أمير على أهبة الاستعداد وصف انتهيت إليه عقب الفراغ من قراءة كتاب عنوانه: الأمير تركي بن أحمد السديري سيرة وتاريخ 1319-1397= 1902-1977م، الذي أشرف عليه صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود، وكتب تقديمه نجل المترجم له معالي الأمير محمد بن تركي بن أحمد السديري والكتاب من إعداد وتوثيق الدكتور أحمد بن عبدالله العرف، وصدرت طبعته الأولى عام (1445=2024م) عن مؤسسة التراث، وهي مؤسسة غير ربحية. يقع الكتاب في (528) صفحة، منها (352) صفحة للمادة المكتوبة، وما بقي لملاحق الوثائق والصور، ثم الفهارس والمراجع المتنوعة ما بين وثائق محلية وخارجية، ومخطوطات، وكتب عربية وأجنبية، ورسائل علمية، ومجلات وصحف، وتسجيلات لمقابلات صوتية. تبرز على الغلاف الأمامي صورة للأمير تركي يمتطي جواده، وخلفه صورة خشم العرنية أحد المعالم الشهيرة في “الغاط” بلدته ومسقط رأسه.

حظيت فكرة هذا التأليف التوثيقي بتأييد من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان -حفظه الله وأمتع به-، وهو الذي أحب التاريخ ووعاه وورث ذلك لأنجاله ومنهم الأمير سلطان، الذي أبان في المقدمة التي كتبها للكتاب عن اعتزازه بأسرته الملكية، وبأسرة السدارى البدرانية الدوسرية الذين كانوا خؤولة جده الملك المؤسس، وخؤولة والده وأكثر الأشقاء من ذرية المؤسس، وخؤولة سلطان نفسه، وبالتالي فهم خؤولته من ثلاثة طرق، وهؤلاء الأمهات الكريمات -رحمهن الله- كل واحدة منهن عمة لمن تليها بطريق مباشر أو غير مباشر.
وقد أشار الأمير سلطان إلى ذكرياته مع جده الأمير تركي، واستعذب هاتيك الأيام، وتمنى لو استثمرها بالسؤال والتوثيق والاستيضاح؛ ولذلك استدرك هذه الأمنية التي فات بعضها، فتولى بنفسه تسجيل كثير من المقابلات التي رفدت مادة هذه السيرة بأخبار ومرويات وتحليلات كادت أن تضيع لولا جهده الاستباقي؛ كي يحفظ تاريخ جده، ويحميه من الضياع، ويفرد له سيرة خاصة كما نال إخوانه الذين جاءوا بعده، مع أنه أكبرهم وألصقهم بالمؤسس وفكرة مشروعه العظيم. إن اغتنام وجود الكبار، والتقييد عنهم أو تسجيل محفوظاتهم الشفهية، لمن الحكمة التي تجب المسارعة إليها، كما صنع الأمير المحب للتاريخ.

يتكون كتابنا من تقديم للأمير محمد بن تركي السديري، ومقدمة بقلم الأمير سلطان بن سلمان، ثم تمهيد يعقبه ستة فصول. عنوان الفصل الأول أسرة السديري ودورها في الحوادث التاريخية، واختص الفصل الثاني بالحديث عن الأمير تركي بن أحمد السديري -حياته وأعماله، وأخبرنا ثالث الفصول عن أعماله الإدارية. أما وفاته ورثاؤه فرويت لنا في رابع الفصول وفيه عشر مرثيات أشدها حزنًا ما فاضت به قرائح إخوانه، وأكمل الفصل الخامس سابقه بالحديث عن الأمير تركي في عيون محبيه ومعاصريه الذين كتبوا عنه أو استكتبوا وعددها سبع عشرة مشاركة بعضها نفيس بمعلوماته، وبعضها تحوي مشاعر صادقة، وترجم الفصل السادس لثلاثين رجلًا منهم سبعة إخوة للأمير تركي، والبقية من أقاربه، وعنوانه الذي حمله هو إخوة الأمير تركي بن أحمد السديري وأعلام من أسرة السديري. عقب ذلك جاءت الخاتمه وملحق الوثائق، وملحق الصور، وقائمة المصادر والمراجع.
استغرق العمل في هذا الكتاب سبع سنوات بتوجيه من الملك سلمان، وإشراف مباشر من الأمير سلطان، وجهد دؤوب من المؤلف والأستاذ الجامعي د.أحمد العرف، ولذا شكرهم الأمير محمد بن تركي في تقديمه للكتاب. حفظ هذا الكتاب جزءًا من تاريخ البلاد ورجالاتها، وهو يؤكد على الوفاء والعراقة الراسخة في المجتمع؛ ولذا ختم الأمير سلطان مقدمته كاتبًا: “وفي الختام: يشرفني أن أقدم هذا الكتاب التاريخي التوثيقي المهم؛ ليشكل حلقةً في سلسلة تسجيل تاريخ الأجداد الذين أسهموا في رفع هذا الصرح الشامخ؛ مملكتنا الغالية، آملًا أن يسهم في الجهود الكبيرة التي تعنى بتاريخ المملكة وتوثيق السير المشرفة لمواطنيها الكرماء”.

