتكون شاهدًا مجتمعيًا، وإدرايًا، وسياسيًا، وفكريًا، على قرن عاشه وعاصر أحداثه بأكثر من صفة. لم تكن تلك المذكرات مجرد بوح خاطر أو نفث مصدور، مع ما فيها من وصف للشعور وخوالج النفس المستخرجة من أعماقها البعيدة؛ بل قصد كاتبها -فيما أحسب- أن تغدو تلك السيرة الحجيلانية وثيقة بالشواهد على حقبة مهمة، صاغ نظمها قلم أديب، وبث معانيها عقل مفكر، وترك الطريق بينها وبين القارئ مفتوحًا بلا حواجز؛ ولهذا كثرت الكتابة عنها، والحديث، وستبقى إحدى المعالم المهمة في المذكرات والسير السعودية والعربية.

وقد خصص الشيخ أبو عماد جزءًا من المجلد الأول للكتابة عن عمله وزيرًا للصحة بين عامي (1390=1394=1970-1974م)، وجاءت هذه السنوات بين صفحتي 579-658، وفيها ثلاثة وعشرون عنوانًا، مع عدد من الصور والوثائق. ومع أن هذا العدد من الصفحات قليل قياسًا إلى مجمل السيرة التي بلغت قريبًا من ألف وخمسمئة صفحة، إلّا أن فيها من العبر، والإلماحات المهمة التي تجبر المطلع على الوقوف عندها وتأملها.

من ذلك، الوصف الدقيق لطريقة معالجة الملك فيصل للأمور، ومن ملامح هذه الطريقة التأني والتأمل، وقلة الكلام، والتشاركية في الرأي مع المستشارين واللجان، وصم الآذان عن التهم الملقاة جزافًا، بل ونقضها عمليًا بمنح الثقة المضاعفة. ومن فوائدها أن الملك فيصل أجاب الحجيلان بكلمات مختصرة تعليقًا على بعض الأحداث، وهي أشبه بالتوقيعات التي تختصر في قليل من الكلمات المعنى المراد، ومن المهيب فيها لحظات الوداع الأخير بين الملك ووزيره، والكلمات الأبوية الوداعية، والمشاعر التي تصارعت في عقل الشيخ جميل ونفسه، فكتّمها ولم يبدها، وإن بدت على تقاسيم محياه، ولاحظتها زوجه الوفية المحبة المساندة له.

كذلك منها ذلكم الأمر الملكي الفريد السابق الذي صدر بتعيين الشيخ جميل وزيرًا للصحة، مع احتفاظه بمنصبه السابق وزيرًا للإعلام بالنيابة، ولم يتكرر هذا الأمر إلّا مع الشيخ هشام ناظر بعد عقدين في واقعة هي الأخرى فريدة. ومن لمحات هذه الصفحات الدقيقة أن الشيخ إبراهيم العنقري خلف الحجيلان على وزارة الإعلام، بينما أسندت وزارة الصحة بعده إلى د.عبدالعزيز الخويطر، وهما من هما، وفي ذلكم الاستخلاف دليل على المكانة العالية لرجل دولة يأتي بعده رجلا دولة كبيران عظيمان.

كما نجد فيما كتبه الحجيلان عن سنواته مع وزارة الصحة إشارة مهمة إلى سيادة النظام والقانون على أي اعتبار آخر، مع التوقير والتقدير للآخرين. من ذلك أن بعض الأمراء، والنافذين، حاولوا التوسط لأطباء كي ينقلوا لمدن أخرى، أو ينالوا استثناء خاصًا؛ فلم يستجب لهم، وقد تفهموا ذلك. ومنها موقف الثبات لأبي عماد حين رفض وصم وزارته السابقة وموظفيها بتبني الشيوعية، وما أيسر إطلاق التهم والتصنيف، وما أعسر الإثبات! وأيضًا يبرز فيها الموقف القوي تجاه محاولات بعض الأطباء استثمار الحاجة لهم فيما يخص الجمع بين العمل الحكومي والخاص، أو ادعاء تخصصات إضافية، أو طلب العمل في مكان دون غيره.

