كالعادة، استجمع طلبة كلية العمارة والتخطيط، بجامعة الملك سعود، كل طاقتهم العلمية واللغوية والفنية، لعرض مشروع تصميم حي سكني بحائل عام (1406=1986م). جرت العادة أن يحضر نقاش هذه المشروعات الأستاذ المشرف، وربما بعض الأساتذة. قد يحضر رؤساء الأقسام، والوكلاء والعميد إن وجدوا وقتًا يتسع لذلك، مع أن مكان العرض لا يبعد عنهم سوى رمية عصا! ومن الطبيعي أن يحضر الطلبة نقاش زملاء دفعتهم، وكذلك يشارك طلاب الدفعة التالية كي يعاينوا الأمر الذي سيقدمون عليه في فصل قادم قريب ولا ريب.
لكن الحضور هذه المرة كان مختلفًا! ففي وسط بهو الكلية يجلس على أحد الكراسي رجل لافت، مهيب، يتابع بدقة، ويقيد المعلومات، ويحظى بعيون التبجيل ممن يحيطون به من إدارة الكلية وأساتذتها وسواهم. وقد علم الطلبة الذين صمموا المشروع أن هذا المسؤول هو الأمير مقرن بن عبدالعزيز، الذي أصر على الحضور بنفسه دون ترتيبات طويلة مسبقة، للاطلاع على مشروع الطلبة المعماري الذي يخص مدينة حائل، وهو حينها أمير على منطقة حائل، ذلك المنصب الذي أمضى فيه عشرين سنة ابتداء من (02-05-1400=18-03-1980م) حتى (16-08-1420= 29-11-1999م).

بعد الفراغ من العرض والشرح، طلب مقرن التعليق، وتحدث بإريحية ووداد مثنيًا على جهود الطلبة وأساتذتهم وكليتهم، ثمّ أبدى ما لديه من ملحوظات وساقها بإهاب من التواضع بلا قطع أو جزم، وأضاف عقب ذلك كلمة نفيسة علّق بها على فرط حماسة أحد الطلبة؛ إذ قال الأمير مخاطبًا الطالب: تذكر أننا في حائل ولسنا في ميامي، ولكل بلد خصوصيته وتقاليده وثقافته وما ينبيء عن عراقته! لقد كانت كلمة مسؤول، ومرب، ومفكر، وما أحسن التوازن والتوسط؛ ذلك أن الغلو في الأفكار، وفي التطبيقات، سينجم عنه غلو مقابل على الأغلب، ليس هذا فقط؛ فكل حالة غلو -نظري أو عملي- تحمل في داخلها بذور القضاء عليها أو إضعافها، ولو تأخر بزوغها إلى حين.
هذا ليس هو الملمح الوحيد في السيرة العملية للأمير مقرن المستنبط من الواقعة أعلاه التي رواها لي طالب من الحاضرين آنذاك، وهو ممن واصلوا دراستهم خارج المملكة، ونالوا أعلى الشهادات في هذا التخصص العمراني العريق والجميل. فمن ملامح هذه القصة أن الأمير يتابع العمل بنفسه، ولا يكتفي بتقرير مكتوب أو رواية رسول، ويحرص على المشاركة التلقائية دون إشغال الآخرين باستقباله أو التهيؤ لمجيئه، كي تبدو الأمور أمامه تلقائية سالمة من التكلف، طبيعية بلا تحسين.

