قصر الأوصاف القابلة للتكرار على أحد بعينه دون سواه فيه غبن وظلم للموصوف، ولغيره، ولأمانة العلم والتاريخ؛ لذلك لا أزعم أن الوزير الشيخ فيصل بن عبدالعزيز الحجيلان (1348-1440=1929-2019م) هو الوزير الوحيد الذي يصدق عليه الوصف الوارد بالعنوان، لكني أظن بما يشبه اليقين أنه أكثر الوزراء أو من أكثرهم استحقاقًا لأن يوصف بالدبلوماسية وصفًا فيه التصاق واستفاضة، والأسباب سوف تستبين لمن يواصل القراءة.

أول سبب يدعونا لوصف الحجيلان بالوزير الدبلوماسي هو أنه عمل في عدة سفارات مهمة قبل الوزارة وبعدها، وهذه الخاصية قد يشترك معه فيها عدة وزراء؛ لكن أن تجد وزيرًا عمل سفيرًا في أمريكا الجنوبية، والشمالية، وأوروبا، وفي بعض دول “الفيتو”، و”الأوبك”، فهذا قليل، علمًا أن الانتقال بين السفارة والوزارة إجراء شائع في الحكومات كافة، ويحمل في بعض الأحيان رسائل تنبئ عن مستوى العلاقة بين البلدين، أو تومئ لمجال الاهتمام المشترك بينهما.


ومن أهم دواعي وصف الوزير الشيخ فيصل الحجيلان بالدبلوماسية، أن الملك فهد انتقاه باحتراف شديد ليكون الوزير الذي يخلف د.غازي القصيبي على وزارة الصحة، وهذا التعاقب صعب مرهق لأن القصيبي أحدث حراكًا إعلاميًا ومجتمعيًا كبيرًا، هذا غير فوران العمل داخل أروقة وزارة الصحة إبان المدة القصيرة التي أمضاها أبو يارا وزيرًا لها. هذه العوامل تحتاج لوزير دبلوماسي يحسن التعامل مع هذه الأوضاع، وينجح في ملء الفراغ الناشئ عقب وزير أديب شهير جرئ، وقد كان أبو خالد لها.

يضاف لذلك أن وزارة الصحة أسندت للشيخ فيصل إبان أزمة مالية عانت منها الخزينة على إثر انخفاض أسعار النفط، وتصاعد حدة حرب الخليج الأولى، ولا يستطيع المسؤول عن صحة الملايين العمل ضمن هذه المعطيات، ومعها مطالب الحكومة، وآمال الناس، وتمنع وزارة المالية، والمسؤولية الشرعية والنظامية عن سلامة االبشر، مالم يكن وزيرًا دبلوماسيًا يجيد مسك الخيوط كافة قدر الوسع والطاقة، بلا إفراط ولا تفريط، وبما يحمي الأرواح، ويراعي الواقع.
كما كان من دبلوماسية الوزير ابتسامته الدائمة؛ فالابتسامة تمنح الهدوء للمقابل والمتابع، وقد تخفي وراءها أي حال أخرى من الغضب والتذمر، وهي صنيع دبلوماسي بامتياز، ويرادفها هدوء الطبع بلا غضب ولا صخب، وانخفاض الصوت بلا لجج ولا ضجيج، مع الاعتماد على الحوار، والاستماع بإنصات، والترحيب بالأفكار والمقترحات، وتوقير من حوله، وتلك يا قوم خصال الدبلوماسي المتمكن، الذي انتدب ليكون رائد أهله لدى الآخرين، وخير قائم بالمصالح وراع للمنافع، وهي من حسن الخلق التي تبلغ بصاحبها منزلة الصائم القائم.