ومما نقرؤه في تلك الصفحات وصف الملك فيصل لوزارة الصحة بانها صعبة لكنه يتوقع أن الحجيلان لن يقصر، وقد وصفها الشيخ جميل بقوله: وزارة كالحة القسمات، مثيرة للهموم، داعية للتحدي، والصبر والتضحيات. الشكوى فيها ومنها لا تنقطع، لكنها ذات مردود إنساني، لا يضاهيها إحساس آخر بخدمة الوطن، في مرفق وثيق الصلة بحياة مواطنيه. ويتضح جليًا أن هذا المزيج من الخواطر هو شيء مما كان يجول في نفس الحجيلان، ويموج به مرة ذات اليمين فيفرح بهذه الخدمة، ومرات ذات الشمال فيخشى من عواقبها وثقلها وقلقها خاصة لرجل جاء يسعى ومعه عشرون عامًا من الدبلوماسية والإعلام والثقافة والفن، والفرق بين الوزارتين يشبه الزاوية المنفرجة، فما أعظم البون! يقول الحجيلان: جئت لوزارة الصحة وأنا إنسان لا يرحب برؤية الطبيب، ويكره تعاطي الدواء، ولا يطيق رؤية المستشفيات، وزيارة المرضى على أسرتهم. جئت وأنا أشد ما أكون جهلًا بكل ما يتصل بهذا الوسط النبيل.

أما طريقة عمل الشيخ جميل في وزارة الصحة، فيمكن تلخيصها باعتماد منهج العمل الجماعي، وعقد اجتماعات متوالية يومية مع أركان الوزارة، يكون الوزير فيها رئيس فريق يعمل متضامن، بعقل منفتح لكل الرؤى، مع إيمان عميق بأهمية الاتصال المباشر؛ ولذا فتح الوزير بابه لأي موظف، حتى لا يكون وكيل الوزارة صلة الوصل الوحيدة. وفي كل اجتماع تكتب نتائجه، وترسل نسخة منها لكل مشارك، ويتابع مكتب الوزير المهام المسندة المزمنة، حتى لا يدركها نسيان أو إهمال.

ثمّ طلب الوزير من الوكيل الدكتور هاشم عبد الغفار مسحًا دقيقًا عن المنشآت الصحية في المملكة قبل الشروع بزيارتها، مع حصر لميزانيات الوزارة في آخر عشر سنوات. وبادر الحجيلان بتنفيذ جولات تفقدية ميدانية، حتى لا يقع أسيرًا للتقارير، وكم في تقارير المسؤولين الأدنى لمن فوقهم من تزويق وتزيين لا تسنده الوقائع! استدعت هذه الجولات نوعًا من الغياب عن جلسات مجلس الوزراء، وقد استأذن الوزير من الملك، وبعد نهاية جولاته كتب تقريرًا صريحًا، وأرسله للملك فيصل، وفيه: “إن المواطن السعودي لن يُعنى، ولن يقدر كل ما يتحقق في البلاد من تطور في مجال التعليم، أو الشؤون الاجتماعية، أو المواصلات، أو أي مجال آخر، إذا تردد على المؤسسة الصحية في بلدته أو قريته ولم يجد العلاج المناسب لطفله، أو زوجته، لأن الصحة بالنسبة للمواطن مطلب يفوق في نظره كل المطالب الأخرى”، وتفاعل الملك مع هذه الصراحة آمرًا وزارة المالية بالتعاون مع الوزارة.

وكان من منجزات الحجيلان خلال سنواته القصيرة، تنظيم عمل الأطباء في القطاع الخاص، وابتعاث أول دفعة لدراسة الإدارة الصحية، وتصميم نموذج موحد لمستشفيات الوزارة، وتوحيد أجهزة المستشفيات، وجلب أجهزة الكلية الصناعية، ومحاصرة الكوليرا قبل انتشارها حينما رصدت بعض حالاتها في إحدى المناطق. ومنها القيام بحدب على موسم الحج، حتى أن الوزير منع هبوط طائرة قادمة من منطقة موبوءة بالكوليرا لأنها لم تلتزم بالإجراء المتبع قبل الوصول، ولم يخبر الوزير الملك عن تصرفه إلّا عقب إنهائه، وقد سأله فيصل: ألم يكن هناك حل آخر؟! فأجابه: لا، وكان رد الملك: لاحول ولا قوة إلّا بالله. أقف هنا لأقول إن الدرس من هذه الحكاية وأمثالها، هو أن المسؤول الأعلى لا يرتاح إذا كان من دونه يرجعون إليه بالمشكلة طالبين منه العلاج، بل يسعد المسؤول الواثق بنفسه من موظفيه ذوي القدرة على صنع القرار الصحيح وفق صلاحياتهم، ومن أعوانه ذوي القوة على انخاذ القرار والمضاء فيه بحكمة ورشد.

