أيّ كتاب هو الأكثر طباعة في المملكة؟ وأيّ كتاب سعودي بيعت منه نسخ أكثر من غيره؟ هذا سؤال جميل يرد خاصة مع مواسم معارض الكتب. الإجابة الصارمة عنه صعبة عليّ؛ فلا توجد إحصاءات موثقة، وبعض دور النشر تعلن أرقامًا لا تخلو من مبالغة، وربما طبعت ألف نسخة من كتاب ووزعتها على عشر طبعات! وهي حيل تسويقية معروفة. يضاف لذلك أن عبارات الأكثر مبيعًا ليست دقيقة، وقد تدخل فيها رغبات وأهواء. من نافلة القول وجود فرق بين الأكثر طباعة، والأكثر بيعًا، فليس كل مطبوع مبيع بالضرورة، ومن النافلة أن هذه الأكثرية لا تنفي العمق والنفع عن كتب لم تفز بها.
بناء على ذلك، لا يستطيع أحد أن يجزم بأن الكتاب الفلاني هو الأكثر حضورًا في المشهد الثقافي والعلمي السعودي، فهذا الأمر ليس مجالًا للرأي كما لو كان الحديث عن كتب مؤثرة أو هي الأفضل؛ لأنه رأي لا يمكن الحجر عليه حتى لو خالفه فئام من الإنس ومن الجن كذلك! ولأن هذا هو الواقع، فقد ركنت إلى سؤال ذوي العلم والخبرة بالنشر والمكتبات، وبعض التتبع، وشيء من المعرفة والانطباع، وغلّفت ذلك كله بالإشارة إلى أنها معلومات أوليّة لا برهان عليها، وبالتالي فلن أقاتل بغية إثباتها، وآمل أن يكون هذا الاحتراز واضحًا لدى القارئ، وبه يجاب على أيّ استدراك أو اعتراض.
أول حقل يبادر إلى الذهن فيما يخص الكتب الأكثر طباعة، والأكثر تداولًا، هو حقل الكتب الشرعية، ولا غرو فالدين حصان رابح في كل مجال، ولذا يمتطيه -أحيانًا- حتى بعض من لا يرفع به رأسًا من أهل الزيغ والنفاق، وإنما غايتهم تحقيق المآرب، والتلبيس على الخلق، والله يحمي دينه وعباده وبلاده. من الكتب الدينية البارزة في هذا الباب كتاب “التوحيد” للشيخ محمد بن عبدالوهاب وبعض شروحه، وتيسير الكريم المنان في تفسير كلام المنان للشيخ ابن سعدي، وهو تفسير واضح مختصر، مأمون العقيدة، وملئ بالفوائد الإيمانية والتربوية.

منها كذلك كتاب فقهي صغير الحجم يوضح مناسك الحج للشيخ ابن باز، عنوانه التحقيق والإيضاح، وقد تكفّل الملك عبدالعزيز بطباعة أول نسخه وتوزيعها عام (1363). ولكتب الشيخ ابن عثيمين ظهور لافت خاصة شرحه الفقهي المستطاب “الشرح الممتع”. إن وجود مؤسسة تحمل اسم الشيخ العثيمين وتحافظ على إرثه العلمي وإرث شيخه ابن سعدي، قد ساعد كثيرًا على هذا الانتشار. ومن الكتب الشرعية السعودية التي طبعت ووزعت بأعداد ضخمة “حصن المسلم” للدكتور سعيد بن وهف القحطاني، ومثله قرينه الآخر الدعاء من الكتاب والسنة، ويشاركهما تفسير العشر الأخير وما تلاه من أحكام، وهو فكرة سعودية، وقد ترجم إلى عشرات اللغات، ونشرت منه ملايين النسخ، وتجاوز الحدود إلى أكثر من سبعين دولة. ولا يمكن نسيان كتاب التعبد والتأله للشيخ علي الفيفي بعنوان “لأنك الله”، علمًا أن كتب الأسماء الحسنى مرشحة لبلوغ مراتب عالية في الانتشار والشراء، وجلّ وعزّ شأن ربنا وتعالى، وتقدست أسماؤه وصفاته.


