سياسة واقتصاد عرض كتاب

الاقتصاد الثقافي

مع أن المثقفين ليسوا من ذوي الحظ مع المال والثراء في أحيان ليست قليلة، إلّا أن الثقافة ذات اقتصاد رابح عريض وافر، وفرص استثمارية واعدة، وباب من المكاسب المادية والمعنوية معًا. هذا ما يحكيه لنا بعلم وخبرة هذا الكتاب الذي سأعرضه عرضًا سريعًا، آملًا ألّا يكون صنيعي معه مثل فعل صاحبنا -رحمه الله- الذي وقف على المسرح مؤديًا دور الشارح عن الهندسة الوراثية! ما قاله -غفر الله له- سوف أذكره داخل المقال بحول المولى.

عنوان الكتاب المقصود: الاقتصاد الثقافي ودعم الثقافة والإبداع في المملكة العربية السعودية، تأليف: د.عبدالواحد بن خالد الحميد. صدرت الطبعة الأولى من الكتاب عن مركز عبدالرحمن السديري الثقافي عام (1447=2025م)، ويقع في (224) صفحة مكونة من مقدمة، ومدخل، ثم تسعة موضوعات عن الاقتصاد الثقافي، وصناعة الثقافة، وتسليعها، وفشل الأسواق، والسياسات الثقافية، فالتجربة السعودية خاصة بعد إعلان رؤية المملكة (2030)، ثم إنشاء وزارة خاصة للثقافة في عهد الملك سلمان، وإصدارها لسياساتها، وأخيرًا الخلاصة والنتائج والتوصيات، فملحق فني، يعقبه المراجع العربية وعددها تسعة عشر مرجعًا، تتلوها االأجنبية التي تزيد عن السابقة بخمسة مراجع.

قبل الحديث السريع عن الكتاب، يحسن بي الحديث عن شريكين كبيرين فيه، أولهما مؤلفه، معالي د.عبدالوحد الحميد، وهو أستاذ جامعي متخصص بالاقتصاد، وكاتب مثقف مسكون بالأدب والإعلام منذ نشأته كما تجلى في سيرته التي ننتظر بقيتها، ولذلك وفق لكتابات كثيرة سكب على الجانب الاقتصادي الخشن منها عسل الأدب فغدت مستساغة طعمة، وقد ازدانت تجربته الفكرية والأدبية بالممارسة في أعمال حكومية عليا وكيلًا لوزارة المعارف؛ فنائبًا لوزير العمل، وخاتمتها عضوًا نشيطًا في مجلس الشورى. والشريك الثاني هو مركز عبدالرحمن السديري الثقافي؛ ذلكم المركز الوقفي القديم، المقصور على الثقافة وما يحتف بها، وله برامج ومشاركات ثرية نافعة، وآمل أن أتمكن من الكتابة المفردة عنه لاحقًا.

يتناول هذا الكتاب تحليل معنى القيمة الاقتصادية للثقافة مقابل القيمة الجمالية الفنية لها، وقد حفز المؤلف للكتابة والبحث ما لاحظه من شح في المكتبة العربية فيما يخص الاقتصاد الثقافي. وفي هذا الكتاب تعريفات ونظريات لأسماء عالمية كبيرة ذات اختصاص في هذا المجال، مع استعراض لتجارب عالمية في إيطاليا، وكوريا الجنوبية، وكندا، ثم محاولة عكس هذا الطرح العلمي على الواقع في المملكة بما يناسب.

حرص المؤلف على الكتابة بأسلوب قابل للفهم قدر الإمكان، وأبعد عنه التعقيد واللغة التخصصية؛ كي تتوسع قاعدة القراء والمستفيدين منه، علمًا أنها قاعدة فسيحة المساحة، لجمعها بين الاقتصاد والثقافة، والعمل الحكومي، والتجاري، وغير الربحي، إضافة للنفس البحثي الأكاديمي في المحتوى، مما يجعل الكتاب مرجعًا محببًا لدى الأكاديميين والجامعات.

