بين يدي كتاب عنوانه من مقالات أحمد زكي باشا في التاريخ والبلدان والسياسة المجموعة الأولى، جمع وترتيب وتعليق فهد بن محمد بن نايف الدبوس. صدر هذا الكتاب عن دار النوادر ومكتبة ومركز فهد بن محمد بن نايف الدبوس للتراث الأدبي في الكويت، وهو الإصدار رقم (40)، وهذه طبعته الأولى عام 1446=2025م، ويقع في (559) صفحة. تبرز على الغلاف الأمامي صورة شيخ العروبة -رحمه الله-، وعلى الغلاف الخلفي تعريف بجامع المقالات، وبما صدر له من كتب ودواوين شعر، علمًا أنه عضو رابطة الأدباء في الكويت.

أهدى الأستاذ الدبوس -شفاه الله وعافاه- الكتاب إلى والديه وإخوانه وزوجه وأولاده، وكتب المقدمة وترجمة وافية لأحمد زكي باشا، ثم نقل المقالات وبعضها ليست لشيخ العروبة وإنما هي متعلقة بما كتب ولا مناص من إيرادها لتكتمل الفائدة. وعقب ذلك وضع قائمة بمنشورات المركز، فالفهرس. يحتوي الكتاب على خمسين مقالًا لأحمد زكي باشا يدور أكثرها حول شؤون تاريخية وبلدانية، وهي منشورة متناثرة في مجموعة من الصحف والمجلات، وكم في المطبوعات القديمة من كنوز ظهر قسم منها، وغابت أقسام، والله يهيئ لها.
والمأمول أن يوفق الله صاحب هذا الجهد لتتبع تراث شيخ العروبة الأديب الباحث الرحالة القانوني، ونشر مقالاته التاريخية والبلدانية واللغوية والفكرية، المشبعة بالغيرة على الأمة وتراثها وثقافتها، والأستاذ الدبوس أهل لهذه المآثر؛ إذ سخر الوقت والمال لنشر العلم وخدمته. وهذا الصنيع الرشيد والمنهج القويم ليس بمستغرب على تاريخ أمتنا العلمي والحضاري، ولا على من نذروا أنفسهم لخدمة المكتبة العربية الإسلامية، وهي مكتبة فخمة متينة بمثلها يفاخر، ولا غرو فنحن أمة حفية بالعلم والعلماء حتى في عصور ضعفها، وحفظ تراث الأوائل والأكابر سنة مطروقة دون ابتغاء مصلحة دنيوية.
وعسى أن تكون هبة جمع كريم من الباحثين الأوفياء لجمع هذا التراث، وإخراجه على أحسن صفة علمية، وأكمل صورة طباعية ممكنة، مئنة على إخلاص أصحابه الذين وضعوه وعلى صدقهم ونصحهم، ولا يضيع العرف بين الله والناس. وكم يمتلئ المرء بالغبطة حين يعلم أنه وريث لأولئك النجباء، وأن في الخلف أولوا بقية يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر بنشر العلم وتقريبه، وببث الفوائد وتداولها، وبتجلية الجوانب الناصعة المشرقة من ماضينا وما أكثرها، وما أعظم تأثيرها على الحاضر والمستقبل. كم يشعر الإنسان بالسعادة حين يوقن بأن هذا الإرث العظيم ما ضاع ولن يضيع، وأنه في حرز ومأمن حتى وإن غاب مدة من الزمن، أو سطا على بعضه لئام بانتحال أو تحريف؛ فالحق سيظهر ويعلو.
إن المسيرة العلمية والتأليفية لأمتنا لجديرة بأن يحتفى بها ويفرح، قمينة بأن تهب المرء الطمأنينة على الطمأنينة المستقرة من حفظ الله لكتابه العزيز وما ارتبط به من علوم ومعارف، فجلّ علومنا متداخلة وإن بدا للمستعجل أنها بعيدة، فعلم البلدان والطب والتاريخ مثلًا، لها علاقة غير عابرة ولا ثانوية بعلوم اللغة والفقه والحديث، علمه من علمه، وجهله من جهله، وهذا الترابط يزيدها قوة وتشاركًا، ويرفع من الوثوق بمستوى البراهين والأدلة سواء استعلمت لأجل إثبات أو دمغ ودحض.
ومما لا يفوت التنبيه إليه، أن هذه المقالات تعلمنا الكتابة والبحث الأصيل، وتعمق الصلة بين الكتابة والأدب والقانون، وتؤكد لنا أن الموسوعية ليست قاصرة على عصر وزمن ولى. ومن اللطيف أن شيخ العروبة أحمد زكي باشا (1283-1353=1866-1934م) درس القانون، وأجاد عدة لغات مع العربية التي قدمها على غيرها، ونافح عنها، وسعى في تعريب كلمات أجنبية مثل “السيارة” بدلًا من “أتوموبيل” ومثل الدراجة، وهو من أوائل من استخدموا علامات الترقيم في الكتابة، وارتقى بلغة المكاتبات الرسمية من موقعه العملي في ديوان مجلس الوزراء بمصر.
كما أنه شغف بالكتب، وتتبعها في مظانها، وسعى لدى الحكومة لإلغاء الرسوم على الكتب المستوردة، كي لا يمتنع المثقفون والقراء والعلماء من شرائها بسبب ارتفاع أسعارها. وقد وفقه الله فجمع مكتبة ضخمة في بيته “دار العروبة”، وبعد وفاته حفظت الخزانة الزكية بما فيها من كنوز مخطوطة ومطبوعة، وبما فيها من مؤلفات وتحقيقات وترجمات لشيخ العروبة الذي خلد في الباقين ذكره واسمه وسيرته، حتى لو لم يكن له عقب وذرية.
بقي أن أشير إلى أن هذا الكتاب المفيد وصلني هدية من الشيخ المحقق المسند محمد بن ناصر العجمي -شفاه الله وعافاه-، وهو النخلة الباسقة المثمرة بالعلم والفضل والعمل. ومن محبة الشيخ وسابق إحسانه وحسن ظنه أنه حين انتهت العملية الجراحية الطويلة التي أجراها في الرياض، طلب من أولاده القادمين من الكويت أن يحضروا معهم هذا الكتاب سراعًا، وأهدى نسخة منه لصاحب عزيز مشترك، ونسخة أخرى لراقمه، ولم يصرفه المرض عن عادته النبيلة، ولم يغفل عن هذا الشأن العلمي حتى وهو في حال يشغل غيره عما هو أهم وأولى من كتاب يجلب على وجه السرعة!
الرياض- ليلة الثلاثاء 13 من المحرم عام 1447
08 من شهر يوليو عام 2025م