سير وأعلام عرض كتاب

الوزير الفايز بأقلام محبيه

مقدمة، وثلاثة وستون مشاركة مقالية، ومختصر لبرنامج تلفزيوني حواري، وملحق بالصور، هذه هي المكونات المادية لكتاب حديث الصدور عنوانه: الوزير الفايز بأقلام محبيه: مقالات ومواقف ومآثر معالي الوزير محمد بن علي الفايز رحمه الله، إعداد المستشار منصور بن عبدالله الغفيلي مستشار الخدمة المدنية والمشرف على مكتب الوزير سابقًا، ويقع في (226) صفحة، والطبعة الأولى منه صدرت عن مقاربة للنشر والتوزيع عام 1448/2026م. وكنت أتمنى تصنيف المقالات بناء على صلة كتّابها بالشيخ، أو حسب الهجائية، أو بأي طريقة أخرى، فوجود نظام للترتيب يرفع الحرج عمن اجتهد وتعب في الإعداد والمتابعة.

أما مكونات الكتاب المعنوية فأكثر من ذلك، ففيه وفاء من الغفيلي جميل، ولو أن كل مشرف على مكتب وزير أو مسؤول بادر لمثل هذا الصنيع لحفظ لنا جزءًا من التاريخ الإداري ومن السير الشخصية النافعة مثل هذا الكتاب، ومثل كتاب الأستاذ المشعل عن الشيخ ناصر الراشد -رحمه الله-، وغيرهما. ومن مكوناته المعنوية مسارعة جم غفير للكتابة استجابة لطلب الغفيلي وتقديرًا للراحل، وفيهم وزراء وكتّاب وموظفون عملوا مع صاحب الترجمة عن قرب أو عن بعد، وفي محطاته المختلفة، هذا غير ما سطره أقاربه من مشاعر محبة ووداد لشيخهم الذي فقدوه.

ومن المعاني التي يخرج بها القارئ لهذا الكتاب أن الشيخ محمد العلي الفايز قد أخذ نفسه بالحزم والأطر على ما يقتضيه الشرع والنظام، وأدار أعماله على هذا الأساس، ومع هذا الانضباط الدقيق حتى في الحضور الباكر للعمل، إلّا أنه يبحث عن مخارج نظامية يقتضيها روح النظام لمساعدة الآخرين، فكم من مبتعث استمرت بعثته بفضل الله ثم بحسن تقدير الفايز لأوضاعهم، وترجيحه مصلحة البقاء في البعثة على قطعها وعودة المبتعث كسير النفس مع خسارة الوقت والمال، ومثلها العناية بأوضاع الموظفين، ومتابعة ترقياتهم، أو علاجهم، والتعاون معهم بما يرفع الحرج عنهم، ويزيدهم ولاءً وجدية.

من هذا الباب مسارعته بالكتابة إلى المقام السامي لمعالجة بعض الأحوال الاستثنائية، وعدم التردد في ذلك، فالمسؤول المخلص يعرض لرؤسائه الحقائق والمطالب والمقترحات، ويترك الأمر لهم عقب ذلك، ولأجل هذا استثنى الملك فهد -رحمه الله- أحد أساتذة المعهد بعد ان توفي فجأة من شهور تكتمل بها المدة النظامية لاستحقاق راتب تقاعدي، وكان من بركات هذه الحادثة ان صدر تنظيم لمعالجة هذه الأحوال وأمثالها، وانتفع بها الموظفون دون حاجة لاستثناء.

كما يتبدى للقارئ العناية الكبيرة من قبل الوزير الفايز بمسجد الحي، وإمامه ومؤذنه، وبجماعة المسجد، ومشروعاته الخيرية، وهذه العناية ترشد كل ذي مقدرة إلى وجهة من وجهات البر والإحسان، خلاصتها صرف جزء من الجهد والمال لصالح مسجد قريب، فهذا العمل من آكد الأجور وأبقاها. وقد شهد له جيرانه بالمحافظة على صلاة الفجر فما سواها، وإدامة تولاة القرآن، وأي عمل هو أسكن للنفس وأجلب للطمأنينة من المكث في المسجد، ومن الخلوة بكلام الرحمن تلاوة وتدبرًا، وهذا توفيق رباني له، ولم يقصره على نفسه؛ فكثيرًا ما نصح كبار المسؤولين بأن يجعلوا جزءًا من أعمالهم للآخرة انطلاقًا من أعمالهم وصلاحياتهم.