اعترف أبو عماد أنه كان مركزيًا بعض الشيء، وأنه عندما أصدر التعاميم الصارمة ظلّ يترقب أول مخالف لها ليوقع عليه العقوبة، ويصنع منه لغيره عظة، وقد ذهب “فريسة” لهذا الترقب بعض المسؤولين والأطباء. وأخبرنا القانوني الحجيلان أن دارس القانون إذا أحب دراسته جعل من الإدراك العام سبيله للعمل والحياة، وهذه كلمة نفيسة بعيدة المغزى. ومن قصص هذه المدة إصابة نجل الوزير بمرض، والتدبير الإلهي خلف إصدار قرار ابتعاث د.محمد المفرح، والوهم المزلزل بإصابة الحجيلان بالسل نتيجة خطأ في التحليل، وأشياء أخرى.

من أبهى مواضع السيرة، قصة برنامج “الطب والحياة” الذي قدمه للتلفزيون السعودي سنوات متوالية د.زهير السباعي. تبدأ القصة حينما شاهد الحجيلان السباعي خلف الشاشة، فلمح فيه وسامة الرجال، مع حديث علمي بطريقة تقترب من الهمس، ويمتلك صاحبها مهارة العرض السلس والمتسلسل في طرح الأفكار بلغة فصيحة مفهومة. وعندما جمع الحجيلان بين وزارتي الصحة والإعلام استضاف السباعي وعرض عليه الفكرة وأقنعه بها، وتبين صوابها وجدواها بعد التنفيذ وإقبال المشاهدين عليها؛ ولا غرو فالتجارب أثبتت أن الحاسة الإعلامية لدى الشيخ جميل عالية جدًا. ليس هنا مربط الفرس؛ بل حين كتب الحجيلان ما معناه: أنا متأكد لو أن الشيخ حسن آل الشيخ وزير المعارف ووزير الصحة المكلّف شاهد د.زهير وحلقته عن البلهارسيا لعهد إليه بهذه المهمة، والبهي في ذلك أن جميل نسب الفضل المتوقع لسلفه حسن لو تمكن من المشاهدة، وهذا سمو ورقي قلّ وجوده بين الأقران، وهو نادر بين من تعاقبوا على منصب واحد.

لقد كتب الشيخ جميل في مذكراته فصول النشأة الأولى بدفء وحنان وبعض المرارة، ثمّ سطر مرحلة العمل الأولى بنشاط حتى أطبق عليه الكدر والغم في كراتشي وطهران، لكنه عاد منتشيًا إلى الكويت، ومنها إلى عالم الصحافة والإعلام التي كتبها بحب وتفان لافت، وفيما بعد أبان لنا عن عشقه للعقود الفرنسية، والتحدي في الأمانة الخليجية، وقبلهما خطّ بقلمه تجربة فيها الخوف والشفقة حينما قضى أعوامًا في وزارة الصحة؛ تلك الوزارة التي أطل منها على كل بيت تقريبًا في شأن حيوي مركزي يقاوم الألم والوجع، بعد سنوات من إطلالته المجتمعية العامة من نافذة إعلامية ذات أضواء وصخب ومتع. ما أكمل السيرة التي تطرب الناظر، وتفيده، وتجعله يقرر العودة إليها مرددًا ما أجمل العودة إليه!

ahmalassaf@

الرياض- الأحد 11 من شهرِ جمادى الأولى عام 1447

02 من شهر نوفمبر عام 2025م

Please follow and like us:

2 Comments

  1. مقالة تنبض بوقار الكلمة ..
    وصدق التوثيق ..
    تستدعي عبق التاريخ ..
    لتمنح الحاضر وعيًا متجددًا ..

    كتبها الأستاذ العسّاف ..
    بروح المؤرخ وأدب الأديب ..
    فغدت صفحة خالدة ..
    في ذاكرة القلم والفكر .

    دمتَ يا أستاذي تكتب لا لتسرد أحداثًا ..
    بل لتنير العقول بما وراءها ..
    من دروسٍ ومعانٍ سامية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

X (Twitter)