سير وأعلام عرض كتاب

الطريقي مقتبسًا: لتركبن طبقًا عن طبق

هذا الكتاب الجديد عنوانه: لتركبن طبقًا عن طبق سيرة ذاتية، تقميش أ.د.عبدالله بن إبراهيم بن علي الطريقي، صدرت الطبعة الأولى منه عام 1448/2026م، وقد طبع برعاية أبناء جميل الطريقي: محمد، ومساعد، وحمود. يقع هذا الكتاب في (574) صفحة مكونة من تقريظ والمقدمة فتمهيد ثم ثلاثة فصول، وبعدها الملاحق والفهارس الكاشفة بأنواعها. وقد ألف الطريقي هذا الكتاب بعد أن قدم للمكتبة عددًا من الكتب في السياسة الشرعية وغيرها، وعقب عدة تجارب موفقة في كتابة السير والتراجم.

اختص الفصلان الأول والثاني بستة عقود مناصفة بينهما بين عامي (1370-1430)، وانفرد الفصل الثالث بملح ومنثورات وفيه خمسة عشر مبحثًا موضوعيًا في حقول مختلفة. وقد صممت غلاف الكتاب كريمة المؤلف ربى، وعلى الأمامي منه مسجد ومكتبة وبيت ونخلة، ودراجة مع مبخرة وسراج وإبريق شاي، وربما أنها صور تعبر عن صحبة هذه الأشياء لوالدها ولنعم الصحبة، وعلى الغلاف الخلفي كلمة مصورة بخط يد البروفيسور الطريقي.

في كتابنا الحديث هذا أكثر من تجديد إن في الشكل أو المضمون، فقد جمع بوضوح وحدٍّ فاصل بين السياق الزمني والسياق الموضوعي، فالفصلان الأول والثاني قاما على أساس زمني محتويًا موضوعات شتى، واقتصر الثالث على موضوعات بعينها دون أن تفقد خط الزمن. ومما يحمد أن اجتمع أفراد من أسرة الطريقي على هذا الكتاب، فالشيخ كتب، وأبناء الشيخ جميل ساندوا ماليًا، وخالد بن عبدالمحسن تابع المشروع، وربى صممت الغلاف، وهذا التعاون مبهج في مضمونه، نادر في بابه، وهو صلة رحم وعلم وفضل، والله يكتب أجورهم، وهذه الأعمال مئنة على العراقة.

ومن التجديد أن المؤلف وصف صنيعه بأنه “تقميش” مع أنه تأليف يجمع أكثر من صفة؛ ففيه الذكرى، وفيه التأمل، وفيه الوصف، وفيه الرأي. ومن التجديد أن المؤلف أضاف تحت كل عقد “ماجارياته” وهي ما جرى فيه من أحداث سياسية ودينية وثقافية واجتماعية وغيرها. هذه الماجريات تحفظ شيئًا من دقائق التاريخ خاصة غير المشتهر منها، مثل زيارة الملك خالد -رحمه الله- للزلفي بلدة المؤلف، ومن قدّم حفل الأهالي وألقى كلمتهم آنذاك، وفي هذه الأحداث إشارة لعوائد وأحوال ومشاعر وتفاعلات مع الوقائع والمناسبات، وفيها رصد لتطورات التقاليد والأعراف، علمًا أن هذه الماجريات وموقف المجتمع منها إضافة ثمينة ليست معهودة، فليس الشأن هنا توثيق الحدث فقط على أهميته، وإنما بيان ما قام في نفوس بعض الناس تجاهه.

كذلك من التجديد اللطيف أن المؤلف أعاد كتابة كلمة قصيرة بخطه الواضح الجميل، ولا يخفى أن جمال الخط أحد الفصاحتين، والخط بالجملة يعاني من أزمة “وجود” هذه الأيام؛ فلم يعد قابلًا للقراءة فضلًا عن أن يقول قائل: “الخط ما قرئ والباقي صنعة!”، وعمومًا فهذه المسألة جديرة بأن يُلتفت إليها من قبل الوالدين الناصحين في المقام الأول، ثمّ من المعلمين والمعلمات المخلصين، فالخط الصحيح يعني حسن فهم وتلّذذ بالعلم، ويعني القدرة على القراءة بإتقان، مع توافر ذوق رفيع.

كما أن هذه السيرة تفتح لنا الباب نحو تجديد مطالبة “المشايخ” بكتابة ذكرياتهم وسيرهم ونشرها، وقد اطلعت سابقًا على عدة مشروعات مكتملة من هذا الباب ولكنها لما تنشر بعد، ولا أعلم للتردد سببًا وجيهًا. الذي يدعوني للتأكيد على هذا المطلب هو أن حياة المشايخ ذات تجارب ثرية ربما يُغفل عنها، وفيها نفحة من إيمان، وجدية في طلب العلم، وبيان لجانب من حيواتهم، فضلًا عن أنه تقارب من القراء محمود ومرغوب، وفوق ذلك فهي تجلّي لنا العالَم المشيخي، وربما يكون فيها كشف لشبه، وإصلاح لتصورات، ومآرب أخرى. وسوف نجد في هذه السيرة الطريقية حديثًا شائقًا عن المكتبة والقراءة والكتابة والبحث والدعوة والتدريس والرحلات، وأخبارًا شخصية أو أسرية أو مع الأصحاب في أزمنة متعددة.

وفي هذه السيرة شخصيات، وأفكار، وكتب، وأحداث، وقصص على أنواعها، ولذا فإن القارئ سيقف على سيرة ذاتية عليها سيما العلم ومنهج البحث والتأليف الأكاديمي، بيد أنها صيغت بأسلوب سلس مشوق، وبالتالي فالمتعة فيها قرينة للمنفعة، وما أحسن اقترانهما معًا. وعسى أن يكون هذا الكتاب فاتحة شهية للكتابة السيرية لدى كثير من المشايخ والقضاة والأساتذة بعيدًا عن الزهد فيها أو التورع عنها، فالكتابة من ها الوجه شهادة على العصر، ورواية لا محذور فيها ولا تزكية، والحمدلله أن صدر شيء من هذا القبيل، وفرغ آخرون من سيرهم، وبعضهم قد مضى في هذا الطريق، ويوشك أن ينتهي منه ليروي لنا عمّا قريب شيئًا من تاريخ قلعة علم كبيرة عريقة، وإلى ذلكم الحين المنتظر، أدعو القارئ الكريم وهو يقلّب صفحات هذه السيرة أن يستكشف معنى التركيب القرآني “لتركبن طبقًا عن طبق”، ويتمثله داخل أحداث سيرة الطريقي التي سبكها وأحكمها بعد أن جمعها وقمشها تقميشًا!

ahmalassaf@

الرياض- الأحد 30  من شهرِ ربيع الآخر عام 1448

11 من شهر أكتوبر عام 2026م

Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.