من حي حطين في الرياض بدأت الحكاية؛ إذ كنت أمشي إلى المسجد لأداء صلاة العشاء، فوصلتني رسالة عن تعرض د.عبدالرحمن الصالح الشبيلي (1363-1440/1944-2019م) -رحمه الله- إلى حادث في شرفة منزله الباريسي. تواصلت بعد الصلاة مع بعض أهل عنيزة للتأكد والاطمئنان، فكان الخبر صحيحًا، والصورة غير واضحة. وقد شرعت من فوري بكتابة عدة تغريدات عن الشبيلي في منصة إكس -تويتر سابقًا-، خاصة أن أبا طلال وما جرى له قد تسيّد الخط الزمني في هذه المنصة التي كان يتابعها كثيرون آنذاك.
انطلقت في كتابة تلك التعليقات من تأملات ومتابعات ساندتها قراءتي السابقة لسيرته الذاتية الصادرة قبل شهور بعنوان : “مشيناها… حكاية ذات”، وبعد فراغي من قراءتها كتبت عنها، ثم أرسلت له بعض الآراء والتصويبات اليسيرة على غير سابق معرفة بيننا، فتقبّلها بقبول حسن، ونشط التراسل عن بعد بيننا، وأجاب عن أسئلتي بدقة واهتمام، وأهداني كتبه المطبوعة كاملة، وفيما بعد أرسل معي نسخة منها للوزير د.إبراهيم العساف، بعد أن استضفنا الشبيلي في أحد مجالسنا الأسرية.

وعندما شاء الله أن يقبض روحه إليه -رحمه الله-، بلغني الخبر الأليم مبكرًا، فبادرت إلى جمع تغريداتي، وإعادة تحريرها مع الإضافة عليها والحذف منها، ونشرتها في أول مقال كتبته عنه عقب وفاته، فجعل الله له انتشارًا لافتًا حتى قال لي صديق محب -وهو قول محب راضٍ ربما لا يخلو من مجاملة-: أنا عضو في مجموعة واتساب لمثقفين وكتّاب، وقد تداولوا مقالك باحتفاء ووصفوه بأنه أحسن ما كتب عن الشبيلي حتى تلك اللحظة.
ثمّ بعد مدة ذهبت لعزاء د.إبراهيم التركي العمرو في والده -رحمه الله-، وبعد خروجي تحدث معي أحد المسؤولين المثقفين حول انعقاد النية الجازمة لإقامة ندوة عن الشبيلي، وأني مرشح لأكون أحد المتحدثين فيها، فوافقت مبدئيًا دون علم بأي تفاصيل أخرى موضوعية أو زمانية أو مكانية. هذه التفاصيل توافرت وعرفتها لكن قبل موعد الندوة بأسبوعين فقط، فاجتهدت في الإعداد لها، وشاركت في إلقائها، ونشرت مادتها لاحقًا، ولي مع هذه الندوة مواقف ربما أرويها لاحقًا.

الذي يبدو أن هذه الندوة عن تجربة الشبيلي الشورية كانت سببًا في ترشيحي مرة أخرى لكتابة سيرة الشبيلي، ذلك أن الله وفقني فيها للحديث من زوايا غير معهودة ولا متوقعة، تجاوزت بها مشكلة أني الوحيد على المنصة الذي لا يعرف الشبيلي معرفة لصيقة، ولا يعرف مجلس الشورى عن قرب. وفي تلك الندوة وزع كتاب مكون من عشرات المقالات في وداع الشبيلي، وفيه ثلاث مقالات لي، وربما لا يوجد غيري له هذا العدد في ذلكم الكتاب، علمًا أن الندوة، وكتاب المقالات، كلاهما من أعمال مركز عبدالرحمن السديري الثقافي وفاءً للشبيلي وتقديرًا لجهوده.

لم يكتف مركز السديري بذلك النصيب الوافر من الوفاء؛ إذ خصص عددًا من مجلة “الجوبة” ليكون عن الشبيلي وهو العدد رقم (65) الصادر في01 من شهر سبتمبر عام 2019م، ثمّ قرر المركز تأليف كتاب خاص عن سيرة الشبيلي، وبعد مشاورات وترشيحات تداخل فيها أكثر من عامل، وقع الاختيار عليّ لتأليف هذا الكتاب. من أسباب هذا الاختيار تلك الندوة، وقناعة المركز وأسرة الشبيلي، ومساندة عدد من المحبين ومن ضمنهم الصديق الذي روى لي قصة المقال الأول مع مجموعة الواتساب.

فشرعت من فوري لإعداد خطة منهجية لتأليف الكتاب، وطريقة لجمع المعلومات، وبعد عرض ونقاش مع المركز، توافقنا على رأي حول هذا الموضوع، وتوقيت زمني، ثمّ طلبت التمديد لأن تلك السنوات تصاحبت مع مرض الوالدة ثم وفاتها -رحمها الله-، وقد وافق المركز مشكورًا على ذلك. وكان من لوازم العمل تحديد شخصيات للحديث معها عن الشبيلي بالتنسيق مع أسرته، وقد تجاوبت جلّ الأسماء وتعاونت، ولا يخلو الأمر من وقائع لا تنسى.