وقد أكدّ لي هذا النهج بعض المسؤولين في الوزارات الخدمية؛ إذ ينفتل الأمير مقرن بعد لقائه مع الوزير في مكتبه بوزارته لزيارة الإدارات المعنية، والحديث مع موظفين تنفيذيين ربما لم يتحدث معهم وكيل الوزارة المساعد من قبل أو حتى المدير العام! وقد ذكر وزير التخطيط د.عبدالوهاب عطار في لقاء تلفزيوني معه أن الأمير مقرن من أكثر أمراء المناطق زيارة لوزارة التخطيط من أجل مشروعات المنطقة التي يتولى إدارتها.
ومن هذا الباب أن الأمير مقرن كان على رأس المرحبين بتطبيق فكرة الرعاية الصحية الأولية، وبادر لتسجيل أسرته وفتح ملف لهم في أول مركز رعاية صحية أولية بحائل الجميلة، ولا غرو أن تفوز حائل بالمركز الأول في تفعيل هذه الرعاية الصحية الأولية سابقة بقية المناطق؛ فأميرها قد منح لهذا الموضوع الوقائي عنايته الفائقة كما يذكر د.عبدالرحمن السويلم. ومما يروى عنه قوله للمسؤولين في الوزارات: أنا مندوبكم في المنطقة! هذه الكلمة تدل على متابعة حثيثة مستمرة، وحرص كبير.
كما أقام الأمير مقرن صرحًا من العلاقات المتين بنائها، المتغلغلة جذورها، مع أهل منطقتي حائل والمدينة المنورة اللتين أسندتا له تباعًا، وهما منطقتان ينشرح صدر الزائر لهما، فالمدينة مهاجر الرسول -عليه الصلاة والسلام- والصحابة، والمثوى البرزخي للنبي وكثير من آله وأصحابه -رضي الله عنهم-، وتشترك حائل مع المدينة النبوية في طيب سكانها وأهلها، وكرمهم، وفتح بيوتهم ومجالسهم. ومن المشهور أن علاقة الأمير مقرن مع حائل والمدينة وأهلهما لم تنقطع حتى بعد مغادرة المنصب، وهم يذكرونه بأحسن أحدوثة وخير ذكرى.

ومن خبر الأمير مع حائل، أنه عندما عين أميرًا عليها، زار مايتبعها كي يعاين الوضع بنفسه اتساقًا مع نهجه المباشر، وعندما ذهب إلى “جبه” الواقعة على بعد مئة كيلو شمال حائل، علم أهلها بأن الأمير سيزور مجلسين اثنين فيها فقط حفظًا للوقت، فوقف أمامه رجل مسن من أهل جبه، وخاطب مقرن قائلًا: يا ولد عبدالعزيز! أنت أمير علينا كلنا أم على فلان وفلان فقط- أي من سيزورهما؟- فأجابه: بل على الجميع! وعندها قال الشيخ الهرم المتكئ على عصاه: إذًا تزور الجميع؛ فكل عائلة أعدت مجلسها لاستقبالك، فتبسم الأمير ووافق من فوره، وأنزل الرجل الطاعن في عشر الثمانين منزلة تليق بسنه، وطيّب خواطر أهل جبة بالزيارة مع أنها منهكة وطويلة، وسيضطر في كل مجلس إلى مجاملة أهله بشرب الشاي والقهوة.

كذلك يحرص الأمير مقرن على دعوة الوزراء والمسؤولين إلى حائل والمدينة، ومن لطيف ما يروى أن وزير المعارف أ.د.محمد الأحمد الرشيد -رحمه الله- زار حائل، وابتدأ جدول أعماله بلقاء مع الأمير الذي سأله عن ترتيبات الزيارة، وحين أخبر الوزير الأمير بأنه سيزور “جبه”، قال له مقرن: يجب أن تضع في حسابك أنك ستزور أكثر مجالسها ولا بدّ، فأعد تنظيم جدولك بما يتوافق مع هذه المعلومة! وفي هذا التنبيه دلالة على حساسية الأمير للوقت والترتيب، وسعيه لإنجاج الزيارة، وإزالة أي عائق يعترضها.
وأذكر أني سألت مرة أحد الحسابات المختصة بتاريخ آل سعود في منصة “إكس” عن المكتبات الشخصية لأعضاء الأسرة الملكية، فأجابني بأن من أكبرها مكتبة الأمير مقرن، ولا عجب فالذين يعرفونه يؤكدون شغفه بالقراءة، وتتبع الجديد من الأبحاث والكتب. يضاف للقراءة معرفته بعلوم الفلك، ومحبة الأمير الظاهرة للزراعة، وامتلاك مزرعة، ولذلك فكم من مرة ومرة استقبل الزوار وبعضهم طلاب الكليات أو المدارس في مزرعته بيوم إجازته، وكم تفاجأ بعض الزوار حين شاهدوه يتولى بنفسه بعض أعمال البستنة، ورعاية المزرعة، وقيادة الحراثة. هي بالمناسبة أعمال تربط المرء بتراثه، وبأرضه، وخيراتها، وتقوي صلته بالسماء، ومشيئة الرب الجليل سبحانه.