وفي التاريخ يبدو أن كتاب “عنوان المجد” لابن بشر قد سبق غيره، وهذا مفهوم لتفرد الكتاب ومعاصرة مؤلفه، علمًا أن دارة الملك عبدالعزيز لها جهد عظيم في نشر الكتاب التاريخي السعودي، وفي تسويقه بأسعار معقولة جدًا، ومن شبه المؤكد أن لديها أرقام نشر دقيقة لما صدر عنها. حديث التاريخ يأخذنا معه إلى السير السعودية، وأكثرها انتشارًا فيما أحسب “حياة في الإدارة” للدكتور القصيبي، ولو صحّ العزم منا لوجدت سير أخرى طريقها إلى الذيوع أعلى مما نالته، مثل “حياتي مع الجوع والحب والحرب” للأستاذ عزيز ضياء، و “خواطر وذكريات” للأديب إبراهيم الحسون، و “من سوانح الذكريات” للعلامة الشيخ الجاسر، و “مسيرة في عهد سبعة ملوك” للوزير الشيخ الحجيلان، وغيرها.


أما في شؤون المجتمع والنفس، فيتقدم غير منافس كتاب الشيخ د.عائض القرني “لا تحزن” الذي ترجم إلى لغات منها الصينية، وهذا يدل على أن الكتاب قد سطع في المشرق والمغرب. يقابل هذا الكتاب كتاب صغير الحجم لكنه جليل القدر عنوانه “الوسائل المفيدة للحياة السعيدة” ألّفه الشيخ ابن سعدي بعدما قرأ كتاب “دع القلق وابدأ الحياة” للمؤلف الأمريكي “ديل كارنيجي”. منها كذلك كتاب “الشخصية القوية” للأستاذ ياسر لحزيمي، ولا غرو فهو الذي تربع على عرش البودكاست عالميًا، وكتاب “المرحلة الملكية” للدكتور خالد المنيف. إن هذه الكتب جديرة بالترجمة والإشهار، فهي من ثمار عقول أبناء البلد وتجاربهم، وموضوعاتها مما تحتاجه البشرية دون استثناء.

ومن الكتب التي تكاثرت طباعتها “حراسة الفضيلة” للشيخ د.بكر أبو زيد، وهو كتاب علمي فيه نصح وإشفاق وغيرة، وبما أننا في سياق الكتب والشيخ بكر، فقد يناسب نقل ماروي عنه بأن أعظم كتاب بشري طبع في السعودية هو فتاوى ابن تيمية الواقع في سبعة وثلاثين جزءًا بعد أن جمعها العالم السعودي الشيخ عبدالرحمن ابن قاسم ونجله محمد، وهو كتاب ضخم حوى جلّ علوم ابن تيمية، وطبعت منه نسخ كثيرة وزعت لطلاب العلم والمتخرجين في كليات الشريعة، وهنيئًا لمن كان سببًا في الخير وميسرًا لطريق العلم. كذلك من الكتب المجتمعية كتاب الشيخ أ.د.صالح العايد “يظل الرجل طفلًا حتى تموت أمه”، وهو بوح حزين دامع تلّقاه الناس بالقبول والتداول؛ فأي فقد أمضّ من رحيل الأم؟!

