عمل عدد من أبناء الأسرة الملكية أعضاء في مجلس الوزراء الموقر، أو سفراء في عدة بلدان، أو فيهما معًا. أكبر حضور للأمراء الوزراء، وللأمراء السفراء، وللأمراء السفراء الوزراء، هو ما نشهده في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله-، في فصل من فصول عناية الملك سلمان بالدولة وفكرتها وتاريخها وحاضرها ومستقبلها ورجالاتها، وهو فصل مهم من مكونات السيرة العملية للمقام السامي، وحقيق بأن يكون جزءًا من تاريخ بلادنا، وتاريخ الإدارة الحكومية فيها.
يبرز لنا في تاريخ مجلس الوزراء أربعة أمراء جمعوا في سيرتهم العملية بين منصبي الوزير والسفير، وهم يمثلون عُشر مجموع عدد أبناء بيت الحكم من أعضاء المجلس حتى الآن. لهؤلاء الأمراء سجل عملي في السفارة إن قبل الوزارة أو بعدها، أو قبلها وبعدها كما سيتضح، علمًا أن حصر السفراء من الأمراء سيكون سهلًا بعد صدور النسخة المحدثة من معجم السفراء السعوديين الذي أشرفت على تأليفه مشكورة وزارة الخارجية، وحفظت فيه أسماء السفراء منذ القدم، وفيهم عدد من الأمراء الوزراء وغير الوزراء، ومن أبرزهم إضافة إلى الأربعة المحصورين في هذا المقال الأمير تركي الفيصل، رئيس الاستخبارات العامة الأسبق.

أول الأمراء الذين تنقلوا بين السفارة والوزارة -بين السفارة والوزارة عنوان كتاب جديد للأستاذ محمد السيف لم اطلع عليه بعد- هو الأمير طلال بن عبدالعزيز. يتميز الأمير طلال بأنه أصغر من سمي للوزارة سنًا؛ إذ عينه والده الملك المؤسس وزيرًا للمواصلات عام (1372) وعمره اثنان وعشرون عامًا؛ لأن طلال مهتم بالاتصالات وأجهزتها منذ صغره. والأمير طلال هو الوحيد من أبناء المؤسس الذي عمل سفيرًا لحكومته، والوحيد منهم ومن أعضاء مجلس الوزراء -فيما أعلم- الذي عمل سفيرًا للأمم المتحدة لتنفيذ إحدى مهماتها النبيلة.

كذلك فإن الأمير طلال هو الوحيد الذي عمل سفيرًا قبل الوزارة وبعدها، وعمل في وزارتين آخرهما وزارة المالية والاقتصاد الوطني، وعمل سفيرًا مرتين كلتاهما في فرنسا. والثاني من هذه القائمة الرباعية هو الأمير فهد بن الملك سعود الذي أصبح سفيرًا للمملكة في اليونان عقب أربع سنوات قضاها وزيرًا للدفاع والطيران، وهو أكبر أبناء الملك سعود، وله إسهامات في وزارة الدفاع وبناء القوات المسلحة.

ثمّ سُمي في عهد الملك سلمان اثنان من الأمراء السفراء وزراء وأعضاء في المجلس حتى الآن، أولهما هو الأمير فيصل بن فرحان الذي كان سفيرًا للمملكة في ألمانيا، ثم أصبح وزيرًا للخارجية، وهو الوزير الحالي والسادس للخارجية خلال تاريخها الأطول بين الوزارات كافة. كما صدر أمر ملكي بتعيين الأمير خالد بن سلمان بن عبدالعزيز وزيرًا للدفاع بعد أن أمضى سنوات من خدمته المدنية سفيرًا بأمريكا، وهو أول وزير دفاع تخرج في كلية عسكرية.

مما يناسب الإشارة إليه هنا، أن عدد من جمع بين السفارة والوزارة من أعضاء مجلس الوزراء، حتى الآن وحسب إحصائي، هو ستة وعشرون وزيرًا سفيرًا، عملوا بالتكرار في أربعين منصبًا داخل مجلس الوزراء، وسفراء في أكثر من ستين دولة. من هذه القائمة سبعة وزراء عملوا سفراء قبل الوزارة، وذهب إلى السفارة بعد الوزارة منهم عشرة وزراء، أما الذين عملوا سفراء قبل الوزارة وبعدها فعددهم تسعة وزراء، ويمتاز الأمير طلال، والدكتور غازي القصيبي، بأنهما عملا وزراء قبل السفارة، ووزراء بعدها.
إن ظاهرة التبادل بين منصبي الوزير والسفير، والانتقال بينهما، شائعة في جميع الدول، حتى غدت مثل العرف المستقر، بل أصبح من المعتاد في بعض البلاد أن يكون وزير تجارتها هو السفير في أهم دولة شريك تجاري معها، ووزير خارجيتها هو السفير لدى البلد الأهم عند بلد السفير، وهكذا. أسأل المولى القدير أن يوفق السفراء والوزراء كافة، المفرد منهم والقارن، لما فيه الخير العام الدائم للبلاد والعباد؛ فهذه الخدمة المخلصة من أجلّ النسك، وأهم أبواب العبادة، وهذا المعنى أبين من سهيل الذي طلع اليوم، أو هكذا يجب!
الرياض- الأحد غرة شهرِ ربيع الأول عام 1447
24 من شهر أغسطس عام 2025م