سير وأعلام عرض كتاب

الشيخ زيد بن محمد آل سليمان: حياته وآثاره

وصلني عبر شفيع لا يرد، كتاب مفيد مهدى من محب عن بعد، عنوانه: الشيخ العلامة زيد بن محمد آل سليمان: حياته وآثاره (وثائق تنشر لأول مرة)، تأليف: عبدالله بن زيد بن مسلم آل مسلم. صدر هذا الكتاب عن دار التوحيد للنشر بالرياض، وطبعته هي الأولى عام (1427=2006م)، وعدد صفحاتها (240) صفحة، وهو مطبوع على نفقة الشيخ القاضي محمد بن سليمان آل سليمان (1346-1432)، وهذه حسنة من حسناته -رحمهم الله جميعًا-.

ولصاحب فكرة هذا الكتاب الشيخ القاضي محمد حسبما ورد في مقال للدكتور سعد بن كليب من القضاة العلماء، والدعاة الذين أسهموا بمساندة جمعيات تحفيظ القرآن الكريم بالمنطقة الشرقية، وممن له يد طولى بعمل الخير وبناء المساجد ونجدة الملهوفين، ومع أنه توفي بلا عقب بعد ست زيجات، إلّا أن سيرته حاضرة، ولعل الله أن يخلد بالمناقب الطيبة ذكره كما سعى لتأريخ حياة غيره، وإحياء مآثرهم. حوى هذا الكتاب سير عدة أعلام من أسرة آل سليمان، وعسى أن يكون هذا الاجتماع من بركة المترَجم، وإخلاص صاحب الفكرة وداعمها ماليًا، وصدق اجتهاد المؤلف.

يتكون الكتاب من المقدمة وتمهيد، ثم أربعة فصول يعقبها صور الوثائق، فالفهارس للآيات الكريمة، والأحاديث والآثار، وأخيرًا الموضوعات. انصرف المؤلف في الفصل الأول إلى ترجمة الشيخ زيد آل سليمان، وجعل الفصول الثلاثة الباقية خاصة بالرسائل، فالثاني فيه الرسائل الموجهة للشيخ زيد وعددها سبعة عشر رسالة، وفي الفصل الثالث أربع رسائل من رسائل الشيخ زيد والشيخ صالح الشثري إلى العلماء والقضاة، واختص الفصل الرابع بنشر رسائل الشيخ زيد الخاصة وأجوبته على المسائل وتعدادها ست رسائل. في هذه الرسائل علم، وحوار، وتاريخ، وأدب الخطاب والخلاف، وبيان للصلات والعلائق، والرسائل فن باق حتى مع تطور وسائل التواصل، والمهم هو الحفظ ونشر المناسب منها.

 ترجم المؤلف في الفصل الأول للشيخ وابنه وحفيده. أما الشيخ زيد بن محمد آل سليمان فهو من أسرة تنتمي لعائذ من عبيدة القحطانية، وولد في بلد “الحريق” في الثلث الأول من القرن الثالث عشر الهجري. طلب الشيخ زيد العلم صغيرًا على عدد من كبار علماء عصره، حتى تخرج عليهم في علوم الشريعة، وعده العلماء والقضاة والمؤرخون من العلماء المعروفين بنجد، الذين يُقتدى بهم، وتؤخذ عنهم الفتوى.

لم يقتصر الشيخ على العلم وحلق الدرس وما أجله من قصر للنفس عليها، وإنما شارك في بعض مغازي الإمام فيصل بن تركي، وبعد أن دانت نجد للأمير محمد بن رشيد تورع عن قبول القضاء في الحريق، لكنه تولى الخطابة في جامعها نيابة عن قاضيها، وكتب الوثائق، ودرس عليه جمع من طلبة العلم سواء من أسرته أو من بقية أسر الحريق ومن استوطنها، ورأيت في مسرد أسماء طلبته اسم عبدالله بن أحمد العجيري، ولعله الراوية ذو الحافظة العجيبة، الذي كان نديمًا للملك عبدالعزيز -رحم الله الجميع وغفر لهم-.

من أخبار الشيخ أنه يحضر قهوته معه إذا ذهب إلى مجلس أمير البلد كي يشرب منها ويستغني عن قهوة الأمير، ولم يقبل “المشلح” الذي أرسله الأمير له هدية، وردّ أربعًا من الإبل أرسلها له الأمير محمد بن رشيد وقال: أنا في غنى والحمدلله، علمًا أنه منهجه هذا زيادة في الورع، وقد وسع بعض العلماء السابقين قبول الأعطيات من السلطان. وكان من تواضعه أنه يحزن إذا سئل، مفسرًا لجوء الناس لسؤاله على أنه دليل على انقراض العلم والعلماء. ولم يفت على الشيخ أن يوقف بعض ماله ونخيله على المساجد، وعلى الصوام والمساكين.

