سير وأعلام عام عرض كتاب

إبراهيم العنقري: رجل دولة أواه منيب!

حين نتحدث عن صفات “رجال الدولة”، نفيض في جوانب ابتغاء المصلحة العامة، والأمانة، والتوزان، والعدل. هي صفات جليلة مطلوبة يُتعبد بها، لكن قد يغيب عن أذهان بعضنا أن المرء يمكن أن يكون رجل دولة وزعيمًا كبيرًا، وهو المتأله في كل شأنه، الحليم، الأواه، المنيب، المتبتل في محرابه، التالي لكتاب ربه، الباكي من تقصيره، المراعي للشعائر والشرائع، وغير ذلك؛ فهذه ليست خاصة بالعبّاد المتنسكين فقط، ولا بالعلماء أهل الخشية، ومن المؤكد أنها ليست مئنة على الدروشة كما يوهمنا بعض الغششة، ورضي الله عن الفاروق الملهم عمر بن الخطاب، الذي يتفوق على جلّ زعماء التاريخ، ويصف رجل الدولة على أكمل نسيج وأبهى طراز، وهو الخاشع الوجل قلبه من الله والدار الآخرة، ومثله في هذه الخصال الخلفاء الراشدون كلهم- رضي الله عنهم-.

وفي عصرنا، وفي بلادنا على وجه الخصوص، نعلم علم اليقين الجازم عن عدد غير قليل من رجال الدولة الذين عمروا مسالكهم بالتقوى والصالح من الرأي والقول والعمل، وسعوا إلى ما ينفع ويفيد، ويزيد من مساحات الخير، ويقلل من رقعة الشر، وهم مأجورون على ذلك قدر وسعهم واجتهادهم، والله يعظم لهم الأجر، ويكتب القبول لأعمالهم ومآثرهم، ويطرح البركة الخالدة الممتدة في آثارهم.

من هؤلاء معالي الشيخ إبراهيم بن عبدالله العنقري (1347-1429= 1929-2009م) -رحمه الله-، الذي نشأ يتيمًا، محاطًا بعائلة متدينة مترابطة، ثم سارع للنهل من العلم قدر وسعه داخل المملكة وخارجها، وعاد إلى وطنه، فعمل في مواقع مطلعة وعليا في ست وزارات مهمة، وكان قريبًا من ملوك وأمراء ووزراء ورجال دولة كبار لمدة نصف قرن. وقد أصبح الشيخ إبراهيم ثاني وزير للإعلام، وخامس وزير للعمل والشؤون الاجتماعية، وثاني وزير للبلديات والشؤون القروية، وأمضى في هذه المناصب عقودًا بين عامي (1390-1410=1970-1989م)، وأتم المشوار بعمله مستشارًا مقربًا من الملك فهد -رحمه الله-، خلال خمسة عشر عامًا (1410-1426=1989-2005م).

ومما يبين عن مكانة الشيخ إبراهيم ورفيع مقامه، أنه حين طلب الإعفاء من منصبه الوزاري الأخير في وزارة الشؤون البلدية، أصدر الملك فهد أمرًا ملكيًا نص فيه على ما يلي: “ونظرا لحاجتنا إلى خدمات معالي وزير الشئون البلدية والقروية الأستاذ/ إبراهيم بن عبدالله العنقري في الديوان الملكي. وتقديرًا لما قام به معاليه من جهود وإخلاص في جميع ما أسند إليه من أعمال…” ثم ختم الأمر السالف بعضه بتعيينه مستشارًا خاصًا للملك في الديوان الملكي. ومع أني لم أقرأ جميع الأوامر الملكية القاضية بتعيين المسؤولين السابقين مستشارين، إلّا أني أكاد أن أقول بأن هذا النص لم يتكرر لمستشار آخر فيما أعلم، وهذه دلالة على أننا أمام رجل دولة عبقري لا يفرط فيه.

أما الجانب التعبدي في معاليه فيظهر في جوانب عدة، منها إخلاصه في العمل، وحرصه على تدريب الآخرين وتهيئتهم بالبرامج التدريبية، وموالاة الابتعاث، وإسناد المهام لموظيفه كي يتمرسوا ويتمرنوا، وتمكين المهندسين السعوديين من العمل على رأس البلديات الفرعية. ومنها تحريه الدقيق للنزاهة وتكريم أهلها، وسعيه للضبط الإداري والمالي والقانوني أينما حل. ولن أنسى مسارعته لتفريج الكروب، والتنفيس عن المهموم، ومبادرته للتعامل مع أي جرأة إعلامية -وهو وزير للإعلام- حتى يكفي زملاءه السابقين في وزارة الداخلية مؤونة التدخل قدر المستطاع والممكن، ويحول دون تضرر أهل الإعلام، وكم في هذا الإجراء من حكمة ورحمة، وصدق عميد الوزراء د.عبدالعزيز الخويطر عندما أسبغ على الشيخ العنقري صفة نادرة؛ إذ  يشرّف العمل الذي يتولاه، ويرتقي به إلى مستوى عالي.

كما يتبدى لنا هذا الجانب الجوهري والمهم من شخصية رجل الدولة الأواه المنيب، فيما يبعثه من رسائل خاصة، فيها النصح الصادق، وبيان الحق الذي يعتقده، وهي موجهة لمسؤول أعلى منه إداريًا، ولا تخلو من رأي واضح غير معتاد من بعض ذوي المناصب مع من فوقهم وظيفيًا، فهذا واجب ديني وطني أخلاقي لا مناص من أدائه، وهو من علامات الصراحة والإخلاص. ويتضح لنا في هذا الباب أيضًا استشعاره للقاء مولاه وخالقه، فيعجل بالخروج من حقوق الآخرين المالية عليه مهما طال عليها الزمن، ويبتهل للرب الجليل متمتمًا أو كاتبًا، حتى غدت إحدى كلماته المكتوبة بخطه الجميل شعارًا لمؤسسته الخيرية؛ فأمله أن يرضى الله عنه؛ فاللهم استجب.

