رحم الله أستاذي العالم المربي البروفيسور كمال الدين الطاهر حسين (1367-1448=1948-2026م) الذي بلغني خبر وفاته قبل قليل، بعد سنوات من المرض وفقدان الوعي، والله يجعل ما أصابه من التكفير ورفعة الدرجات، وأن يكون ممن كتب له إبان مرضه الطويل ما كان يفعله وهو صحيح مقيم من صالح العمل.

كان ابن السودان، الدارس فيها ثم في بريطانيا، البروفيسور كمال الدين الطاهر أستاذًا في كلية الصيدلة بجامعة الملك سعود، وكنا ونحن طلاب في الكلية نعرفه، ونعلم أنه صاحب أبحاث كثيرة وعدة مؤلفات، وعنده اكتشافات وبراءات اختراعات مسجلة محليًا ودوليًا، ولديه مقالات منشورة ومقاطع تعليمية مسجلة، وفيما بعد حصل على جوائز وتكريم من الجامعة ومن غيرها في المملكة والسودان وبريطانيا وأمريكا، وأدرج اسمه ضمن العلماء والمكتشفين.
كما كنا نلاحظه وهو يحضر للكلية كل يوم في بواكير الصباح، ويذهب من فوره لمعمله كالسهم المنطلق، وحين نخرج قبيل المغرب نتفاجأ أنه موجود أو يهم بالمغادرة، وهكذا المنجزون فهم مبكرون مثابرون لا يلتفتون لغير مبتغاهم. ومما لفت النظر فيه أنه لا يتكلّف كثيرًا في اللباس والمظهر، وهذا ديدن من تكمن عظمتهم في قلوبهم وعقولهم، فليس للشكل الخارجي لديهم منزلة زائدة عن الحدّ المعقول.

من خبر أستاذنا أن حركته في المشي سريعة جدًا حتى لكأنه في سباق مع الزمن، وقد أعانه عليها خفة جسمه وقلة ما يحمله من لحم. ومن جميل عادة الأستاذ أن بسمته المشرقة دائمة، وقد يبدأ الطلبة بالتحية، ولا يتعرض لغيره من زملائه بهمز أو لمز. ومن توفيق الله للبروفيسور أنه يهبُّ مستجيبًا لنداء الصلاة إذا سمع الأذان، هذا مع أنه منهمك بمعمله وأبحاثه، فما عذر من تحبسه عن صلاة الجماعة محادثة أو لعبة أو لهو!
مما أذكره عن أستاذنا الراحل أن أحد الزملاء علّق في إحدى المحاضرات على معلومة أوردها أ.د.كمال، فقال الزميل: يُروى عن النبي حديث في التفريق بين ما يُصنع مع بول الغلام وبول الجارية، فما كان من الأستاذ المؤمن إلا أن قال: إذا صح الحديث فابحث -يا فلان- الفرق بينهما بعد التخرج، وسوف تحصل على درجة الماجستير، وهذا موقف تسليم منه وإذعان لقول النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم، وأين منه بعض من يظنون أن قوة العلم تأتي من الجحود والإنكار والتعالي على النصوص الشرعية!

كما أذكر أني قلت له مرة: هذه المادة -من مواد علم الأدوية- التي ندرسها عندك صعبة، ولا يوجد فيها قسم عملي عليه ثلث الدرجة مثل غالب المواد، وبالتالي فالنجاح قد يعسر علينا! فتفاعل مع كلامي وكنا في امتحان حينها، وأعلن لطلبة الشعبة كافة بأن من يكتب له بحثًا بعد التنسيق معه فسوف يعطيه درجات إضافية حتى يضمن النجاح، وهذا موقف نظامي فيه تعاون منه وتيسير، وتدريب على البحث.
فكنتُ أول من اغتنم الفرصة، وطلبت منه اقتراح موضوع أبحثه كي أحصل على درجة! فقال: أنا عاكف على تأليف كتاب عن تأثير اللبن والحليب ومشتقاتهما على الأدوية فهل تكتب لي بحثًا مختصرًا عن الزبادي؟ فوافقت من فوري، واستعنت بزميل عزيز من قسم التغذية العلاجية بكلية العلوم الطبية التطبيقية؛ كي يفيدني بالمراجع، لكنه -جزاه الله خيرًا- كتب لي بحثًا كاملًا وسلمه لي، فكتبت عليه مقدمة فيها فوائد شرعية ولغوية وأدبية، وأعطيته للأستاذ، الذي منحني الدرجة كما منحها لمن قدم بحثًا من الطلبة الخائفين من المادة الصعبة. وقد أراد الأستاذ من هذه المشاركة البحثية القصيرة تعليمنا والاطلاع على مبلغ جهدنا، وفوق الدرجة التي أخذتها أهداني أحد أعز كتبه عن الأدوية الأساسية.
غفر الله لأستاذنا البروفيسور، ورحمه وثبته وألهمه حجته، وجعله في برزخ آمن مطمئن، ومبعث يأخذ بعده كتابه باليمين، وأحسن العزاء لأسرته وآله، ولزملائه وطلابه، ولعلماء المسلمين قاطبة، وكتب للسودان الأمن والسلامة والرغد، ولبلادنا وبلاد المسلمين والمسالمين كافة، وعوض جامعاتنا عمن تفقده من هذه النماذج الباهرة من أفذاذ العلماء والمكتشفين والباحثين.
الرياض- الأربعاء 26 من شهرِ ربيع الآخر عام 1448
07 من شهر أكتوبر عام 2026م