كما ارتفع صيت روايات سعودية، وزادت النسخ المطبوعة منها، مثل خماسية “مدن الملح” للروائي عبدالرحمن منيف، ومن ضمنها رواية “شقة الحرية” للقصيبي، و “سقف الكفاية” للروائي محمد حسن علوان، “بنات الرياض” للدكتورة رجاء الصانع، و “أحببتك أكثر مما ينبغي” للروائية أثير النشمي، ولها روايات أخرى ذات عناوين جذابة، وسلاسل روايات أسامة المسلّم مثل “خوف” و “بساتين عربستان”، والمسلّم مؤلف وروائي تزدحم حوله الجموع في معارض الكتب العربية، وأعترف للقارئ بأني قرأت بعضًا مما سلف، ولم أقرأ بعضها؛ فلم يفتح عليّ في قراءة الروايات، إذ يمر العام تلو أخيه دون قراءة رواية واحدة على كثرتها عندي، وغالبها وصلني هدية دون شراء. إن بعض الروايات تظفر بالحظوة حين تطرق موضوعات سياسية، أو تخص المرأة والحب والمسكوت عنه مجتمعيًا، أو عندما تخوض في عالم من غموض الجن والسحرة والشياطين، وعلوم الأديان والمذاهب.


مما يحسن تكرار التاكيد عليه أن ما مضى أقرب للانطباع من البحث القائم على إحصاء، فالإحصاء غائب. ويجدر كذلك الإلماح إلى أن بعض الكتب تنال حظًا مقابل خمول غيرها، وقد تفوز بمساندة تجعلها ماثلة أمام العيون وفي المحافل لأسباب تعبدية أو فكرية. وأذكر في هذا السياق أن أحد المؤلفين السعوديين أبدى تذمره لأن الأثرياء” يحتسبون” في تحمّل طباعة الكتب الدينية، وكتبه وكتب زملائه لا تجد من يلتفت لدعمها، فقال له محاوره: هم يبحثون عن الأجر المفقود فيما تكتبه! ومن طريف ما قاله لي كتبي متابع أنه ما ذهب إلى مجلس إلّا ووجد فيه نسخة من كتاب عن شخصية وجيهة، والسبب يعود لنشاط أولاده في التوزيع والنشر.
إن القبول من الله، والله لا يجعله من الطيبات المعجلة لأصحابها دنيويًا، وإنما من عاجل البشرى. وأخيرًا فمن المهم الحرص على وجود نسخ من الكتب متاحة للبيع، أو مودعة في المكتبات الوطنية والعامة، أو محفوظة بصيغ إلكترونية شرعية؛ لأن الاكتفاء بالتوزيع ربما يحرم القرّاء منها، وبعضهم أحقّ ممن وصلته نسخة مجانية، ومصير الكتب التي تهدى فقط الاندثار والندرة غالبًا، وهذا المصير لا يرتضيه مؤلف لكتابه أبدًا.
ألا ما أسعد من تعب ونصب حتى ألّف وكتب، ثم صار لثمرة عقله وعلمه من المكانة والتأثير ما على مثله يغبط. إن الكتاب السعودي الرزين لحقيق بأن يطوف على بلدان العرب والمسلمين، بل العالم بأسره، فيُترجم، ويُعرض، ويُقرأ، ويُناقش، وهذا سيكون مع أيّ كتاب خالد أو في طريقه للخلود، فينفع الناس، ويمكث في الأرض، مستمدًا النور والبركة من السماء، تلك السماء التي تنزل منها كتاب مبارك، ووفق الله البلاد وقادتها لطباعة مئات الملايين من نسخه، وتوزيعها في أصقاع الأرض، وللحجاج والمعتمرين، حتى أصبح مصحف المدينة المطبوع في مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف موجودًا في كل دولة، وهذا لعمركم هو الشرف الأسنى، والفوز الأسمى.
الرياض-الثلاثاء 15 من شهرِ ربيع الآخر عام 1447
07 من شهر أكتوبر عام 2025م
2 Comments
مبدع كعادتك ماشاءالله تبارك🤲😍
وجزاك الله خيرا ان عرفتنا بايجاز عن كتب ومؤلفين عظماء
واعجبني
يظل الرجل طفلًا حتى تموت أمه
وخاتمة القول واجملت في ذلك هو المصحف الشريف وطباعته وعناية ولاتنا حفظهم الله له وهو والله نعم التوفيق وعظيم الأجر
فجزاكم الله خيرا ونفع بكم وبعملكم المسلمين وحفظكم من كل سوء 🤲😘
آمين وإياكم