كذلك اختص الوزير الشيخ فيصل الحجيلان بالإجادة التامة لعدة لغات غير العربية، وهي الإنجليزية، والفرنسية، والإسبانية، وكان يلم بالإيطالية إلمامًا يغنيه إلى حد ما، ويفهم بعض تعابير اللغة الدانمركية وكلماتها، وهنا درس مهم للدبلوماسي الشاب؛ بأن يجيد لسان القوم الذين توفده حكومته إليهم، وتبعثه نيابة عنها لهم. من اللطيف الإشارة هنا إلى أن “حرم” الوزير تجيد بضع لغات ليس مثل زوجها بل أكثر منه، وهي صاحبة علاقات نسائية عالمية واسعة، وهذا التعدد اللغوي سرى في أولادهما خالد وهشام وعمر، وبهذه الإجادة يصبح الشيخ فيصل أكثر وزير يتقن اللغات فيما أعلم.

ثم إنه من مزايا رجل الدولة الشيخ فيصل أنه صاحب قرار إذا اتضحت له الفكرة، من ذلك أنه وقع ترسية منافسات تحت ضغط مسيس الحاجة للأدوية والمستلزمات حتى لو لم يوافق عليها المراقب المالي! بالمناسبة المراقب المالي وظيفة تتبع لوزارة المالية في كل جهاز حكومي له ميزانية مستقلة، وكثيرًا ما تذمر الوزراء من تدخلات المراقبين، وتأخير بعض المنافسات وأوامر الصرف، حتى أن البعض أصبح يرى انعدام الحاجة لهم الآن مع الضبط التقني لمسار المال والإدارة. ومن الطريف أن بعض قدامى الوزراء اشتكى للملك فهد ما يجدونه من “تعنت” المراقب المالي؛ فقال لهم: المراقب المالي هو الطاغوت الأصغر!

ومما ذكره لي د.أحمد العلي، مدير عام الشؤون الصحية بالمنطقة الشرقية، أنه إذا حضر لمناقشة الوزير الحجيلان بأمر ما، يبادره فيسأله قبل اتخاذ القرار: هل أنت مقتنع برأيك؟ هل أنت مستعد لتحمل تبعة القرار معي؟ وبعدها يمضي بما يفتح الله عليه من رأي. ومع كونه صاحب قرار وإحاطة بالعمل، إلّا أنه كما قال د.العلي يفوض الصلاحيات لوكلائه ولمديري الشؤون الصحية، ويبتعد عن المركزية الخانقة. ومن منهجه الإداري أنه يسعى لتخليص الوزارة من أي جهاز يستحق الاستقلال، ويصلح من شأنه الانفصال، كالهلال الأحمر، مثلما أخبرني د.عبدالرحمن السويلم. ولأجل هذه الخصائص وصفه الأستاذ حجي الحجي بعد أن عمل معه أحد عشر عامًا قائلًا: أبو خالد من رواد الإدارة الواقعية، يوازن بين السلطة والمسؤولية. وقد زاره الشيخ محمد العبودي عندما كان الحجيلان سفيرًا بواشنطن لحل مشكلة تخص المركز الإسلامي، فوجده حصيف الرأي، عارفًا بتفاصيل المشكلة.

ولدى الوزير حكمة وبعد نظر، فقد كتب الصحفي المتخصص بشؤون الحج أ.أحمد الحلبي أنه التقى بوزير الصحة الأستاذ فيصل الحجيلان، يوم الوقفة بعرفات، أثناء جولته على المرافق الصحية، فطرح عليه بعض الأسئلة ذلك أن الصحفي الفطن يهتبل الفرصة للظفر بتصريح أو معلومة، لكن الوزير الذكي اشترط على الصحفي مصاحبته في الجولة؛ حتى يشاهد الوضع بعينيه فينصف ويعذر، ولأجل ذلك قال الحلبي إنه خرج من الجولة بمعلومات لم يكن يعلمها من قبل.

كذلك أولى الحجيلان لموسم الحج أهمية بالغة؛ لأنه موسم مشهود كثير الحشود، وفي وقت الصيف تكثر ضربات الشمس، ولذا أدخل في أيامه ابتكارًا سعوديًا خالصًا لسرير يختص بنقل مصابي ضربات الشمس، وكان يقف على الوضع الصحي للحجاج بنفسه. وفي غير الحج سارع لبناء مستشفيات كبرى ومتوسطة في عدة مناطق، إضافة للتوسع في مراكز الرعاية الصحية الأولية، وامتلكت الوزارة في عهده لأول مرة أجهزة غسيل الكلى، وأجهزة أشعة رنين مغناطيسي، وتبنت الوزارة جمعية لمكافحة التدخين.

