العلم شريف وما أشرفه، سام وما أسماه، يزيد النبيل نبلًا، والعريق عراقة، ويرتقي بغيرهما لمنازل ذوي التجلة والتقدير ولو كانوا من عامة الناس فيما دون ذلك. إن انتشار العلم والأدب والثقافة والفكر بين أوساط أعلى نخبة في المجتمع، أو تشجيع أهله والاحتفاء بهم من قبل هذه النخبة، لمن حظوظه وسعوده؛ ذلك أن بقية مكونات المجتمع سوف تحرص على هذه العلوم والفنون اللذيذ طعمها المبارك أثرها، وقديمًا قيل -وفي بعض القول صدق-: الناس على دين ملوكها.
وبين يدي كتاب من منتجات أحد رجالات الأسرة الملكية السعودية العريقة، عنوانه: المجموع الأدبي للأمير عبدالله بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود، اعتنى به: تركي بن فهد بن عبدالله بن عبد الرحمن آل سعود. صدرت الطبعة الأولى من هذا المجموع في مجلدين اثنين عن مركز العوجا للبحوث والدراسات، ومكتبة الرشد، عام (1446)، ويتكون من (966) صفحة، نصيب الأول منهما (487) صفحة، وفي كل مجلد خيط فاصل، وكم أحب هذه الفواصل.
ابتدأ الكتاب بالتعريف بالأمير الجامع نقلًا عن كتاب ألفه الأستاذ سليمان بن محمد الحديثي، عنوانه: الأمير عبدالله بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود سيرة تاريخية وثائقية، وهو من مطبوعات جداول عام (2014م). وللأمير صاحب المجموع ترجمة أخرى كتبها صلاح الدين المنجد، وأشار لها الأمير المعتني خلال التعريف وفي مراجع الكتاب التي بلغت (185) كتابًا، مما يدل على غزارة المادة، واجتهاد الأمير أ.د.تركي بن فهد في ضبطها ومراجعتها وإحالتها، علمًا أن الأمير البروفيسور أستاذ جامعي في قسم التاريخ بجامعة الملك سعود، وله مؤلفات واهتمامات علمية وبحثية، وله كتاب مترجم بالاشتراك ، وهو دليل مفيد في الدلالة على منهج الكتابة التاريخية، وسبق لي عرضه.

أما الأمير الجامع فهو المشتهر داخل أسرته بأنه عالمهم وأديبهم، وقد سرى حب العلم والأدب والفكر في ذريته، ولبعضهم عناية ظاهرة في هذا الباب. وقد ألحقه والده في عدة كتاتيب بالرياض للدراسة، وسعى هو لتطوير نفسه بحضور مجالس والده الإمام عبدالرحمن الفيصل، ومجالس أخيه الملك المؤسس عبدالعزيز -رحمهم الله جميعًا-، حتى أن الملك عبدالعزيز يحيل بعض السائلين والمناقشين لأخيه عبدالله، الذي نهل من العلم والكتب، فما جاء عام (1360) إلّا وله مكتبة ضخمة من أكبر المكتبات السعودية آنذاك، أو هي أكبرها، وأصبحت مما يشار إليها بالبنان. وللتدليل على قيمة هذه المكتبة؛ فإن بعثة معهد المخطوطات زارت الرياض عام (1393)، وصورت سبع مخطوطات أصلية من مكتبة الأمير الجامع، بلغ عدد صفحاتها (1337) صفحة.
ثمّ بعد رحيل الأمير عبدالله (1316-1397)، أحسنت ذريته بالتبرع بمكتبته النفيسة لمكتبة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية؛ لتغدو متاحة للعلماء والباحثين، وقد وفقوا لذلك حفظًا لها، واستمرارًا لأجر والدهم، وإنقاذًا لأنفسهم من حرج السؤال أو الجواب عن المكتبة فيما لو فقدت -لاقدر الله-. وقد علم الأمير أ.د. تركي عن هذا المجموع من نص خبر نشر في صحيفة أم القرى العدد (218) عام (1347)، وفيه وصف كتبه الشيخ يوسف ياسين لمجلس الملك عبد العزيز وقراءة راويته عبدالله بن أحمد العجيري، وورد في الخبر ذكر لهذا المجموع من كلام العجيري، كما نقله صلاح الدين المنجد عن بادي بن دبيان، علمًا أن مجالس الملك المؤسس السياسية، والعلمية، والأدبية، والسرية، والمجتمعية، مادة قمينة بالبحث، جديرة بالدراسة.
لأجل ذلك لم يضع لأمير تركي الوقت، وشرع يبحث في المكتبة المحفوظة، وفي محاضر تسليمها لجامعة الإمام؛ فلم يجد لهذا المجموع أثرًا. عقب ذلك تواصل معه الأمير بندر بن عبدالله بن عبدالرحمن -نجل صاحب المجموع-، وأخبره عن عثورهم على أوراق مخطوطة لوالده، وأرسلها للمعتني، وكانت مبعثرة، تقع في (788) صفحة مختلفة الحجم والورق والخط، وبعض مكتوبة بخط الأمير الجامع، وبعضها بخطوط نساخ آخرين، ومنها المستقى من مصادر مطبوعة، وفيها ما افتبس من مراجع مخطوطة آنذاك لم تطبع بعد، وهذا يدل على تتبع الأمير العالم، وشغفه بالكتاب والعلم.
وفي أول الكتاب تظهر بعض صور المخطوط الذي بادر الأمير تركي لدفعه لدارة الملك عبدالعزيز من أجل ترميمه، والعمل عليه بمنهج علمي معتاد من المراجعة، والتصحيح، والعزو، وإخراج المادة بأفضل صورة ممكنه، وخدمة المادة والقارئ الباحث بخمسة فهارس للآيات والأحاديث والأعلام والمواضع والشعر، وراجعه عقب ذلك صديقه أ.د.عبدالرحمن بن ناصر السعيد، فاستحق الشكر من المعتني مع الأمين العام المكلف للدارة د.فهد السماري.
يحتوي هذا المجموع على رقائق، وشعر مختلفة عصوره، وأيام العرب، وأخبار الصحابة والتابعين والقادة والعلماء والشعراء وأجواد العرب والبارزين منهم، وأقوال وحكم وطرائف وقصص، ومادته متنوعة المشرب والمصدر مما يؤكد على أحقية الأمير بالصفة التي عرف بها بأنه عالم الأسرة الملكية العريقة وأديبها. وتمتاز أخبار الجزء الثاني بأنها أكثر من الواردة في الجزء الأول وأقصر، علمًا أن كتب المختارات والمنتخبات مما عرفته مكتبتنا العربية والإسلامية، والأمثلة عليها كثيرة أشار لقسم منها الأمير تركي.
مثل هذا الكتاب المجموع يصلح سميرًا للفرد والمجموعة خاصة إبان الإجازات والسفر، أو حين تُبتغى راحة الذهن والبال. مثل هذا الكتاب يدلنا على شيء من تاريخنا العلمي والأدبي، وعلى الثقافة السائدة في البلاد وبين نخبها. مثل هذا الكتاب يؤكد أن اجتماع الجاه أو الثراء مع الثقافة والأدب والعلم ليس صعبًا؛ بل الأمثلة عليه كثيرة في القديم والحديث. وإن التحديث بما شغل به أوئلنا من صواب وخير ونفع، وإشاعته، مما يحض الناشئة على حسن الاقتداء بأصل الفكرة؛ فمرحبًا بالعلم والتاريخ والأدب في مجالسنا كافة.
الرياض- الثلاثاء 28 من شهرِ ذي الحجة عام 1446
25 من شهر يونيو عام 2025م