سير وأعلام عرض كتاب

لماذا أحببت ابن سعود

هذا العنوان يصلح أن تُلحق به علامة استفهام فيكون سؤالًا، ويصلح أن يأتي بلا استفهام على أنه جزء من الجواب المجزوم به، وهذه السعة بين الاستفهام والتقرير لا تأتي مع كل شخصية، فقلّما نجد شخصيات تاريخية باهرة تجبر الكاتب على ذلك، ولأجل هذا يعظم احتفاء بصراء المؤرخين والنابهين من الكتّاب بالشخصيات القليلة التي يصدق عليها هذا الوصف، وهو وصف لا يعني التقديس، لكنه يشير إلى اجتماع سمات يندر  وجودها في إنسان واحد، خاصة مع استصحاب سياقات الزمان والمكان والحال.

لأجل ذلك جاء هذا الكتاب بعنوان: لماذا أحببت ابن سعود، وهو بقلم محمد أمين التميمي، وأصدرته دارة الملك عبدالعزيز سنة (1419-1999م) بمناسبة مرور مئة عام على تأسيس المملكة العربية السعودية، ويقع في (136) صفحة مكونة من تقديم وإهداء فالمقدمة ثم ثلاثة أقسام فيها خمسة عناوين سبقتها قصيدة جميلة. والمؤلف محمد أمين التميمي (1324-1396=1906-1976م) أديب ومؤرخ خدم التاريخ السعودي بالبحث والترجمة والكتابة وتصوير الوثائق وإعداد شجرة الأسرة الملكية عام (1363) وتحديثها بدقة بعد ذلك، إضافة لإعداد شجرة أسرة آل الشيخ. كما عمل في وزارة المعارف ودارة الملك عبدالعزيز، وأهدى كتابه هذا للملك عبدالعزيز عند زيارته لمصر عام (1365=1946م)، وبعد وفاته أرسل أولاده جميع أوراقه للدارة التي تعمل على نشر مادتها العلمية.

لم يكن التميمي أول من أبدى إعجابه بالملك عبدالعزيز، ومحبته له، ذلك أن هذا الإعجاب أصبح إرثًا كبيرًا مشتركًا بين جلّ من عاصروا الملك عبدالعزيز وتأملوه بحياد، حتى أن بعضهم خاض المخاطر غير ملتفت للتحذيرات كي يرى المزيد ويطلع عن كثب على أحوال عسكرية وقيادية ميدانية من شخصية عبدالعزيز مثل الكابتن ” وليام شكسبير”، ومنهم من خالف سياسة حكومته وتقديراتها، ونصحها بغير ما تراه تجاه الزعيم العربي مثل “بيرسي كوكس” و ” جون فيلبي” الذي فضّل المقام في مملكة عبدالعزيز والكتابة عنه وأصبح مسلمًا اسمه عبدالله، وهي الكتابة التي شاركه فيها آخرون مثل الريحاني ومحمد أسد وغيرهما.

ثمّ إن مسيرة الانبهار لم تقف عقب رحيل الملك المؤسس إلى رحمة الله وعفوه، والدراسات والمؤتمرات والمقالات وترجمة الوثائق مستمرة فيما يخص عبدالعزيز، وكذلك دراسة جوانب عديدة من حياته، ومسيرته القيادية، ومنهجه في حقول عدة، ومع ذلك فالرأي السائد -وله وجاهته- يخلص إلى أن سيرة الملك عبدالعزيز، وشخصيته، لم يكتب عنها كتابة شافية حتى الآن، وهو رأي شائع لا يستغرب؛ فالشخصيات التي تصنع التاريخ، وتحدث التغيير، يصعب الإحاطة بها.

وبالتالي تغدو هذه الشخصيات حقلًا منفردًا في الكتابة والتأليف، ومجالًا قائمًا بذاته، وروضًا أنفًا خصيبًا للباحثين حتى مع كثرة من سار فيه وشارك، ولأجل هذا كان ربط الدارة بعد تأسيسها بالملك عبدالعزيز وإطلاق اسمه عليها قرارًا إستراتيجيًا يتجاوز التقدير للشخصية إلى رسالة موجزة بليغة مفادها أن ذاكرتنا الوطنية، والمخزن التاريخي لبلادنا لها مراكز ثقل وقوة، وعبدالعزيز أحد أعمدتها الكبار مع من سلف من آبائه، ومصداقًا لذلك نجد أن الذين كتبوا عن المملكة فيما بعد لا يسعهم إلّا الوقوف الطويل رواية، والعميق -أحيانًا- تحليلًا مع عبدالعزيز وشخصيته، مثل “أليكسي فاسيلييف”، وجلال كشك، و”روبرت ليسي”، و”آلان دوكو” الكاتب والمؤرخ الفرنسي الذي أنتج فيلمًا توثيقيًا عن الملك عبدالعزيز خلب به ألباب الناطقين بالفرنسية بعد أن افتتن هو نفسه بشخصية الملك، وقصته كاملة رواها الشيخ جميل الحجيلان في مذكراته.