من لطيف ما جرى لي، أني حين قدمت أحد البرامج التدريبية عن الكتابة، وهي برامج تجاوز عدد المستفيدين منها ألفي متدرب ومتدربة والحمدلله، قلت للمتدربين إن الركون إلى الذكريات مفيد للكاتب، وهو منجم ثري له، وهو أحد أبواب صناعة الفكرة الكتابية. ثمّ سألت المشاركين عن ذكرياتهم، فقالت إحداهن: كنت أركب مع والدي السيارة وأنا طفلة صغيرة، وحين نعبر قريبًا من مبنى إمارة حائل، يثني والدي على الأمير مقرن كثيرًا كثيرًا، ويقول: سوف أزوجك له! وتضيف: غمر قلبي الخوف كلما مررت من الإمارة هيبة من الأمير. علمًا أن هيبة الأمير جليّة في عمله وحيويته، وتظهر حتى في التربية الحازمة لأنجاله، وحسن الإعداد العلمي والعملي لهم.
ومما لا يفوت الإشارة له، أن الأمير مقرن، شأنه شأن جلّ أبناء الأسرة الملكية، محب للتاريخ، متذوق للشعر، مهتم بالعمل الخيري والمجتمعي، وله في هذا الباب إسهامات على مستواه الشخصي، وعلى مستويات رسمية، ولعلنا نذكر تصريحه وهو رئيس للاستخبارات العامة الذي أكد فيه على أهمية مشاركة المصارف والشركات الكبرى بالمسؤولية المجتمعية وبرامجها. من أعمال الأمير الجليلة بناء جامع ضخم فخم في منطقة فاخرة شمال الرياض، ومؤازرة العمل المجتمعي والخيري معنويًا وماديًا، والله يتقبل منه، ويجعل ذلك في موازين حسناته وحسنات والديه وعائلته.

ما سبق هو جانب من جوانب سيرة صاحب السمو الملكي الأمير مقرن بن عبدالعزيز آل سعود، الابن الخامس والثلاثين للملك المؤسس عبدالعزيز -رحمه الله-. هو الأمير الذي حمل بعد ولادته بتاريخ (07 من شهر شوال عام 1364=14 من شهر سبتمبر عام 1945م) اسم جده الأكبر “مقرن”. وهو من أوائل الأمراء الطيارين الذي تخرجوا في كليات عسكرية دولية، والتحق ببرامج عديدة منها برنامج أركان في أمريكا حصل منه على شهادة دبلوم، وعمل في السرب الملكي السعودي مدة من الزمن، وقد صنعت منه حياته العسكرية، إضافة إلى تربيته الأسرية، رجلًا منضبطًا صارمًا منجزًا، ويحسن اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب، تغليبًا للمصالح العليا والعامة. لقد كان الأمير مقرن دائم التحليق للأعلى حتى وهو يمشي على الأرض.
الرياض- السبت 17 من المحرم عام 1447
12 من شهر يوليو عام 2025م
3 Comments
مقال رائع استاذ احمد …بارك الله فيك.
ويكفي الامير مقرن تواضعه الشديد بدون مبالغة .. والجميع يعرف ذلك . حتى انه كان كثيرا ما يأتي الى عمله في الاماره من قصره الواقع شمال مدينة حائل وتبلغ المسافة قرابة ٢٠كم وحده على سيارته الخاصة وشوهد كثيرا .
أحسنتم كعادتكم في استجلاء الحقيقة ..وإبراز تاريخنا الوطني ورموزه.
نعم الأمير
صاحب السمو الملكي
الأمير مقرن بن عبدالعزيز آل سعود
أميرنا المحبوب في المدينة المنورة
متواجد مع المجتمع في افراحهم و اتراحهم جم التواضع و الضبط الإداري قريب جدا من المواطنيين و سكان المدينة.
جزاه الله خير و أطال الله في عمره على الطاعة.
قام بعزائنا في بيت أخي رحمه الله حين وفاة الوالدة رحمها الله و حمله أخي الدعاء و السلام لملكنا الغالي الملك فهد بن عبدالعزيز رحمه الله.
نحمد الله و نشكره أن ملوكنا و امرائنا قربين من المواطنين و المقيمين و حل امورهم و تذليل الصعاب مع ما يقومون به من صداقات و سياسات خارجيه ناجحه مع العالم.
أخي الفاضل أحمد العساف
جعلتني اتحدث عن موضوع ذ. شجون.
بارك الله فيك على طرح التحليق عاليا.
رحم الله والديك و اسكنهما الفردوس الأعلى
من الجنة و والديهم و والدينا و المسلمين.
أصلح نيتك و ذريتك
و جعلك مبارك أينما كنت.
اللهم صل على نبينا محمد
و على آله و صحبه و سلم.