إن أسرة السديري من أعرق الأسر النجدية، وهي أسرة قديمة في الإمارة حتى قبل اتصالها بالأسرة السعودية الحاكمة، ثمّ استمرت لها الإمارة وتوسعت عقب تداخلها مع حكام الدولة السعودية بالاستحقاق أولًا، وبالإخلاص والمؤازرة ثانيًا، ثمّ بالنسب والمصاهرة ثالثًا. إن الحضور الظاهر للسدارى في العمل الحكومي لا يتجاوزه -ربما- إلّا مشاركات أسرة آل الشيخ، وهما مع أسرة الحكم أسر نبيلة عريقة أصيلة. هذا الاختصاص ليس بمستغرب في بيئتنا ولا في تاريخنا الطويل؛ بل حتى عند غيرنا، ولم يكن الدافع له اختصاص غير مستحق بشيء، وإنما استعمال ذوي الأهلية ممن نالوا من الثقة أعلاها حماية للفكرة والمشروع العظيم، وهذا تصرف لا يستنكر ما داموا من المناسبين الذين يُعهد إليهم العمل، وتسند لهم الأمانة المسؤول عنها، ويحاسبون عليها محاسبة دقيقة مثل غيرهم، وربما أزيد.
جبل الأمير تركي بن أحمد السديري (1319-1397=1902-1997م) -رحمه الله- على عدة خصال أو اكتسبها، ولذلك ميزته في العمل والإنجاز، وصيرته محط نظر الملك المؤسس البصير بالرجال وما يصلحون له. من هذه الخصال إيمانه التام بمشروع الدولة وفكرتها؛ فهذا الإيمان حافز لا يفتر، ودافع لا يتراجع، وسبب للنشاط والصدق وعلو الهمة؛ فما ساعد الهمام على الإقدام شيء أكثر من إيمان. ومنها امتثاله الصارم لتوجيهات الملك عبدالعزيز وأبنائه -رحم الله الجميع-، فهو لا يحيد عنها، ويسعى لتحقيق مرادها وغايتها بما فتح الله عليه من حكمة، وأنار له من بصيرة، دون أن يمتنع عن المراجعة والتصريح بالرأي الناصح.
كما يتضح لنا من سيرة الأمير تركي أنه جمع البراعة العسكرية محاربًا، مع البراعة الدبلوماسية والسياسية مفاوضًا ودارسًا لأحوال الجوار وأخبارهم، وعارفًا بطبيعة المجتمعات القريبة، وكيفية تفكير بعض قادتها. ومن خبره العملي تلك المواهب الإدارية التي جعلته أميرًا لمناطق الجوف وعسير وجازان، بل قبل الملك عبدالعزيز -رحمه الله- مقترحاته فيما يخص التنظيمات الإدارية والأمنية والمالية والقضائية، ووافق الملك على جعل سكاكا مقرًا وعاصمة لإمارة الجوف التي نجح تركي في استصدار أمر ملكي لها لتصبح منطقة مستقلة عن حائل.
ومن مزايا الأمير تركي أنه يحيط بما يجري في النواحي التي كلف بالإمارة عليها، وهي بلدان حدودية قبلية تحتاج لحصيف يقظ. ومع صرامته لم يحرم من فضيلة المشاورة واستشارة أهل الخبرة والعلم، ومنح التوقير الكبير للعلماء والقضاة وطلبة العلم والخطباء والحفظة ورؤوس الناس. إن إظهار التقدير والإجلال من قبل الأمير ومن في حكمه لأهل العلم والسيادة والكبراء لمما يشيع الطمأنينية المجتمعية، ويعلي من مكانه الأمير في النفوس، ويزين بها تاريخه وسيرته، وفي النهاية لن يلزمه هذا التوقير وإنزال الناس منازلهم بشيء.
كذلك لفت نظري في سيرة الأمير تركي عمقه القانوني؛ ولذا بعث له الملك المؤسس بعض المعاهدات والاتفاقيات لإبداء الرأي، وكتب الأمير تركي آراء رجل خبير بالقانون والأعراف السياسية، وربما أنه اكتسب هذه السمة العزيزة الثمينة من أعماله السياسية، ومن القراءة والشورى ورواد مجالسه، وإذا ثبتت مشاركته مع رشيد الكيلاني وفؤاد حمزة وغيرهما في أعمال اللجان التي كونها الملك عبدالعزيز فقد تكون تلكم المشاركات القريبة من أهل القانون أحد موارده القانونية الباهرة.