أيضًا من معاني الكتاب الجميلة تلك العلائق الاجتماعية الوثيقة الطيبة، وأولها وأولاها ما كان مع العائلة والأسرة، ثم مع الجيران وبقية المجتمع حتى فتح أبو ياسر مجلسه مغرب كل ثلاثاء بعد تقاعده لاستقبال زواره ومحبيه. ومن هذه العلاقات الصحية الحميدة جميل الارتباط مع الموظفين، ومع الذين تخدمهم الوزارة التي يشرف عليها وفيهم ضعفة وذووا حاجات يتلهفون لقضائها، ولا يقف الأمر عند هذا الحدّ إذ يسأل الوزير عن سر غياب سائق باكستاني ثم يحزن حينما علم بوفاته بعد مرضه ويلوم العارفين لأنهم لم يخبروه، وحين بلغه خبر وفاة مفاجئه لسائقه الشخصي فاضت عيونه بدموع حقيقية حتى تفاعل الأمير سلطان -رحمهم الله جميعًا- مع هذا الموقف، وتكفل بشراء منزل لأسرة السائق وتاثيثه.

كذلك من المعاني ذات البصيرة والعمق من المترجم وهو القانوني الحاذق والإداري الخبير، أنه أجاب من سأله عن سر غياب وزارة العمل والشؤون الاجتماعية إعلاميًا، بأن الوزارة تتعامل مع قضايا غالبها بعيد عن السعادة والفرح والفخر بها؛ فكيف تظهرها إعلاميًا؟! ومنها أنه صبّ معرفته القانونية، وتجربته الإدارية، لصالح الأعمال واللجان التي كلف بها أو شارك معها، وكان وجوده مريحًا للمسؤولين ولزملائه بما عرف عنه من أناة وتقصٍ صرف للمصلحة العامة. وله في التعامل مع المستشارين سياسة رفيعة تحفظ لهم علمهم، ومثلها تعامله مع المؤسسات العامة التابعة للوزير، وقيادته لاجتماعات المنظمات العربية الإقليمية الخاصة بالعمل، وهي تجارب جديرة بالتسجيل والتدوين إثراءً للمحتوى السعودي، وللتجربة الوطنية التي يتداولها المسؤولون الشباب.

وكان أبو ياسر كثير الشفاعة لمن طلبها، ويستعير جملة للشيخ الأديب عبدالله الحقيل -رحمه الله- خلاصتها أنه يشفع شاكرًا عاذرًا، وهذه الشفاعة لا تستغرب من رجل يردد كثيرًا الوصية بألّا يراك الله إلّا محسنًا، ويكثر من الاستشهاد بنصوص وحكم تحثّ على الخير وصنائع المعروف، ويسعى في تحصيل المنافع لغيره ولو قبّل رأس وزراء أصغر سنًا منه، ويستعمل الأصلح للعمل دون عنصرية أو فئوية، وهي خلّة تنم عن صفاء ونقاء وإخلاص، وما أعسرها!

 غفر الله لمعالي الشيخ محمد الفايز، وجزي المستشار منصور الغفيلي خيرًا، وكذلك الذين شاركوا بالكتابة من تلقاء أنفسهم أو بالاستكتاب، وأكرر ما ذكره بعضهم من ضرورة قيام مشروع رسمي لحفظ السير السعودية، وأتمنى أن تكون مشاركات الرواة والشهود عن هذه الشخصيات ذات شواهد ومواقف، أو فيها ملامح وتحليل، فتالكلام المرسل لا يفيد شيئًا، وصفة الكلام المرسل خلوه من أي شيء يخصّ صاحب الترجمة، وهو الأمر الذي خلت منه أكثر مشاركات هذا الكتاب.

ahmalassaf@

الرياض- الثلاثاء 16  من شهرِ جمادى الأولى عام 1448

27 من شهر أكتوبر عام 2026م

Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.