أعود إلى كتاب التميمي الذي كتب خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان -حفظه الله ورعاه- تقديمًا له، فالملك سلمان ممن حفظ تاريخنا المحلي بأكثر من سبيل شخصي، وثقافي، وإداري، وحواري، وهذا الجهد الملكي اللافت أضحى مادة بحث حديث للدكتور حمد بن عبدالله العنقري والدكتور بندر بن مطلق العصيمي نُشر في مجلة دارة الملك عبدالعزيز بعنوان: “عناية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود بالتاريخ”، وهو في العدد رقم 02 من المجلد رقم 52 عام ٢٠٢٦م. ومن إشارات التقديم المهمة التحديث بنعمة الإسلام والتمسك به، والتأكيد على أن استرداد الرياض هو اللبنة الأولى في تأسيس المملكة، وهذه النعم جديرة بالتذكر والشكر قولًا وعملًا، وهو ما سعت له “مكتبة المئوية” الصادرة عن الدارة.

أما الكتاب الذي وضعه التميمي، فقد جاء على ثلاثة أقسام بخمسة عناوين، وهذه الأقسام هي: سيرة التميمي، ثمّ رحلته إلى المملكة، وأخيرًا لقاؤه مع الملك عبدالعزيز، والعناوين هي: أيام الصبا، في طريق الهداية، معلومات عامة عن الجوف، حقائق ومشاهدات، إيمان العين بعد الأذن. وما سطره التميمي عن سيرته ورحلته بقلم الأديب وعين المؤرخ حقيق بالعرض، وعسى أن يكتمل نشر ما يخصه كي يكون الاستعراض واحدًا متصلًا.

ويبقى القسم الأخير والعنوان الخامس، وجوهره جواب التميمي عن أسئلة الناس المتكررة إبان مقامه في مصر، وسؤالهم منحصر في سر المحبة للملك عبدالعزيز والإعجاب به، وهو حينذاك بعيد عنه لا يرجو منفعة دنيوية، بل ويدافع عن تاريخ الدولة السعودية ويطالب بتصحيح ما ورد عنها من أغلاط في المناهج الدراسية، فكان الجواب هو هذا الكتاب الصادق لفظه، الماتع محتواه، البعيد عن الإرسال، المليء بالدليل والبرهان، وهذا هو الواجب في ما يُكتب عن البلاد ورموزها، كي تقنع الحجج المنصف، وتلجم الشواهد سواه.

لقد أبرز التميمي مشاهداته وملاحظاته في شؤون ملكية شخصية وعامة، وفي سياسة الملك الداخلية والخارجية، وهذه الشهادة تمنح النص قدرًا من الموضوعية تتجاوز الحب إلى الإثبات والبيان وسوق الدليل الحي. كما شملت هذه الصفحات جانبًا من تعامل الملك مع المخطئ والمصيب، وطرفًا من طريقته في الإدارة والحوار، وشيئًا عن التعبد والقرب من الرب الجليل سبحانه، ثمّ ذكر بعبارات مختصرة ما تنعم به البلاد من أمن وتنمية، وما يوليه الملك وحكومته من اهتمام بالحرمين والحج، مع الحرص على توقير الشعائر وتعظيمها، ونصرة المعروف ومقاومة المنكر، وتقوية الفضيلة وأسبابها، والسعي الذي لا يتوقف لتحصيل مصالح الدنيا والآخرة وتكثيرها ودفع ما يضادها. إن وجود المثقف النزيه، النبيه، الفطن، في دوائر الحكم وأروقته له أثره الثقافي والتاريخي، وهو ما يظهر جليًا في رزانة ما كتبه رجالات الملك المؤسس مما يصعب على المتربص نقده الشديد فضلًا عن نقضه، وهكذا يصنع العقل الصافي، والقلم الشريف.

ahmalassaf@

الرياض- الأربعاء 20  من شهرِ ربيع الأول عام 1448

02 من شهر سبتمبر عام 2026م

Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.