ومما يخرج به القارئ من هذا الكتاب جملة من الأفكار والفوائد، منها أن الثقافة مورد اقتصادي مهم إذا صبر عليها، وأحسنت إدارته، وأن هذا المورد له نطاق واسع جدًا، يضم كل مادخل تحت تعريف الثقافة من قبل منظمة اليونسكو، ففيه المرئي والمسموع، والمحسوس والمقروء، والمنطوق والمكتوب، والمنحوت والمرسوم، والمتحف والمسرح والمكتبة، وفيه ما يسيطر عليه الإنسان وحده، أو تتشارك معه الآلة والأداة القديمة أو الحديثة بنصيب مفروض يزيد وينقص. وفيه ما يستهوي الشباب، ومنه ما يخاطب الكهول فمن فوقهم، وبعضه تتقاطر عليه العوائل، ولا يخلو من قسم يأنس به جنس أكثر من جنس، ولله في خلقه شؤون.

كذلك فللاقتصاد الثقافي محفزات حكومية وتجارية وغير ربحية، وسياسات حكومية تضبطه وتوجهه، وكلما كانت رصينة زاد تأثيرها الذي تُجنى ثماره المختلفة، ومنها إبراز الهوية الوطنية، وترسيخ العراقة، وزيادة الدخل، وصنع الوظائف، وجلب السياح، واستقطاب الاستثمار، وتعديل الميزان التجاري، والنفاذ للآخرين بقوته الناعمة الهادئة التي لا تقاوم، وإيجاد بيئة تنافسية يكثر فيها المبدعون، وترتفع عندها جودة الحياة، وتتوافر الخيارات، وتتنوع مخرجات الثقافة الأصيلة والمبتكرة فيها، خاصة إذا أدار هذا الملف الحيوي اقتصاديون مغرمون بالثقافة والفن والأدب.

إن التمييز بين القيمة الجمالية للمادة الثقافية وبين قيمتها الاقتصادية أصل مهم لمن يعتني بهذا الحقل الخصيب الذي يحتاج لصبر وتحمل؛ لذلك تسانده جل الحكومات في العالم، وتؤثر عليه التوجهات والخطط الرسمية، وتقوده للأجدى الدراسات الإحصائية، وكل ذلك في محاولة لبلوغ المعايير الخمسة لنجاح السياسات الثقافية التي وضعتها اليونسكو، وعلى رأسها أن تغدو السياسة الثقافية عنصرًا رئيسًا في إستراتيجية التنمية، وأن يعزز الإبداع والمشاركة في صناعة الثقافة، وحماية التراث، وتحقيق التنوع، وإتاحة الموارد.

حقًا إن الثقافة متقاطعة متداخلة مع الاقتصاد، وكم فيها من فرص للكسب بل والإثراء؛ لكن غالب المثقفين لم يوفقوا في هذا الباب، وغدوا جسورًا يعبر من فوقها “التجار” دون تقدير للمثقف أو ببخس بيّن ظاهر لمواهبه وقدراته، ومع ذلك فما أجمل الثقافة وعالمها، حتى لو شقي بصنعها أقوام، وظفر بأكثر رحيقها أقوام آخرون! ثمّ شكر الله لأستاذنا د.عبدالواحد هذا الكتاب، وآمل أني قد عرضته ليس على طريقة صاحبنا الظريف البسوم الذي شرح للجمهور أن الهندسة الوراثية نشأت بسبب كثرة العدوان على إرث المهندسين وضياع حقوقهم! رحمه الله، ورحم معه الكافة خاصة أهل الثقافة بلا اقتصاد.

ahmalassaf@

الرياض- الاثنين 02 من شهرِ ربيع الأول عام 1447

25 من شهر أغسطس عام 2025م

Please follow and like us:

2 Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

X (Twitter)