ولأنه لا يسلم من ألسنة الناس وأقلامهم أحد، فقد قيل عن الشيخ فيصل في شبابه إنه يساري، أو من أعضاء جمعية نجد الفتاة، وقد نفى الكاتب الأستاذ محمد السيف هذه التهم بأدلة واضحة في كتابه عن الشيخ ناصر المنقور. هذه التهم الجاهزة إن صحت -وهي غير صحيحة- فقد كانت في مرحلة شباب وسريان أفكار يتعلّق بها بعض المثقفين ثم يتركونها ويضحكون منها أو عليها، وتتعامل الحكومة بنضج مع هذه الطبيعة ولا تحاسب على شيء عفا الله عما سلف منه. وإذا لم تصح تلك التهم -وهي باطلة مثلما أسلفت- فما أكثر إلقاء القول جزافًا بتصنيف أو غمز، وبلية التصنيف الجائر أخت للفخر بالأنساب، والطعن بالأحساب، ولا أظنها تنتهي قبل قيام الساعة!


أخيرًا فللشيخ فيصل الحجيلان في عضويته الوزارية مزايا مع كونه الأكثر إجادة للغات، وأحد دارسي القانون، ومن الوزراء الذين عاشوا في البلاد خدمة للوطن بعيدًا عن الأسرة المرتبطة بتعليم أولادها خارج المملكة، وما أصعب الوحدة على الرجل الكبير. ومن مزاياه الوزارية أنه عمل وزير دولة ثم أسندت له حقيبة الصحة، وهو ثاني وزير من ثلاثة وزراء عملوا قبل الوزارة أو بعدها سفراء للمملكة في أمريكا، وواحد من ستة وزراء خدموا بلادهم سفراء في باريس؛ ولذلك يخلط بعض الناس والمؤسسات بينه وبين الوزير الشيخ جميل الحجيلان، إذ تشاركا بالنشأة خارج البلاد، ودراسة القانون، والعمل في الصحة وباريس، وتشابها في اسم الأسرة، والانتماء لبريدة.

ومن أبرز خصائص الشيخ فيصل الحجيلان الوزارية، وأكثرها لفتًا للأنظار، أنه أطول من استمر في منصبه وزيرًا للصحة ين عامي (1405-1416=1985-1995م)، تلك الوزارة الأكثر في عدد الوزراء قياسًا لغيرها من الوزارات القديمة بله الجديدة، تلك الوزارة التي وصفها سلف الحجيلان بأنها محرقة الوزراء، بيد أن فيصلًا كان الأكثر بقاء فيها من بين بضعة عشر وزيرًا؛ ولا ملامة علينا عقب ذلك حين نصفه بأنه الوزير الدبلوماسي!
الرياض- ليلة الجمعة 21 من شهرِ صفر عام 1447
15 من شهر أغسطس عام 2025م
4 Comments
بيض الله وجهك ماقصرت ووصف دقيق لشخصية سعودية بارزة يرحمه الله 💐
يستاهل الوزير فيصل وسلمت يد كاتبها
رائع بروعة ذائقتك الادبية
شكراً. والحق أن فيصل الحجيلان رحمه الله جدير بتسجيل حياته الديلوماسيه
ولكن الأهم هو إدارة الوزاره فى عصر عصيب من ناحية الموارد المالية خاصة.. لكن حنكته وخبرته السياسيه جعلته يسير بوزارة الصحه على حافة الهاوية الماليه والخدميه بسلام.
وهو حقاً جدير بتسجيل تاريخه
(بوزارة الصحه) من أمثالك القادرين على ذلك. ومقالتك هذه فاتحة خير ، خاصة أن هناك الكثيرين ممن عاصروا الشيخ فيصل- رحمه الله