رأيت في المنام البارحة، كأن معالي أ.د.عماد بن محمد بن عبدالعزيز العتيقي (1376-1447= 1956-2025م) يتحدث معي وهو بصحة جيدة، واطمئنان، ووجه مشرق. مما قاله لي: أنا طيب وبخير! فرحت بهذه الرؤيا غاية الفرح، وقررت مهاتفته -أو مهاتفة نجله عبدالعزيز- منتصف النهار للسلام والاطمئنان. التقيت معاليه مرة واحدة في داره بالكويت، وكان لقاء جميلًا لا ينسى، نهلنا من علمه وأدبه وسمته وفكره، وأكرمنا بضيافته وإهداء بعض كتبه.

لكن يشاء الله أن تردني هذا الصباح رسالة حزينة تنعاه، وسوف يصلى عليه اليوم الجمعة بعد صلاة العشاء في الكويت، فاللهم من جوار بيتك العتيق المعظم، من جوار المكان الذي انبثق منه نور الإسلام والعلم، من جوار الموضع الذي اجتمعت فيه أكرم أنساب العرب وأعلاها، أسألك أن تمن على عبدك الوافد إليك بالرحمة والمغفرة والقبول، وأن تجعله مرضيًا عندك، وفي أمن وسعادة برزخية، وأن تحسن العزاء لعائلته ولأسرته، ولأحبابه في الكويت والسعودية وأينما كانوا.

ينتمي هذا الرجل المبارك العماد العتيق إلى أسرة العتيقي، الأسرة العريقة جدًا، التي سافر بعض أفرادها من بلدة “حَرْمَة” بسدير وسط نجد إلى الزبير فالكويت. وهي أسرة علم وفضل وتجارة ومناصب، وموضع الثقة والاستشارة من الملك المؤسس عبدالعزيز، ومن سادات الأماكن التي حلّوا بها في الزبير والكويت. وقد اجتمعت فضائل هذه الأسرة كلها في أفذاذ منها، منهم البروفيسور عماد الذي ودعنا مخلّفا واحدة من أطيب السير المعاصرة لمن جمع العلم والعمل والرزانة والتاثير الحميد.

درس أبو عبدالعزيز الهندسة الكيمائية في الإسكندرية ثم أكمل دراسته العليا بأمريكا، وبرع فيها، لذلك اختير عضوًا في لجان كويتية عليا تخصها في البحث وفي العمل، حتى كان آخر منصب له هو وزير النفط ونائب رئيس مجلس الوزراء في الكويت عام (2024م)، وهو المنصب الذي استقال منه؛ فالرجل من كرام يأخذون الكتاب بقوة، ومن أباة يحملون الأمانة على أصولها، وحين شعر بصعوبة الأداء عليه أو حتى القضاء، قدم استقالته لأمير الكويت، فقبلت، وظلت الأسرة الحاكمة تتابع وضعه الصحي، وتزوره في أماكن الاستشفاء، وتستقبله عندما عاد للكويت بإجلال مستحق، واحتفاء لا يستغرب.
كما اعتنى معاليه بالتعليم إن إبان تدريسه بجامعة الكويت، أو برئاسة الجامعة الأهلية، وبأمانة مجلس الجامعات الخاصة الذي أسسه. وفي مسيرته التعليمية لمح طلبته منه الجدية والتميز والحرص عليهم والتحفيز لصاحب المواهب منهم، والتشجيع لمن ولي منصبًا ومسؤولية. ليس هذا فقط، بل حين افتتح جامعة خاصة أصر على تطبيق جودة التعليم فيها بمعايير صارمة؛ كي لا يغدو التعليم حمى مباحًا، وهو المجال الذي له قداسة وقدر كبير، فهو أمانة الحاضر، ومستقبل الأجيال والأمة، وتلك من معالم فكر راحلنا الذي لم يأسر نفسه للمال والربح؛ فصلاح التعليم وإصلاحه ضمانة للخروج من التيه، والتقدم خطوات إلى الأمام، حتى تصبح أمتنا هي الإمام لعالم يترنح في الضلالة.

ثم إن هذا العالم الجلد لم يقصر نفسه على العلم الذي تخصص فيه، ولا على العمل الذي شغل به، بل ضرب بسهم وافر مصيب عن تأهل وأمانة في علوم التاريخ والوثائق والأنساب. من أعماله البحثية ما يخص الكويت وقضائها، ومنها ما يبحث في وثائق أسرته، وأعلامها خلال ثلاثة قرون، وبعضها تتناول موضوعات تاريخية عن المنطقة. وقد حظيت أبحاثه بالتقدير والتأييد من مراكز علمية، مثل مركز البحوث والدراسات الكويتية، ودارة الملك عبدالعزيز بالرياض، وتسابقت المجلات الرصينة لنشر نتاجه العلمي الموثق المدقق بمعلوماته، والوجيه في تحليلاته.

وقد ألقى محاضرة علمية في دارة الملك عبدالعزيز بعنوان: الأنساب والحمض النووي، وأكد فيها وهو صاحب الاختصاص أنه لا يمكن من ناحية علمية يُركن إليها استخدام البصمة الوراثية والحمض النووي لإثبات الأنساب البعيدة. وهذا الرأي له مكانته المرجعية؛ فهو يصدر عن أستاذ في الهندسة والكيمياء، وخبير بالحمض النووي، وعن عالم في التاريخ والأنساب، وباحث فيهما بحثًا عميقًا، مع معرفة بما يحيط بهذا الأمر من حساسية، ومن عظيم الدعوى وربما البهتان.

وداعًا أيها العماد العتيق، فقد كنت عمادًا بصرامتك في العلم والتأليف والعمل والموقف الأخلاقي والمبدأي. وداعًا أيها العماد العتيق فلقد كنت عتيقًا حقًا وخير سفير لأسرة عريقة كريمة المنبت أصيلة المحتد عظيمة الأثر. وداعًا أيها الراحل عنا ليلة جمعة، والله يجعلها من دلائل حسن الختام لك بعد مرض دهمك وأخذ منك بهجة الأيام ولذاذة البحث. وداعًا بغصة حلق وكدر نفس أدركتني على فراقك أيها العماد العتيق، وداعًا عن بعد، ومن جوار البيت العتيق، فاللهم ألهم عبدك رشده حين يدرج في مثواه، ووفقه للصواب والجواب حين يأتيه الملكان، وتوله حينذاك كما توليته في دنياه التي سار فيها برشد وصدق.
الطائف- الجمعة 20 من شهرِ ربيع الأول عام 1447
12 من شهر سبتمبر عام 2025م
10 Comments
الله يرحمه ويغفر له ويسكنه فسيح جناته
كان باحثًا جادًا حريصًا على عمله
اللهم آمين
الله يصبرنا جميعاً على رحيله ويجمعنا به في عليين مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحبيبنا وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في الفردوس الأعلى من الجنة
آمين وأحسن الله عزاءكم
إنا لله وإنا إليه راجعون، رحمة الله عليه كان قطب رحى آله وجهوده لا تنسى ، والله نسأل له الرحمة وواسع المغفرة.
اللهم آمين
رحم الله العماد فقد عرفته عن قرب
وجزاك الله أوفى الجزاء على هذه المقالة الرصينة الممضخة بالوفاء والحر من راعى وداد لحظة
غفر الله له
جزاك الله خيرا و رحمه الله رحمة واسعة
اللهم آمين وأحسن الله عزاءكم أبا عبدالرحمن