وللشيخ عناية ظاهرة بالكتب وجمعها على صعوبة تحصيلها وندرتها، وفي مكتبه نسخ بخطوط علماء ونساخ، ومع أن المكتبة تفرقت بوفاته يوم الجمعة الرابع عشر من شهر ربيع الآخر عام (1307)، إلّا أنه أمكن تدارك بعضها ونقلت لمكتبات حكومية في الرياض، وأشرف الشيخ القاضي محمد بن سليمان آل سليمان بنفسه على تسليم بعضها لمكتبة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.

 ثم أضاف المؤلف ترجمة لابن المترجم الشيخ عبدالعزيز بن زيد المولود في العقد السادس من القرن الثالث عشر، والمتوفى عام (1347)، وقد كان يكتب الوثائق والمبايعات، وهذا باب من الاحتساب والإحسان نستطيع تصور فضل أصحابه إذا استحضرنا قلة عدد من يجيد الكتابة والقراءة في تلك الأزمان. وللشيخ عبدالعزيز ابن واحد اسمه عبدالله (1296-1392)، وله ترجمة لذيذة نلاحظ منها أنه كثير الأسفار لطلب العلم في حائل، ومكة، والهند.

وقد أجاد الشيخ عبدالله اللغات الهندية والفارسية، والتركية، وسافر من أجل الدعوة إلى إيران وأذربيجان وتركستان في وعي مبكر يستحق الانتباه. وفي رحلة العودة من جولته الدعوية، توقف بالعراق، ودرس على الشيخ محمود الألوسي. وسافر كذلك إلى الكويت والشارقة فمسقط، وحاول فتح محكمة شرعية في ساحل عمان بدلًا عن المحكمة الموجودة، وله معرفة عميقة بأنساب أهل الجزيرة وأهل عُمان بخاصة.

وتولى الشيخ عبدالله القضاء في البريمي، ثم انتقل إلى الدمام عام (1376) إلى وفاته بلا ذرية، وبها دفن. ومما اشتهر به الحافظة القوية، والبراعة في علوم الشعر واللغة والأنساب، والتدريس مع تولي القضاء، ومما يدل على قوة حافظته أن يقرأ مقدمة ابن خلدون من حفظه، وهذا الكتاب نفيس وإمام، وجدير بأن يكون له منزلة في الدرس الشرعي، وربما أن عناية الشيخ عبدالله بالمقدمة جعلت الأمير تركي بن عطيشان يثني عليه بأنه “جمع بين العلم والسياسة”.

‏  أما الرسائل في بقية الفصول فهي مذاكرت علماء، ومباحثات أقران أو طلاب مع أشياخ، وفيها من أدب السؤال والجواب والنصح الكثير، إضافة لما فيها من علم ومتابعة لبعض الحوادث التاريخية، وإيضاح لدواعي بعض الفتاوى والمواقف، وأكثرها رسائل من علماء كبار في المدرسة الشرعية النجدية. ومن لطيف ما فيها أن الإمام عبدالعزيز بن محمد أسند الفتيا للشيخ حسين بن الشيخ محمد بن عبدالوهاب عقب وفاة والده، وأن الأمير محمد بن فيصل قد استعار كتاب الطرق الحكمية لقراءته، وما أحرى كل ذي سلطة بالنظر في كتب السياسة الشرعية، فكم فيها من منجى، ومخرج.

إن هذا الكتاب من البر والإحسان المتعدد الأوجه، فهو بر بالتاريخ العلمي لبلادنا، وبر بمدرستها الشرعية والفقهية، وبر بأخبار علماء “الحريق” وطلبة العلم فيها، وبر من الشيخ القاضي محمد آل سليمان بأعلام نبلاء من أسرته، وبر بالقارئ حينما تقدم له مادة مفيدة فيها الوثائق التي تكشف أكثر من ملمح. هو بر بتجذير العراقة في مجتمعنا، وأسرنا، وإبراز محاسن أوائلنا. ألا ما أكمل البر، ألا ما أجلّ البر بالعلم وشؤونه.

ahmalassaf@

الرياض- الخميس 05 من شهرِ ربيع الأول عام 1447

28 من شهر أغسطس عام 2025م

Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

X (Twitter)