وللأمير إسهامات تنموية في البلاد التي تولى إمارتها في شمال البلاد وجنوبها، بل إنه ارتبط بعلاقات طيبة مع أهلها حتى بعد مغادرة منصبه؛ ولذلك رضيت إحدى القبائل بشفاعته في مسألة عويصة إكرامًا له حتى لو لم يكن أميرًا عليهم حينها. وله كذلك أعمال خيرية، وما أعظم توفيق الثري أو الوجيه الذي يبادر لذلك ابتغاء ما عند الله، عسى أن تكون من الصالحات الباقيات له. ومن مسيرته الحياتية يتضح لنا ارتباطه بالضيافة والمجالس التي يفتحها ثلاث مرات يوميًا للناس، والخيل، والزراعة، والأدب، وهذه مشتركات بادية للعيان في أسرته، وفي كل أسرة عريقة.
ومن جميل خصائصه تربيته البيتية والمجتمعية الموفقة، وقربه من عائلته وذريته، وأنه كان لإخوته أشبه بالقدوة والأب الثاني؛ ولذا رافقه أخوه خالد في الإمارة ثم استقل بها، وخلفه في الإمارة بعض المناطق أخوانه عبدالعزيز وعبدالرحمن، واقترب منه إخوانه محمد ومساعد، بل حرص الملك عبدالعزيز أن يجعل أبناء السدارى أمراء لمناطق متجاورة؛ كي يسهل علاج أي إشكال مشترك بينها؛ وتلك نباهة لم تغب عن فطنة الملك بعيد النظر، ولا غرو فقد عرف الناس أن الملك المؤسس يعامل الأمير تركي وإخوانه مثلما يفعل مع أبنائه، وبالتالي فتأميرهم على منطقة يؤكد على أهميتها -رحم الله الجميع-.
أما المواقف التي تستحق الإشادة في سيرة رجل الدولة الكبير فهي كثيرة، منها أنه انتقل إلى مناطق تحتاج لجهد كبير وحذر فما توانى في الموافقة، وحين رأى ولاة الأمر نقله لإمارة أخرى خُشي من رفضه؛ فقال الأمير عبدالله بن عبدالرحمن كلمة ذات معنى ودلالة: “عند الواجب سيوافق”، أي أنه على أهبة الاستعداد للخدمة أيًا كانت عسكرية أم سياسية أم إدارية، وصدقت فراسته؛ إذ قبل الأمير تركي التكليف من فوره، وسار إليه بعزيمة وهمة آخذًا الكتاب بقوة.
ومن جليلها ماذكره الأديب محمد حسين زيدان أنه رآه ينتطر عند باب مسؤول في المالية، فقال له زيدان: لو كنت في مكانك وأنت الخال للصفور لدخلت قسرًا بدون إذن! فأجابه الأمير بحنكة وأدب وسمو: “اسمع يا محمد هذا الذي تصفني به هو الذي يمنعني من فعل ماذكرت”! ولعمركم إن هذا الجواب لدرة من القول جديرة بأن تشاع وتشهر؛ فالتجاوز من ذي السلطة والمنزلة أخطر من تجاوزات غيرهم؛ بل هو سبب للانفلات، وصدق علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- حينما فسر لعمر بن الخطاب -رضي الله عنه- سبب مجيء الغنائم غير ناقصة حتى لو كان خيطًا مما نقصت قيمته وقل ثمنه؛ فقال: “عففت فعفوا، ولو رتعت لرتعوا”!
رحم الله الأمير تركي بن أحمد السديري، وتقبل هذا العمل الضخمة مادته، الطويلة سنوات إعداده، الكثيرة دلالاته ونقولاته. وشكر الله لسمو الأمير سلطان بن سلمان بن عبدالعزيز إشرافه ومتابعته وحرصه، فلقد كان بارًا بالتاريخ، والبلاد، وبارًا بوالديه، وأجداده، والشكر موصول بثناء للمؤلف الباحث الجاد الذي أغنى المادة من جوانب كثيرة، وغاص في أعماقها معتمدًا على معرفة سابقة بتاريخ الجزيرة وتراجم السدارى، وكان فوق ذلك آويًا إلى ركن شديد من مساندة الأمير والمؤسسة وأسرة الراحل؛ فجاءت الثمرة يانعة نافعة.
الرياض- ليلة الأحد 04 من المحرم عام 1447
29 من شهر يونيو عام 2025م
https://www.samawy.com/i/1004710/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%8A%D8%B1-%D8%AA%D8%B1%D9%83%D9%8A-%D8%A8%D9%86-%D8%A3%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%AF%D9%8A%D8%B1%D9%8A
2 Comments
طرح موفق، ما شاء الله تبارك الله
شكرا لكم يا عبدالرحمن