لقد كان الشيخ إبراهيم العنقري رجل دولة في مناصبه، ومشاركاته في لجنة وضع الأنظمة الأساسية، وفي أعمال المفاوضات ولجان ترسيم الحدود وإنهاء الخلافات. وكان رجل دولة في ترشيح المؤهلين للمناصب وإخطارهم بذلك مع توصيتهم بالكتمان الذي يجيده أبو مازن فلا ينبس ببنت شفه وهو الأديب الفصيح المفوه، وهو الكاتب المتقن والشاعر الرقيقة أبياته. ومن خصاله التي رافقته طيلة مسيرته الإدارية البكور للعمل، والمكوث الطويل فيه، حتى أن الملك سلمان -حفظه الله ورعاه- زاره في مكتبه بوزارة المعارف عام (1373=1954م)؛ فوجد العنقري منهمكًا يتصبب العرق منه، فخرج الأمير سلمان -حينذاك- من فوره، وأرسل للعنقري المكب على العمل مروحة كهربية يقاوم بها لفح حرارة الصيف.

كما كان الشيخ أواهًا منيبًا محبًا للخير وفعله، يتضح هذا من بناء المساجد واسترجاع التاريخي منها في موسكو وإسبانيا وغيرهما، يتضح هذا من حضوره مع الملك فهد حفل افتتاح مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة مع أن الموضوع لا يخص وزارته. يتضح هذا من دأبه في العمل لصالح مشروعات توسعة الحرمين التاريخية، ومن حمايته اللغة العربية من أن تهون على لسان مذيع بلحن أو خطأ، ومن خدمته البالغة للجمعيات الخيرية والأعمال المباركة في بلدته ثرمداء وفي غيرها، وإكرامه لأهل العلم والأدب، ووقوفه وراء تخصيص مقابر للمسلمين في بعض دول أوروبا. وتستبين هذه الخصلة التي مدح الله -سبحانه وتعالى- بها خليله الحليم الأواه المنيب -عليه السلام- في سميه العنقري لكل ذي عينين مما تركه من سيرة بهية، ومناقب حميدة، وشهادات أقران وزملاء ومعاصرين له، فهو مثلما قال المهندس محمد الشنقيطي: “مع الكرام كريم مع العصاة عصي… مع القوي قوي وللضعيف ولي”.

ولقد حضرت في سالف الأيام القريبة مجلسًا عبقًا مليئًا بالفوائد التاريخية بين يدي معالي الشيخ جميل الحجيلان، الذي تسامى واصفًا زميله وخلفه على وزارة الإعلام الشيخ العنقري بعدما سأله صاحبي عنه فقال: “رجل دولة من طراز رفيع… فصيح صموت كاره للأضواء… صاحب قلب كبير”. ثم وصلتني نسخة من كتاب عنوانه: رجل دولة الشيخ إبراهيم العنقري، أعده: أ.د.عبداللطيف الحميد، وأ.إبراهيم الجريفاني وفريقه، ود.عبدالرحمن الأحمري، وفريق عمل شركة زد بإشراف عبدالمحسن الماضي، وصدرت الطبعة الأولى منه عام (1446)، ويقع في (193) صفحة، ويتكون الكتاب من المقدمة التي كتبها نجله مازن والتمهيد، ثم سبعة فصول يعقبها ملحق الصور والوثائق. رحم الله الشيخ إبراهيم، وتقبل منه صالح العمل، علمًا أنه واحد من ثلاثة وزراء من غير أبناء الأسرة الملكية -فيما أعلم حتى الآن- له مؤسسة خيرية تحمل اسمه، وما أعظم منة الله على عبده حينما يجعله مباركًا حيًا وميتًا، ويرزقه أولادًا بررة، وأسرة مترابطة عريقة، وعندما يسبغ عليه النعمة بلسان صدق في الآخرين!

ahmalassaf@

الرياض- الأحد 18  من المحرم عام 1447

13 من شهر يوليو عام 2025م

Please follow and like us:

2 Comments

  1. ما شاء الله تبارك الرحمن، انامل ذهبية وقلم ماسي سطر كلمات تلامس القلب، سردك بالمقال جعلنا نعيش تفاصيل حياته من جديد،
    دمت مبدعا اخي أبا عبدالمحسن، ودام هذا القلم النبيل شاهدًا على الوفاء.
    وكما قال رحمه الله : املي ان يرضى الله عنا جميعا.

  2. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    الأستاذ الفاضل أحمد بن عبدالمحسن العسّاف،
    أسعد الله أوقاتكم بكل خير،
    أتقدم لكم بجزيل الشكر والتقدير على مقالتكم القيّمة بعنوان *”إبراهيم العنقري: رجل دولة أواه منيب”*، والتي لامست القلوب قبل العقول.
    لقد جسدت بأسلوبكم الرفيع ومحتواكم المتزن سيرة رجلٍ أفنى عمره في خدمة وطنه بإخلاص، واستعرضتم محطات من مسيرته تعكس عمق الفهم، وصدق الوفاء.

    بارك الله فيكم، وكتب أجركم، ورفع قدركم، وزادكم علماً وفضلاً،
    وتقبلوا فائق التحية والتقدير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

X (Twitter)