إدارة وتربية عرض كتاب قراءة وكتابة لغة وأدب

عظمة الكتابة للأطفال!

العناية بالأطفال في أي مجتمع يدل على الرحمة، وأي شيء أحسن من شيوع الرحمة في المكان؟ ويشير أيضًا إلى عراقة البيئة وحرصها على التعاقب وحمل الراية، وهي مسألة لا يغفل عنها القادة والأكابر والحكماء. تخبرنا هذه العناية المجتمعية بالأطفال عن نظرة عملية للمستقبل؛ فطفل اليوم هو رجل الغد ولا مناص من الاهتمام به، وقد لام عمرو بن العاص-رضي الله عنه- زعماء قريش حين رآهم يقصون صغارهم عن مجالسهم. هذه العناية لا تقتصر على الجوانب المادية مع أهميتها، وإنما تشمل لغة الطفل، وطريقة تفكيره، وثقافته، وذائقته.

من هذا الباب، رفع بعض الكتاب الموفقين الراية، وانتدبوا أنفسهم لتحقيق هذه الغاية الجليلة النبيلة. هذه الغاية تجافى عنها كتّاب آخرون توقيرًا للمقدرة والتخصص، واعترافًا بالعجز عن هذا النوع الخاص، أو زهدًا في الفئة، أو غير ذلك، لكن المهم أن هذا النأي فيه مزية بابتعاد من لا يحسن الصنعة، وفيه إشكال بحدوث الندرة في المنتج. ومن الضرورة أن يولى هذا التخصص الكتابي ما يستحقه في التدريب والتعليم والحراك الثقافي، وفي منح الجوائز وعقد البرامج واللقاءات؛ فالكتابة للطفل مثل تعليم الأطفال في السنوات المبكرة، يعد من أكثر الأعمال تأثيرًا على المستقبل؛ ولذا تنزله الأمم النابهة منزلة متقدمة ماديًا ومعنويًا.

وبين يدي مجموعة من القصص الموجهة للأطفال، أصدرها مركز عبدالرحمن السديري الثقافي، ولكل واحدة منها عنوان ومضمون، مثل: حكاية الفتى وحيد، أنا نحولة، سامر والكتاكيت، مفاجأة ماجد، كيمو: أسطورة جبل الجليد، وجميعها من تأليف أ.محمد صوانة، ويضاف لها قصة بعنوان: ريم والصياد تأليف د.أسد محمد، وقصة بالإنجليزية عنوانها: منيرة وسلمان كتبتها لولوة الجعيد، ومعها كتاب تلوين للأطفال. جميع هذه القصص فيها تصاميم، ورسومات، وفي بعضها أبيات شعر خاصة لها، وقد حددت الفئة العمرية المناسبة لكل قصة، وتختلف طبعاتها فبعضها هذه طبعته الثالثة، وفيها ما طبع حديثًا.

إن الكتابة للأطفال تستلزم وجود السرد الماتع، القصير الموجز، الواضح المباشر، مع تجاوز الزوائد والإطناب، وهذه مهارات يسجد الكاتب لمولاه شكرًا إن استطاع تطبيقها، وهي من المحامد المكتسبة من الكتابة للأطفال، وهذا من طهر قلوبهم ونقاوة أرواحهم. كما تستلزم هذه الكتابة فهم تفكير الطفل وطبيعته النفسية والجسدية، والإكثار من الصور المريحة ذات الدلالة، والبعد عن القسوة أو العنف، ومراعاة سن الطفل وجنسه في المحتوى، وأن يكون بطل القصة طفل كذلك؛ فالطفل سيتفاعل مع مثيله أشد من تفاعله مع الكبار.

ومن واجب الآباء والمربين اقتناص مثل هذه الأعمال، واقتناء المناسب منها، والقراءة لأطفالهم بصوت عال، أو تدريب الطفل على القراءة والتوقع والتفاعل عبر هذه القصص وأمثالها، والإفادة من المواقع والمنصات المسموعة والمرئية. ومن واجب المؤسسات الثقافية تبني مثل هذه المشروعات الكتابية لندرتها، وغلاء أسعارها، بسبب أهمية العامل الفني في الطباعة، مما يرفع من قيمتها السوقية. وقد أحسن مركز عبدالرحمن السديري الثقافي صنعًا بتنبي هذه السلسلة مطبوعة، وإقامة سلاسل من اللقاءات الصوتية عن بعد طوال العام، وفي رمضان، يقدمها الأستاذ محمد صوانة، وهي تخاطب الأطفال بأحسن القصص من القرآن والسنة، وسير الأنبياء، وتاريخ أمتنا، وفي نهاية كل لقاء جائزة مالية لمن يفوز بها.

كم يحسن بالوالدين التبصر بشؤون التربية عبر التعليم، والتثقيف، واللعب، والحوار، واستثمار المواقف والأحداث؛ فالأبناء أمانة، والكلاليب الخطافة تتزايد بتبرج وإغراء وجاذبية ربما لا تقاوم. ومن جميل التربية والاستعداد لها أن يكون لدى المربي مخزون يتنامى من أسس ثقافته القائمة على علوم الدين واللغة والأدب والتاريخ مع التقاليد المرعية والتراث المحلي، وإذا أكثر من قراءة قصص الأطفال لذريته وطلابه؛ فقد يستطيع حبك مثلها مما يحفظ ويعرف، فالطفل أمانة في كل شأنه عند والديه ومعلميه ومسؤولي مجتمعه وجميع من حوله.

وأخيرًا ينبغي علينا تشجيع الأطفال على قراءة القصص الموجهة لفئتهم العمرية، مثل القصص المذكورة اعلاه وغيرها من المأمون المتقن، من أجل الترقي في البناء العقلي والمعرفي، ففيها آثار تربوية وتعليمية وتثقيفية وشخصية تمس الطفل مباشرة، وتزيد من حصيلته وتنميها. إن المجتمعات المتقدمة بمؤسساتها كافة تلتفت لهذا الجانب الحيوي من مفردات التربية والتوجيه والتعليم، وتؤمن الوقت والحصص في المنزل والمدرسة، وتهيئ المساحات والأماكن الخاصة والعامة وتجهزها لهذا الغرض السامي، وتحث على القراءة الفردية أو الجماعية للأطفال، حتى ينشأ منها جيل عريق يرث الأصول، ويعيها، ويدافع عنها، وينطلق بثبات وعزة نحو المستقبل، وإن المجتمع العربي والإسلامي لحري بذلك وجدير.

ahmalassaf@

الرياض- الأحد الحادي عشر من المحرم عام 1447

06 من شهر يوليو عام 2025م

Please follow and like us:

2 Comments

  1. إنه مقالٌ يُقرأ بالقلب قبل العقل ..
    ويُحفظ في الذاكرة كدرسٍ في الحياة والفكر والضمير ..
    جزى الله الأستاذ المبدع أحمد العساف خير الجزاء ..
    فقد جعل من الحرف تربيةً ..
    ومن المقال نداء وعيٍ للأمة ..
    كي تُحسن الزرع ..
    في حقول الطفولة ..
    قبل أن تطلب الثمر .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

X (Twitter)