منها أن مسوؤلًا سابقًا تحدث معي بصراحة بالغة، وبعد نهاية اللقاء اتصل بي مستدركًا فقلت له: اللقاء معك لن يسمعه غيري، وسوف أتلفه عقب الفراغ منه، وأرسلت له المادة الكتابية المناسبة المستلة من لقائنا، وقد أعجبته وشكر لي صنيعي الذي ملأ نفسه “الدقيقة” طمأنينة. ومنها أن بعض الكرام ممن ينتسبون لكيان واحد طلبوا مني مراجعة الكتاب قبل نشره، فاعتذرت منهم بأن الكتاب يخص مؤسسة أخرى، وليس لطلبهم وجاهة، وأني سأرسل لهم بضعة أسطر فقط؛ لأنها مقتبسة منهم ومنسوبة لهم، وفهمت -وبعض الفهم صحيح- أنهم غضبوا مني مع أني ما فعلته هو عين الصواب لمن تأمل وأنصف.
ومن المواقف أن أحد الأشخاص البارزين حدّد لي أوقاتًا غريبة للحديث معه عن بعد، وهو يعلم -ربما- أن هذه الأوقات غير مناسبة، وحين سُألت فيما بعد عن سبب غياب اسمه من قائمة الرواة ذكرت الذي جرى، فقال لي من يعرفه: لا غرابة فهو نرجسي للغاية! والموقف الثاني أني واعدت اسمًا مهمًا لزيارته في مكتبه من أجل الحديث حول أبي طلال، وفي صبيحة اليوم المحدد هجمت نوبة ربو على ابني عبدالعزيز، دخل على إثرها للعناية المركزة، فأرسلت اعتذارًا من فوري لصاحب الموعد، لكنه لم يقبل العذر، وتواصل مع بعض الأطراف قائلًا لهم: كتابكم لن يرَ النور، بيد أن الذي استقبل رسالته المتشائمة قال له بثقة متفائلة: بل سوف تراه ويراه غيرك، وأخيرًا انتصر التفاؤل!
هذا لا ينفي ترحيب أكثر من مئة اسم باللقاء والحديث معي على كثرة الأعمال والصوارف، حتى تواصلت معي مكاتب أمراء ووزراء وأثرياء لتحديد مواعيد مناسبة من أجل هذه الغاية؛ بل إن الأمير د.فيصل بن سلمان اتصل بعد نهاية اللقاء معه ليضيف معلومات جديدة، وكان مثل غيره حريصًا على الكتاب وعلى إنجازه، وهذا التعاون موضع ثناء وشكر دائم. ولم يقف التفاعل عند حدودهم، فحتى من له قصة واحدة مع الدكتور الشبيلي حرص على إيصالها، وكنت أرى الإقبال والسرور في عيون العمالة الذين عرفوا أني صاحب مشروع يخصّ رجلًا أحبوه حبًا صادقًا.
وقد شاء الله أن يطبع الكتاب بعد رحيل قرينة الشبيلي التي كانت تتابع مع بناتها وأحفادها وبقية الأسرة هذا المشروع وخطواته، والله يرحم الشيخة زكية أبا الخيل وأمواتنا كافة؛ فمن ثقتها تسلّحت بالعزم، واستمديت الطاقة والعزيمة بعد عون الله وتوفيقه. وشاء الله أن يطبع الكتاب بمحتوى يختلف في عرضه وفي بعض محتواه نوعًا ما عن المتفق عليه، بيد أنه جاء بطريقة لا تخلو من تجديد وجاذبية، وزيادة في المضمون عن الصورة الأولية له، حتى أن بعض الناس يقول إذا رأى مسودة عمل آخر لي: نريده مثل كتاب الشبيلي! فأقول لهم: كان لذلك الكتاب نسح ابتدائية تختلف عن صورته النهائية، فأعطونا آراءكم وسوف تعجبكم آخر هيئة من النص بحول الله.

ومن لطيف ما وردني عن الكتاب أن أحد المثقفين المحبين سلمني نسخته وعليها مقترحات وتصويبات، وقال لي نقلًا عن نفسه أو عن غيره -نسيت الآن-: على أهل عنيزة أن يضعوا ما كتبته في أول الكتاب عن بلدتهم في مجالسهم! وقد تفضل عدد من الكتّاب بالكتابة أو الحديث عن هذه السيرة بعد نشرها، ولا زلت إلى عهد قريب جدًا أسمع عن الكتاب ما يسرني ويبهج أسرة الشبيلي، وأطمع أن يكون في ذلك العزاء عن التأخير في الإنجاز، فالخيرة خفية، وربما تأخر الغيث ثم هطل مدرارًا في وقت يكون معه الخصب والنماء. ومما لا أنساه، أني رأيت الشبيلي في المنام قبل إسناد تأليف كتاب سيرته لي وهو يستقبلني، ويدخلني مجلسه ويجعلني في صدره دون بقية الحاضرين.

رحم الله د.عبدالرحمن بن صالح الشبيلي، وجعل هذا الكتاب من الذخر الباقي والذكر والمستمر بلسان صدق في الآخرين، وكتب أجور جميع من شارك في هذا العمل، ممن ذكر أو لم يذكر، وأخصّ منهم مركز عبدالرحمن السديري وطواقمه بلا مثنوية، وكذلك عائلة د.الشبيلي وأسرته ومحبيه كافة الذين هبوا سراعًا للعون والإفادة، في صورة من صور حسن العهد التي لا تستغرب من أناسنا، ولا تستكثر على مجتمعنا. وأكرر الشكر والدعاء لمن تفاعل بالكتابة أو الحديث عن السيرة الأخرى للدكتور الشبيلي، والباب مفتوح لأي مقترح فمن يزعم الكمال فقد أبعد عن الجادة، ومن يعرض عن مطالعة جميع الآراء فقد أضاع الجادة!
الرياض- الاثنين 15 من شهرِ جمادى الأولى عام 1448
26 من شهر أكتوبر عام 2026م